بعد مرور أكثر من أحد عشر شهراً على عودة دونالد ترامب التاريخية إلى البيت الأبيض، بدأت استطلاعات الرأي الخاصة بانتخابات منتصف الولاية في تضييق الهامش السياسي اللازم لدفع أجندة “لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً” (MAGA)، مع تصاعد قلق الناخبين بشأن طريقة تعامله مع القضايا التي أوصلته إلى السلطة.
وتكشف استطلاعات الرأي التي أُجريت في ديسمبر 2025 عن أشد الضغوط التي يواجهها موقع ترامب السياسي، إذ أظهرت تراجع نسبة تأييده إلى 36 % فقط، وهو مستوى يقترب بشكل لافت من أدنى نسبة سجلها على الإطلاق، والبالغة 34 %، والتي أعقبت مباشرة أحداث العنف في مبنى الكابيتول في 6 يناير 2021، مع نهاية ولايته الأولى.
لكن استطلاعات الرأي ليست الخبر السيء الوحيد للرئيس، إذ يواجه حزبه انتخاباتٍ نصفية قد تُضعف نفوذه السياسي، فعلى خلاف الأشهر الأولى من ولايته، يواجه ترامب اليوم ردود فعل معاكسة داخل الأوساط السياسية نفسها، التي لم يكن كثيرون فيها يجرؤون على تحديه أو الاعتراض على أجندته قبل أشهر قليلة فقط.
يواجه ترامب اليوم ردود فعل معاكسة داخل الأوساط السياسية التي لم يكن كثيرون فيها يجرؤون على تحديه أو الاعتراض على أجندته قبل أشهر قليلة فقط
مُناصِرة سابقة تهاجم ترامب
جاءت أبرز مظاهر هذا الرفض من النائبة مارجوري تايلور غرين، التي كانت في يوم من الأيام من أشدّ المؤيدين لترامب، وقد أعلنت مؤخراً قطيعة علنية حادة معه، حيث أثارت غرين غضب ترامب لدعمها الجهود الرامية إلى نشر ملفات جيفري إبستين، المجرم الجنسي المدان والمتوفى، الذي تحوّلت قضيته إلى رمز وقضية مركزية لدى المحافظين المنتمين إلى تيار “ماغا”.
وبدلاً من تحمّل الأمر بصمت، ردّت غرين بهجوم مضاد، وقالت: “الدفاع عن النساء الأمريكيات اللواتي تعرّضن للاغتصاب في سن الرابعة عشرة، وتم الاتجار بهن واستغلالهن من قِبل رجال أثرياء ونافذين، لا ينبغي أن يترتب عليه اتهامي بالخيانة وتهديدي من قبل رئيس الولايات المتحدة الذي ناضلت من أجله”.
وجاءت تصريحات غرين عقب إعلانها أنها لن تترشح لولاية جديدة في انتخابات الكونغرس النصفية المقررة عام 2026، ورغم أنها لم تكشف تفاصيل خططها المستقبلية، فإن من المرجح أنها لن تنسحب من المشهد السياسي بهدوء.
وجاءت نقطة تحول أكثر أهمية عندما وجه المجلس التشريعي لولاية إنديانا توبيخاً لاذعاً لترامب برفضه خطة إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية التي ضغط على المشرعين لتمريرها قبل الموعد النهائي المعتاد في نهاية العقد.

مشرّعون جمهوريون ينتقدون الرئيس
تُعدّ ولاية إنديانا من أكثر الولايات ولاءً للجمهوريين، وتقع في قلب الولايات المتحدة، إذ فاز ترامب فيها بنسبة 58.6 % من الأصوات في انتخابات عام 2024، وتمتلك الولاية عضوين جمهوريين في مجلس الشيوخ، كما يسيطر الحزب الجمهوري (GOP) على سبعة من أصل تسعة مقاعد لها في مجلس النواب.
ومع ذلك، انضم 21 مشرّعاً جمهورياً إلى 10 أعضاء ديمقراطيين في مجلس شيوخ الولاية لإفشال محاولة مدعومة من ترامب لإعادة رسم الدوائر الانتخابية على نحو متحيّز، كانت ستؤدي إلى إلغاء المقعدين اللذين يشغلهما الديمقراطيون عن إنديانا في مجلس النواب بواشنطن.
