بلغت حدة التوتر بين البيت الأبيض والاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ذروتها خلال عطلة نهاية الأسبوع بعد أن فتح المدعون الفيدراليون تحقيقاً جنائياً ضد رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول بشأن تجديد مباني البنك، حيث أصدر باول بياناً مصوراً مساء الأحد الماضي، اتهم فيه الرئيس ترامب بالتهديدات والضغوط السياسية، وقد تفاعلت الأسواق مع هذه التطورات بحذر واضح، إذ تبنّت نهجاً دفاعياً في ظل تنامي المخاطر السياسية المرتبطة باحتمال تصاعد المواجهة.
وقال باول: “القضية هنا تتعلق بما إذا كان الاحتياطي الفيدرالي سيتمكن من الاستمرار في تحديد أسعار الفائدة استناداً إلى الأدلة والظروف الاقتصادية، أم أن السياسة النقدية ستُدار بدلاً من ذلك تحت وطأة الضغوط السياسية أو الترهيب”.
من جانبها، وصفت الرئيسة السابقة للاحتياطي الفيدرالي جانيت يلين التحقيق بأنه “مقلق للغاية”، محذّرة من احتمال حدوث تقلبات في الأسواق، وفي هذا السياق، تراجعت الأسهم الأميركية عن مستوياتها القياسية الثلاثاء الماضي، في حين قفزت أسعار النفط وسط استمرار حالة عدم اليقين بشأن المستقبل القريب لإيران.
ظلت أسواق الأسهم متباينة، رغم صدور بيانات تضخم جديدة جاءت أهدأ من المتوقع هذه المرة، إذ استقر معدل التضخم عند 2.7 % خلال شهر ديسمبر، مع تحركات للأسواق تشير إلى حالة من الترقب والترقب الحذر، في وقت ينتظر فيه المستثمرون إشارات أوضح بشأن الصراع القائم بين ترامب والاحتياطي الفيدرالي.
وعلى النقيض من ذلك، تراجعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية، ما يعكس أجواءً حذرة في الأسواق وثقة بأن سياسة الاحتياطي الفيدرالي ستبقى معتمدة على البيانات الاقتصادية لا على الضغوط السياسية، غير أن التقلبات تبدو أكبر في عوائد السندات طويلة الأجل، وهو ما يشير إلى قلق لا يتعلق بمعدلات التضخم بقدر ما يرتبط بعدم القدرة على التنبؤ بالسياسات المستقبلية.
محافظو البنوك المركزية العالميون
أعلن قادة البنوك المركزية حول العالم دعمهم الكامل لباول، فقد أصدر رؤساء البنك المركزي الأوروبي، والبنك الوطني السويسري، وبنك إنجلترا، وثماني مؤسسات أخرى، بياناً مشتركاً، أعربوا فيه عن “تضامنهم الكامل” مع رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الذي يواجه ضغوطاً متزايدة.
وقالت كريستين لاغارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي: “إن الاستقلالية الحقيقية للقطاع المصرفي أمر بالغ الأهمية لاتخاذ قرارات نزيهة”، مضيفة: “إن القدرة على تنفيذ التخطيط متوسط وطويل الأجل شرط أساسي لا غنى عنه لتحقيق استقرار الأسعار”.
عندما سُئِل ترامب في حديقة البيت الأبيض عما إذا كان التحقيق سيقوض الثقة في الاحتياطي الفيدرالي، قال: “إن جيروم باول، الذي تأخر كثيراً، تجاوز الميزانية المخصصة للتجديدات بمليارات الدولارات”، مضيفاً: “إما أنه غير كفء أو أنه فاسد”، ولطالما انتقد ترامب باول لتأخيره في خفض أسعار الفائدة، ومع ذلك، فإن تصريحات الرئيس ليست مجرد استعراض؛ فمن خلال مثل هذه المناورات، يسعى ترامب إلى وضع نفسه خارج النخبة المالية وضدها، وبناء قاعدة شعبية.
تصريحات ترامب ليست مجرد استعراض فمن خلال هذه المناورات يسعى ترامب إلى وضع نفسه خارج النخبة المالية وضدها وبناء قاعدة شعبية
تأتي تصريحات ترامب عقب إعلان مفاجئ عن عزمه تحديد سقف لأسعار الفائدة على بطاقات الائتمان عند 10%، قائلاً: إنه “لن يسمح بعد الآن باستغلال شركات بطاقات الائتمان للشعب الأمريكي”، وبينما يرى المحللون أن هذا الإجراء سيزيد من نفور المقرضين من المخاطرة وقد يأتي بنتائج عكسية، إلا أن رسالة ترامب تلقى صدىً لدى شريحة من الشعب مثقلة بالديون ومنقسمة سياسياً.
