بغض النظر عن الكيفية التي ستنتهي بها الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، إلا أن نهايتها قد لا تعني الاستقرار بقدر ما تمثل بداية مرحلة أكثر تعقيداً وخطورة لدول الخليج، وهذا تحديداً ما يلوح في الأفق اليوم، في ظل الأهداف المفتوحة والمتغيرة، وحالة عدم اليقين التي تحيط بمسارات الحرب، ما يضع دول الخليج أمام اختبار استراتيجي غير مسبوق.
المعضلة التي تواجه دول الخليج ليست بسيطة، فهي لا تقف أمام خيار واضح بين الاستقرار والفوضى، بل أمام خيارين كلاهما يحمل مخاطر عميقة، وتداعيات مستقبلية، على البنية الأمنية.
المعضلة التي تواجه دول الخليج ليست بسيطة فهي تقف أمام خيارين كلاهما يحمل مخاطر عميقة وتداعيات مستقبلية
الخيار الأول، يتمثل في إضعاف النظام الإيراني دون إسقاطه، وهذا ما يمنحه الفرصة لإعادة بناء نفسه بشكل أكثر تنظيماً وعمقاً، والعودة لاحقاً بسلوك أكثر عدوانية؛ أما الخيار الثاني فهو سقوطه دون بديل مستقر، وهو سيناريو قد يدفع إيران نحو حالة من الفوضى تمتد آثارها إلى الإقليم بأكمله، خاصة في ظل هشاشة البيئة المحيطة.
في حال انتهاء الحرب دون القضاء على مصادر التهديد، فإن ذلك لا يعني الاستقرار، بل إعادة إنتاج الخطر في صورة أكثر تعقيداً، فإيران التي تخرج من مواجهة مفتوحة دون إسقاط نظامها، ستستغل ذلك داخلياً وخارجياً لإظهار قدرتها على الصمود في وجه قوى كبرى، وهو ما يعزز من ثقتها بنفسها، ويزيد من جاذبيتها لدى حلفائها ووكلائها، ويدفعها نحو سلوك أكثر جرأة وحدّة.
أما إذا ما وصلت الأمور إلى إسقاط النظام، فلا أحد فعلياً وضع في اعتباره عند بداية الحرب، إشكالية عدم وجود بديل جاهز وقادر على تثبيت النظام العام، وضبط الحركات الانفصالية، مما يعني بالضرورة الانتقال إلى مرحلة من الفوضى، التي لن تقف عند حدود إيران.
في هذا السياق، تصبح المعضلة الخليجية مركبة، وأكثر تعقيداً، فكلا الخيارين ليس حلاً، بل بداية لصراع أكبر، فالدول التي تسعى إلى بناء نفسها كمراكز مالية واقتصادية عالمية لا يمكنها الاعتماد على استقرار مؤقت أو هش، فالاستثمار لا يبحث عن غياب الحرب فقط، بل عن عدم اندلاعها المفاجئ، وأي بيئة قابلة للاشتعال في أي لحظة، هي بيئة طاردة لرأس المال، مهما بلغت قوتها الاقتصادية.

الضرورة الاستراتيجية للمبادرة الجماعية
في ظل هذا التعقيد، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمسار الموقف الخليجي، الأول هو البقاء في موقف الدفاع السلبي، والاكتفاء بمتابعة مجريات الحرب وانتظار نتائجها، وهو خيار قد يبدو الأقل تكلفة على المدى القصير، لكنه عملياً يضع مستقبل الخليج العربي في يد قرارات خارجية، ويعرضه لنتائج لا تراعي مصالحه، ويقوض صورته كمنطقة قادرة على التحكم في مصيرها.
السيناريو الثاني، يتمثل بأخذ زمام المبادرة الجماعية، عبر موقف موحد يضغط سياسياً على الإدارة الأمريكية بشكل فعلي، لإيجاد حل جذري لمصادر التهديد، بالتوازي مع بناء منظومة دفاعية وأمنية مشتركة دون انتظار، وهو خيار يقوم على الفعل لا رد الفعل، وعلى محاولة تشكيل مخرجات الأزمة بدل التكيف معها.