وكان ترامب يسعى إلى استبدال هذه المقاعد الديمقراطية بمرشحين جمهوريين موالين له شخصياً، في محاولة لتعزيز فرصه في الحفاظ على سيطرة الحزب الجمهوري على مجلس النواب خلال انتخابات عام 2026، ويأتي هذا الموقف على النقيض من ولايات جمهورية أخرى، مثل تكساس وميسوري، حيث استجاب حكّامها في وقت سابق لدعواته لإجراء إعادة ترسيم مبكرة للدوائر الانتخابية.
وعزا عضو مجلس شيوخ ولاية إنديانا، سبنسر ديري، تصويت ولايته في وقت سابق من ديسمبر إلى ضرورة حماية نزاهة العملية الانتخابية في إنديانا، غير أن التراجع الحاد في معدلات تأييد ترامب، والذي نُشر في 28 نوفمبر، لا يمكن أن يكون قد غاب عن أنظار المشرّعين.
وقد أظهرت استطلاعات الرأي على المستوى الوطني أن الناخبين لا يوافقون على أداء الرئيس ترامب في مجموعة واسعة من السياسات، بما في ذلك التضخم والهجرة، وهما القضيتان اللتان شكّلتا الركيزة الأساسية التي أوصلته إلى الفوز في الانتخابات الأخيرة.
استطلاعات الرأي أظهرت عدم موافقة الناخبين على أداء الرئيس ترامب في مجموعة واسعة من السياسات مثل التضخم والهجرة
يشتهر الرئيس ترامب باللعب على وتر إلقاء اللوم، خصوصاً عند محاولته الدفاع عن نفسه تجاه المشكلات الاقتصادية، ومع ذلك، فإن الرأي العام لم يعد يصدق هذا التبرير، فبعد مرور عام كامل على ولايته، لا يزال ترامب يلقي باللوم على سلفه جو بايدن، مجادلاً بأنه ورث مشكلة ارتفاع الأسعار منه، وهذه الحجة صحيحة جزئياً، إذ إن معدل التضخم ارتفع بالفعل إلى ما يزيد قليلاً عن 9% في بداية ولاية بايدن.
أدت مشاكل سلاسل التوريد الناجمة عن جائحة كوفيد-19 إلى نقص واسع النطاق في المنتجات في مختلف قطاعات الاقتصاد، واستجابةً لذلك، أطلقت الحكومة حزمة تحفيز اقتصادي تضمنت ثلاث دفعات نقدية للمواطنين لتعزيز قدرتهم الشرائية وإنعاش الاقتصاد، إلا أن زيادة القدرة الشرائية في ظل محدودية العرض أدت إلى التضخم، والذي تسبب في ارتفاع حاد في الأسعار.
دور ترامب في تضخم بايدن
أطلق ترامب شيكين من أصل ثلاثة شيكات تحفيزية وزعت على معظم الأمريكيين قبل أن يهزمه بايدن في انتخابات 2020، وبعد توليه الرئاسة، أرسل بايدن الشيك الثالث، ما أضاف مزيداً من الوقود لنيران التضخم.
أخيراً، وبقيادة جيروم باول، رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة عدة مرات خلال فترة قصيرة في محاولة لتهدئة الاقتصاد، وتمكّن بنك الاحتياطي الفيدرالي بقيادة باول من تحقيق ما يُعرف بـ«الهبوط الناعم» غير المسبوق، عبر خفض النشاط الاقتصادي ومعدل التضخم دون التسبب في ركود، وبحلول نهاية ولاية بايدن، بلغ معدل التضخم 2.9% تقريباً، وهو ما يقارب مستواه خلال العام الماضي تحت إدارة ترامب.
عندما ركّزت استطلاعات الرأي على كيفية تعامل ترامب مع الاقتصاد فقط، أبدى نحو 70٪ من المستطلعين عدم رضاهم عن إدارته لمشكلة كان قد ادّعى أنه الوحيد القادر على حلها، وكان استياء الناخبين مركزاً بشكل رئيسي على مخاوف تتعلق بالتضخم وسياسة أخرى له: الرسوم الجمركية.
يزعم الرئيس أن الرسوم الجمركية تساعد أمريكا من خلال فرض ضرائب على السلع المستوردة، ما يدفع المستهلكين لشراء المنتجات المصنَّعة محلياً، تماشياً مع شعاره “أمريكا أولاً”.