وفي غياب إجراءات تنفيذية أكثر صرامة، قد يُقيّد سقف ترامب لنسبة الفائدة السنوية بشكلٍ كبير منح الائتمان من قِبل المقرضين الذين عادةً ما يعوضون المخاطر برفع الأسعار.
الصدام بين ترامب والفيدرالي والعقارات
من المرجح أن تتأثر أسواق الأصول بتصاعد الخلاف مع الاحتياطي الفيدرالي، لا سيما في ظل سياسة ترامب غير المتوقعة، ففي الأسبوع الماضي، أعلن الرئيس أنه سيمنع كبار المستثمرين المؤسسيين من شراء منازل العائلات، مصرحاً بأن “الناس يعيشون في منازل، لا في شركات”، ورداً على ذلك، شهدت أسهم شركات العقارات العملاقة انخفاضاً حاداً، حيث سجلت شركة “إنفيتيشن هومز”، الأكبر من نوعها، انخفاضاً في سعر سهمها بنسبة 8% تقريباً خلال 90 يوماً.
أدى ارتفاع الطلب على الأصول، وليس الحاجة الفعلية للسكن، إلى زيادة التقييمات، ما زاد من تضخم السوق، وبحسب معايير التسعير، فإن سوق العقارات اليوم مبالغ في تقييمه أكثر من فقاعة عام 2006، مع ارتفاع نسب الأسعار إلى الدخل، حتى مع انخفاض احتمالية الانهيار الفعلي نتيجةً لغياب قروض الرهن العقاري عالية المخاطر.
ويُعدّ وعد ترامب بحظر المستثمرين المؤسسيين هدفاً سياسياً لبيرني ساندرز والجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي، ومع ذلك، وبفضل سلطته التنفيذية، يتمتع ترامب بوضع أفضل لترجمة الخطاب إلى سياسات، لكنه يواجه عقبات كبيرة في الكونغرس، حيث انتقد العديد من الجمهوريين التحقيق في الاحتياطي الفيدرالي، وقد أعرب وزير الخزانة في إدارة ترامب، سكوت بيسنت، عن استيائه من هذه الخطوة، واصفاً إياها بأنها “تشتيت غير ضروري”.
كان جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لشركة جيه بي مورغان تشيس، من أبرز المسؤولين الماليين الذين حذروا من تسييس المؤسسات الاقتصادية، كما وجّه ترامب انتقادات لاذعة لديمون، مُلمّحاً إلى أنه “ربما يُريد رفع أسعار الفائدة؛ ربما يُحقق المزيد من المال بهذه الطريقة”.
وباعتبارها أكبر مُقرض لبطاقات الائتمان في أمريكا، تمتلك جيه بي مورغان تشيس ديوناً قائمة تزيد بنحو 60 مليار دولار عن أقرب منافسيها، وقد أعلن البنك عن انخفاض ملحوظ في أرباح الربع الرابع، وبعدها أبدى ديمون دعمه لباول وتفاؤله بشأن آفاق الاقتصاد الأمريكي.
ومع ذلك، لا تزال الأسواق هشة، إذ يُفاقم الخلاف بين ترامب والاحتياطي الفيدرالي المخاوف بشأن التقلبات، ويهدد بتقويض مصداقية السياسة النقدية الأمريكية، وفي هذا السياق، يواجه بنك جيه بي مورغان تشيس وغيره من البنوك مخاطر متزايدة جراء إجراءات ترامب المتعلقة بالإسكان وبطاقات الائتمان.
مصداقية الدولار وتسييس النقد
يُلقي تزايد تسييس السياسة النقدية بظلاله على مصداقية الدولار الأمريكي كعملة احتياط عالمية، حيث يُقوّض الخلاف بين ترامب والاحتياطي الفيدرالي النظرة العامة لاستقلالية السياسة النقدية الأمريكية، ما قد يدفع المستثمرين إلى تنويع احتياطياتهم النقدية بعيداً عن الدولار.
الخلاف بين ترامب والفيدرالي النظرة العامة لاستقلالية السياسة النقدية الأمريكية ما قد يدفع المستثمرين إلى تنويع احتياطياتهم النقدية بعيداً عن الدولار
ورغم عدم حدوث عمليات بيع مكثفة، إلا أن هذا الحادث قد يُشجع المستثمرين على تقليل انكشافهم على الدولار، لا سيما مع استمرار الولايات المتحدة في تعزيز نفوذ الدولار من خلال فرض عقوبات على دول معادية.
الجدير بالذكر أن الصين، المنافس الرئيسي للولايات المتحدة، والتي كانت سابقاً أكبر حائز أجنبي لسندات الخزانة الأمريكية، تُواصل بيع احتياطاتها من الدولار.