أما السيناريو الثالث، فيتمثل في التحرك الثنائي أو الفردي، حيث تتعامل كل دولة وفق حساباتها الخاصة، وهو مسار قد يوفر مرونة مؤقتة، لكنه يفتح الباب أمام حلول مجزأة، ويمنح الأطراف الأخرى القدرة على إدارة التباينات بدل حل الأزمة.
وبين هذه السيناريوهات، لا يبدو أن السيناريو الأول أو الثالث يوفران مخرجاً حقيقياً، بل يكرسان حالة الانتظار أو التباين التي أثبتت محدوديتها، وعليه، يصبح السيناريو الثاني، القائم على المبادرة الجماعية، ليس مجرد بديل، بل ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة التهديد نفسه.
انطلاقاً من ذلك، فإن دول الخليج تعيش مرحلة حاسمة، تبرز فيها الحاجة إلى موقف خليجي موحد، لا يكتفي برفض أنصاف الحلول، بل يحدد بوضوح ما الذي يشكل حلاً حقيقياً، ففي حالة الاكتفاء بإضعاف النظام الإيراني دون إسقاطه، لا بد من إيجاد حلول فعلية لملفات أساسية مثل البرنامج الصاروخي، والطائرات المسيّرة، وشبكات الوكلاء، والتدخلات الإقليمية، إذ أن تجاهل أي من هذه العناصر يعني ببساطة الإبقاء على التهديد قائماً بأشكال مختلفة.
دول الخليج تعيش مرحلة حاسمة تبرز فيها الحاجة إلى موقف خليجي موحد لا يكتفي برفض أنصاف الحلول بل يحدد بوضوح ما الذي يشكل حلاً حقيقياً
إعادة التقييم في عصر عدم اليقين
أما إذا ذهبت الحرب إلى مستوى إسقاط النظام، فعلى دول الخليج الاستعداد لمرحلة جديدة، من فوضى الشرق الأوسط، وعليها إدراك أن سياساتها في الأزمات الأخرى، والتي جنبتها الارتدادات السلبية، لن تجد نفعاً هذه المرة، فإيران على الضفة المقابلة لها، ناهيك عن الامتداد الجغرافي الإيراني للحدود العراقية الهشة، وبالتالي التمدد وصولاً إلى سوريا، مع ما تعانيه أصلاً من عدم استقرار.
كل ذلك يقود إلى إشكالية واحدة، وهي أن دول الخليج ستواجه مرحلة مختلفة تماماً عن المراحل التي سبقت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، وهذا ما يتطلب بالضرورة، تعديلاً عميقاً في التعامل مع المعطيات الجديدة، وترقية الأولوية الدفاعية والأمنية لتصبح هي الأولوية الرئيسية.
وما يعمق هذه الإشكالية، أن دول الخليج العربي، وقبيل نشوب الحرب كانت تعاني أصلاً من تبايناً كبيراً بينها، وتنافساً على النفوذ وصل في بعض مراحله إلى مستوى أثّر على تماسك الموقف الخليجي.
التنسيق وليس المنافسة
كما تمتد الإشكالية إلى طبيعة علاقة دول الخليج مع المحيط الإقليمي، فقد راهن الخليج في مراحل سابقة على أدوار بعض الدول العربية والإقليمية، سواء كعمق استراتيجي أو كشركاء في إدارة التوازنات، إلا أن هذا الرهان لم يكن قائماً دائماً على شراكات متكافئة، بل تأثر في كثير من الأحيان بمنطق التنافس، حيث سعت كل دولة خليجية إلى توسيع نفوذها عبر الدعم أو الاستثمار في دول إقليمية أو عربية، وبدل أن يؤدي ذلك إلى بناء تحالفات استراتيجية متماسكة، أسهم في ترسيخ نمط من العلاقات غير المتوازنة، تعاملت فيه بعض هذه الدول مع الخليج كمصدر تمويل، لا كشريك حقيقي في الأمن والاستقرار.