هناك بعض الحقيقة في هذا المنطق، إذ تحمي الرسوم الجمركية بالفعل الشركات المحلية من المنافسة الأجنبية، إلا أن ترامب لا يروي القصة كاملة.
الرسوم الجمركية تحمي بالفعل الشركات المحلية من المنافسة الأجنبية إلا أن ترامب لا يروي القصة كاملة
الرسوم الجمركية ترفع الأسعار
الرسوم الجمركية تشبه الضرائب على المبيعات، إذ تؤدي إلى زيادة أسعار المنتجات التي يلاحظها الناس ويشعرون بها مباشرة في ميزانيتهم، فعندما فرض ترامب رسوماً جمركية على البضائع الصينية في عامي 2018 و2019، أظهرت الدراسات أن هذه الرسوم انتقلت في النهاية إلى المستهلكين بالكامل تقريباً، ما حول الرسوم الجمركية البالغة 25٪ إلى زيادة مماثلة في أسعار الملابس والأحذية والسلع المنزلية والأثاث والإلكترونيات، وهي منتجات يشتريها المستهلكون بشكل متكرر بما يكفي ليلاحظوا ارتفاع الأسعار.
لم يسلم الغذاء من الرسوم الجمركية أيضاً، فرغم أن ترامب غالباً ما يستثني بعض المنتجات الغذائية من رسومه الجمركية لإرضاء المزارعين، وهم شريحة انتخابية رئيسية، إلا أن هذه الاستثناءات لا تشمل دائماً الأسمدة والمعدات الزراعية وغيرها من الأدوات اللازمة لإنتاج المحاصيل، حيث تؤدي هذه المدخلات الزراعية غير المستثناة إلى ضغط تصاعدي على الأسعار.
جانب مفاجئ من استطلاعات الرأي في ديسمبر كانت شكوك الناخبين تجاه نهج ترامب في الهجرة، فقد هاجم الرئيس بايدن بشدة بسبب سياساته على الحدود الجنوبية لأمريكا، وفي الواقع، خلال السنوات الأولى من ولاية بايدن في البيت الأبيض، تجاهل المشاكل على الحدود بين المكسيك والولايات المتحدة حتى أصبح الوضع متأزماً، وقد واجه المسؤولون المحليون صعوبة في السيطرة على تدفق المهاجرين القادمين إلى الولايات المتحدة من مختلف أنحاء العالم، وأدى ذلك إلى أزمة في ولايات مثل تكساس، ما رفع القضية إلى مستوى وطني عبر نقل المهاجرين بالحافلات إلى مدن شمالية مثل واشنطن وشيكاغو.
دراجو شيكاغو يتحدون إدارة الهجرة
يستمر الناخبون في دعم سياسة الرئيس الصارمة على الحدود الأمريكية، لكن الاستطلاعات تشير إلى أنهم يرفضون نهج ترامب الصارم والمفرط في التعامل مع المشكلة.
في استطلاع رأي حديث أجرته وكالة أسوشيتد برس ومركز أبحاث الرأي العام الوطني بجامعة شيكاغو، لم يحظَ نهج ترامب في ملف الهجرة إلا بتأييد 38% فقط من البالغين الأمريكيين، بانخفاض عن 49% في مارس الماضي، وقد اعترض معظم المشاركين في الاستطلاع على أساليب الإدارة أكثر من اعتراضهم على سياستها.
وأظهرت البيانات أن الإجراءات الأمنية التي اتسمت بشبه عمليات الانتشار العسكري في لوس أنجلوس وواشنطن العاصمة وشيكاغو ومدن أخرى تزامنت مع تراجع الدعم للإدارة في ملف الهجرة، وربما ساهمت فيه.
في شيكاغو، اعترض السكان على وجود عملاء وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) المرتدين للأقنعة، حيث أرسلت إدارة ترامب فرق ICE مرتدية الأقنعة إلى أماكن عمل ومنازل المهاجرين خلال حملات الاعتقال والترحيل، وهو ما دفع الجيران والمواطنين إلى الاحتجاج ضد هذه الحملات.