ومع ذلك، تأتي تصعيدات ترامب في ظل مخاوف سابقة بشأن مصداقية الدولار، حيث تراجع الطلب العالمي على سندات الخزانة الأمريكية، التي تُعتبر أداة خالية من المخاطر ومرجعية قياسية، في السنوات الأخيرة، لا سيما وسط القلق بشأن التماسك الاستراتيجي في كتلة الولايات المتحدة-الاتحاد الأوروبي.
وبعد غزو روسيا لأوكرانيا، اتخذت الكتلة إجراءً غير مسبوق، حيث جمدت نحو 300 مليار دولار من احتياطيات البنك المركزي الروسي المحتفظ بها بالدولار واليورو، وللحفاظ على الثقة، سمح الاتحاد الأوروبي باستخدام العائدات الناتجة عن هذه الأصول فقط لتمويل مشتريات الأسلحة لأوكرانيا.
من خلال هذه الإجراءات، يُشير الغرب إلى أن الأصول الاحتياطية مرهونة سياسياً وقابلة للمصادرة، ومع ذلك، يبقى من غير الواضح ما إذا كان بالإمكان الحفاظ على هيمنة الدولار من خلال هذه الأدوات القسرية بنفس القدر الذي يمكن تحقيقه من خلال مفهوم حياد الدولار الذي كان تاريخياً أساس النظام النقدي الدولي الذي تقوده الدول الغربية.

العلاقات الأمريكية-الصينية والتمويل العالمي
تعكس السياسة الداخلية غير المتوقعة لترامب نهجاً أكثر تصادمية في الشؤون الخارجية، لكنها تتأثر ببيئة مالية عالمية سريعة التغير، وبالنظر إلى الأمر من منظور جيوسياسي، يُبرز الصدام بين ترامب والاحتياطي الفيدرالي مواطن الضعف الهيكلية في قدرة الغرب على حشد وتنسيق رؤوس الأموال على نطاق واسع لتحقيق أهداف استراتيجية، في وقت تُعزز فيه بكين مكانتها كمركز بديل للتمويل والإقراض.
تعكس السياسة الداخلية غير المتوقعة لترامب نهجاً أكثر تصادمية في الشؤون الخارجية لكنها تتأثر ببيئة مالية عالمية سريعة التغير
كان التحول سريعاً وعميقاً، ففي مطلع القرن، لم يكن أي بنك صيني يُصنّف ضمن أفضل 75 بنكاً في العالم؛ أما اليوم، فإن أكبر أربعة بنوك في العالم هي بنوك صينية مملوكة للدولة، تُشكّل نحو 13% من إجمالي أصول القطاع المصرفي العالمي، وبفضل تحررها من قيود الربحية قصيرة الأجل، وعزلتها عن الاحتكاكات بين القطاعين العام والخاص، تُعدّ البنوك الصينية المملوكة للدولة أدوات محورية في التخطيط الاستراتيجي طويل الأجل لبكين.
رغم أن المؤسسات الأمريكية لا تزال تتصدر من حيث الربحية والنفوذ السوقي، إلا أن الشركات المملوكة للدولة الصينية توسعت بسرعة لتشغل المساحة المتبقية في مجال الإقراض الأجنبي بعد الأزمة المالية عام 2008، ومنذ ذلك الحين، انخفضت حصة البنوك الغربية من الإقراض العالمي العابر للحدود من 85% إلى نحو 60%، حيث تستحوذ الشركات الصينية المملوكة للدولة على معظم هذا الفارق، حيث يشكل الإقراض الاستراتيجي ركيزة أساسية لانخراط بكين الدبلوماسي، بينما يرتبط تمويل البنية التحتية ارتباطاً وثيقاً بنموذجها التنموي الموجه نحو التصدير.
أدى صعود الصين إلى إضعاف النفوذ الجيوسياسي للإقراض الغربي، وفي الوقت نفسه أعاد تشكيل طبيعة التمويل العالمي، ففي بيئة متعددة الأقطاب بشكل متزايد، تتشابك الأنشطة المالية والاعتبارات الجيوستراتيجية، وفي مواجهة المنافسة المستمرة، يبدو أن الممارسات المالية القائمة على السوق، والتي سادت في نظام ما بعد الحرب الباردة، عاجزة بشكل متزايد عن مواكبة النهج الموجه من الدولة في تخصيص رأس المال الاستراتيجي الذي روجت له جمهورية الصين الشعبية.
ربما ليس من قبيل الصدفة أن خطاب ترامب الشعبوي يردد نفس شعار شي جين بينغ: “المنازل للعيش وليس للمضاربة”، سواء كانت المسارات المستقبلية تتسم بالتقارب أو بالتموضع من الناحية السياسية والاقتصادية الكلية، فإن حلقات مثل صراع ترامب مع الاحتياطي الفيدرالي تكشف عن تصدعات في الموقف الاستراتيجي للغرب.