ومع اندلاع الأزمة، انكشف هذا الخلل بوضوح، حيث اختارت بعض الأطراف موقع الوسيط، بينما وقفت أطراف أخرى في موقع المتفرج، تاركة دول الخليج في مواجهة التحديات بشكل شبه منفرد، بل إن بعض التقديرات ذهبت إلى التشكيك في قدرة هذه الدول على المواجهة.
وضمن هذه البيئة المعقدة التي باتت تفرض نفسها على دول الخليج، أصبحت المنظومة الدفاعية الموحدة حاجة استراتيجية، أكثر منها تعاوناً وتقارباً خليجياً، إذ أن مواجهة إيران الجريحة
أو فوضى سقوط النظام تتطلب رداً جماعياً وموقفاً متناسقاً، خاصة فيما يتعلق بالشق الدفاعي والأمني، كون أي خاصرة رخوة أو خلل في دولة واحدة سينعكس بالضرورة على الدول الأخرى.
وهنا، لا بد لدول الخليج أن تدرك أن المنظومة الدفاعية الموحدة تمثل المظلة الضامنة لأمنها، دون أن تكون بالضرورة إطاراً لتذويب التوجهات السياسية، إذ يمكن لهذه الدول الحفاظ على تبايناتها في الملفات الإقليمية وعلاقاتها الخارجية، دون أن ينعكس ذلك على المظلة الدفاعية والأمنية المشتركة.
يمكن لدول الخليج الحفاظ على تبايناتها في الملفات الإقليمية وعلاقاتها الخارجية، دون أن ينعكس ذلك على المظلة الدفاعية والأمنية المشتركة
الواقعية السياسية ومستقبل العلاقات الخليجية
كشفت الحروب الحديثة حدود الأنظمة الدفاعية التقليدية، وأظهرت أن التهديدات لم تعد محصورة في الصواريخ الباليستية، بل تشمل الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، والحروب الإلكترونية، والهجمات المركبة، وهذا تحدٍ جديد يفرض تحولاً في عقيدة التسليح نحو أنظمة أكثر مرونة وذكاءً، قادرة على التعامل مع هذا النوع من التهديدات.
كما أظهرت التحديات الحالية ضعف قدرات سلاسل توريد الأسلحة، ما يؤكد أن الاعتماد الكامل على الخارج لم يعد خياراً آمناً، وهو ما يفرض الاستثمار في قدرات صناعية دفاعية محلية، تضمن الاستمرارية في أوقات الأزمات.

سياسياً، فإن ما كشفته الأزمة الحالية يفرض ضرورة إعادة النظر في بنية العلاقات الإقليمية، ليس من منطلق القطيعة، بل من منطلق الواقعية السياسية، التي تعيد تعريف الشراكات على أساس المصالح المتبادلة، وتضع الاعتماد على الذات، والتكامل الخليجي، في صدارة أي تصور مستقبلي للأمن والاستقرار.
غير أن نجاح كل ذلك يرتبط بعامل حاسم، وهو تجاوز منطق التنافس السلبي بين دول الخليج، فالأمن الخليجي لا يمكن أن يُبنى على صراع داخلي حول القيادة، بل على إدراك جماعي بأن التهديد واحد، وأن الرد يجب أن يكون موحداً، فالسؤال لم يعد من يقود؟، بل كيف تُبنى قيادة جماعية حقيقية قادرة على اتخاذ القرار وتحمّل تبعاته؟.
في النهاية، لا تكمن خطورة هذه الحرب في مسارها، بل في الطريقة التي ستنتهي بها، فالنهايات التي تُبقي على مصادر التهديد، لا تنهي الصراع، بل تعيد إنتاجه في شكل أكثر تعقيداً، وبالنسبة لدول الخليج، لم يعد التحدي في انتظار ما ستؤول إليه الحرب، بل في فرض ما يجب أن تكون عليه نهايتها.
لم يعد التحدي في انتظار ما ستؤول إليه الحرب بل في فرض ما يجب أن تكون عليه نهايتها