وفي إحدى المرات، قامت مجموعة منظمة من راكبي الدراجات في شيكاغو، أطلقوا على أنفسهم اسم “راكبو الدراجات المتضامنون”، بجولة في المدينة كل صباح باكر، يشترون جميع التاماليس والتاكو من أكشاك التاكو المنتشرة في كل مكان وباعة الشوارع، حيث كان هدف راكبي الدراجات هو شراء كل التاكو والتاماليس لكي يتمكن العاملون في الأكشاك من العودة إلى منازلهم بأمان وحماية عائلاتهم من مداهمات إدارة الهجرة والجمارك، ثم تم التبرع بالتاكو لمنظمات خيرية للمساعدة في إطعام الفقراء، وهي فئة غالباً ما تضم العديد من المهاجرين.
لا شك أن القلق بشأن سياسات ترامب المتعلقة بالتضخم والرسوم الجمركية والهجرة لعبت دوراً في انتصارات الديمقراطيين الأخيرة في عدة ولايات، بما في ذلك الفوز البارز في مدينة نيويورك، وقد أضفى هذا القلق على المعجم السياسي مرادفاً جديداً للتضخم: القدرة على التحمل المالي.
في الواقع، فاز زهران ممداني، وهو ديمقراطي مغمور ترشح كاشتراكي ديمقراطي، بانتخابات رئاسة بلدية مدينة نيويورك، جاعلاً من القدرة على تحمل تكاليف السكن قضيته الرئيسية، لكن ترامب يرفض فكرة “القدرة على تحمل تكاليف السكن” باعتبارها خدعة من الديمقراطيين، وفي خطاب متلفز حديث، زعم أن الاقتصاد في عهده كان “رائعاً”.

هل يستطيع ترامب وقف التدهور؟
يحمل برنامج الرئيس السياسي مخاطر جمة على الجمهوريين الساعين لإعادة انتخابهم في انتخابات التجديد النصفي التي لم يتبق عليها سوى أحد عشر شهراً.
وتُعدّ القدرة على تحمل التكاليف قضية محورية، حيث يربط الديمقراطيون بين الموالين لترامب وحزب غير مبالٍ بالقضايا التي تشغل بال الناخبين، كما أبدى المشاركون في استطلاعات الرأي شكوكاً حيال العديد من سياسات ترامب الخارجية، بما في ذلك الهجمات البحرية المستمرة على زوارق من فنزويلا والتي أذن بها ترامب.
على الصعيد العالمي، يراقب الزعماء الأجانب تدهور الموقف السياسي لترامب بمزيج من الانتهازية (الصين)، والقلق (أوروبا)، وإعادة الحسابات الاستراتيجية (روسيا)، كما يشعر الخصوم بتشتت الولايات المتحدة وتناقضاتها، بينما ترى دول الجنوب العالمي فرصة لتعزيز استقلالها والتحرر من الهيمنة الأمريكية.
خصوم ترامب يشعرون بتشتت الولايات المتحدة وتناقضاتها بينما ترى دول الجنوب العالمي فرصة لتعزيز استقلالها والتحرر من الهيمنة الأمريكية
السؤال الأساسي الذي يواجه رئاسة ترامب الآن هو ما إذا كان قادراً على وقف التراجع الذي تظهره استطلاعات الرأي قبل انتخابات الكونغرس عام 2026، وتشير السوابق التاريخية إلى أن الحزب الحاكم عادة ما يخسر مقاعد في مجلس النواب خلال الانتخابات النصفية، بينما يمتلك الجمهوريون أغلبية ضئيلة فقط.
مع تراجع شعبية ترامب في قضاياه الرئيسية (الاقتصاد، والهجرة، والتعريفات الجمركية)، ومع مغامراته في السياسة الخارجية مثل فنزويلا، التي تهدد بأن تتحول إلى ما يصفه بـ«الحروب الخارجية الغبية»، يواجه تحالف «لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً» الذي أعاده إلى البيت الأبيض أقوى اختبار له منذ عودته، وإذا فقد الحزب الجمهوري السيطرة على مجلس النواب، فإن معارضي ترامب، الذين اعتمدوا خلال العام الماضي على المؤتمرات الصحفية والحملات الإعلامية لمواجهته، سيحصلون على منصة أقوى بكثير للطعن في سياساته وممارساته.
بالمحصلة، لن يقتصر تأثير قدرة ترامب على استعادة التأييد لقضاياه الأساسية على تحديد السيطرة على الكونغرس فقط، بل سيمثل أيضاً مقياساً حاسماً لاستمرارية مشروع «ماغا» نفسه.




