في ظل استمرار اضطرابات البحر الأحمر وما تسببه من تعطيل لحركة الشحن العالمية، ودفع الشركات إلى إعادة تقييم مخاطر سلاسل الإمداد، بدأت شرق أفريقيا تستقطب اهتماماً متجدداً بوصفها بوابة تجارية ولوجستية تربط بين أفريقيا والخليج وآسيا. ورغم أنها لا تحل محل المسارات التجارية القائمة، فإن موانئها وممراتها البرية تزداد أهمية بالنسبة للحكومات والشركات والمستثمرين الباحثين عن سلاسل إمداد أكثر مرونة، وشبكات لوجستية متنوعة، وإمكانية الوصول إلى الأسواق الأفريقية الداخلية.
وقد انعكس هذا التحول نحو شرق أفريقيا في النقاشات التي دارت خلال قمة “أفريقيا إلى الأمام 2026” في نيروبي، ومنتدى الرؤساء التنفيذيين الأفارقة 2026 في كيغالي، اللذين أشارا معاً إلى توجه سياسي أوسع. فالنمو الأفريقي المستقبلي لن يعتمد بقدر كبير على مشاريع البنية التحتية المنفصلة، بل على أنظمة تجارية متكاملة ومترابطة. وكانت الرسالة الأساسية المشتركة بين القمتين واضحة: فكلما أصبح الاقتصاد العالمي أكثر تجزؤاً وإقليمية، ازدادت القيمة الاستراتيجية لشرق أفريقيا بفضل موقعها الجغرافي، وتوسع بنيتها التحتية، وقربها من خطوط الملاحة في المحيط الهندي.
كلما أصبح الاقتصاد العالمي أكثر تجزؤاً وإقليمية ازدادت القيمة الاستراتيجية لشرق أفريقيا بفضل موقعها الجغرافي وتوسع بنيتها التحتية وقربها من خطوط الملاحة
كما تستقطب المنطقة استثمارات دولية جديدة، ما يعزز دورها المتنامي في مجالي التجارة والخدمات اللوجستية. وقد استغل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قمة نيروبي للإعلان عن تعهدات استثمارية أفريقية-فرنسية مشتركة بقيمة 27 مليار دولار، تشمل قطاعات البنية التحتية والطاقة والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا. ومن أبرز هذه التعهدات استثمار بقيمة 800 مليون دولار من شركة الشحن الفرنسية “CMA CGM ” لتطوير ميناء مومباسا.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل الاضطرابات التي يشهدها البحر الأحمر، والتي عطلت حركة الشحن وأجبرت الشركات على إعادة النظر في مسارات النقل وإدارة المخاطر. وكان البنك الدولي قد وصف أزمة البحر الأحمر بأنها صدمة كبرى للتجارة العالمية والنقل البحري خلال عام 2025. وبعد سنوات من اضطرابات سلاسل الإمداد، باتت الحكومات والشركات تنظر بصورة أكثر جدية إلى المسارات البديلة، وشبكات النقل المرنة، والممرات التجارية الإقليمية.
الممرات المتكاملة بدلاً من المشاريع المنفصلة
وضع منتدى الرؤساء التنفيذيين الأفارقة قضية الخدمات اللوجستية في صلب النقاش المتعلق بتنافسية أفريقيا. وأشار برنامج المنتدى لعام 2026 إلى أن أفريقيا تنقل نحو 80% من بضائعها عبر الطرق البرية، وهي الوسيلة الأعلى تكلفة للنقل في القارة. ويكشف ذلك عن نقطة ضعف جوهرية في العديد من خطط البنية التحتية الأفريقية، إذ غالباً ما تُطوَّر الموانئ والطرق والسكك الحديدية والمناطق الصناعية كمشاريع منفصلة، ما يقلل من قيمتها عندما لا تعمل ضمن ممرات اقتصادية متكاملة.
وتحاول شرق أفريقيا سد هذه الفجوة، في وقت تستثمر فيه كينيا وتنزانيا وأوغندا ورواندا وإثيوبيا، إلى جانب اقتصادات داخلية مجاورة، في تطوير الموانئ والسكك الحديدية والطرق والموانئ الجافة والمناطق الصناعية. ولا يقتصر الهدف على تسريع حركة البضائع فحسب، بل يشمل أيضاً ربط التجارة البحرية بقطاعات التصنيع والزراعة والطاقة والتعدين والأسواق الاستهلاكية الإقليمية.

ويُعدّ ميناء دار السلام، على سبيل المثال، بوابة إقليمية رئيسية للاقتصادات غير الساحلية التي تحتاج إلى وصول موثوق إلى المحيط الهندي، حيث يتعامل مع نحو 95% من التجارة الدولية لتنزانيا، كما يخدم زامبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وبوروندي ورواندا ومالاوي وأوغندا وزيمبابوي. وتزداد استراتيجية تنزانيا اللوجستية طموحاً، إذ يشمل مشروع تحديث ميناء دار السلام، الذي انطلق عام 2018، تطوير الأرصفة وتعميق الميناء وتحسين عمليات مناولة البضائع وإعادة تنظيم تخطيطه. وبذلك، لم يعد الميناء مجرد أصل وطني، بل بات يمثل نقطة محورية للترابط الاقتصادي في المنطقة.
وفي الوقت نفسه، تواصل البلاد توسيع شبكة السكك الحديدية. ففي أبريل 2026، أعلن بنك “ستاندرد تشارترد” أنه رتّب تمويلاً بقيمة 2.33 مليار دولار لأجزاء من مشروع السكك الحديدية التنزانية القياسية. وصُمم الخط الجديد لربط دار السلام بمدينة موانزا، ودعم حركة الشحن نحو الدول المجاورة.
أما كينيا، فتمضي في الاتجاه ذاته عبر ميناء مومباسا. حيث سلطت قمة “أفريقيا إلى الأمام” الضوء على الاهتمام الاستثماري المتزايد بالبنية التحتية للموانئ والخدمات اللوجستية في كينيا، بما في ذلك التزامات معلنة مرتبطة بتوسعة الميناء. وهذا يخلق ذلك ديناميكية إقليمية تنافسية لكنها مفيدة. فدار السلام ومومباسا ليستا مجرد متنافسين، بل تعززان معاً مكانة شرق أفريقيا كمنطقة تجارية متعددة الممرات. وهذا الأمر مهم للمستثمرين، إذ إن ازدحام ميناء واحد أو تعطل أحد المعابر الحدودية يمكن أن يشل سلسلة إمداد كاملة. أما تعدد الممرات، فيمنح التجار خيارات أوسع ومرونة أكبر. وبالنسبة للحكومات، فإن المنافسة تحمل أبعاداً سياسية أيضاً. فالموانئ ليست مجرد مراكز لتداول السلع، بل أدوات للنفوذ والإيرادات وتعزيز المكانة الإقليمية. والدول التي تنجح في نقل البضائع بسرعة وكفاءة أكبر، تكتسب وزناً استراتيجياً متزايداً.
الخليج وآسيا
تمنح الجغرافيا شرق أفريقيا ميزة واضحة في البيئة الجيوسياسية الراهنة. فالمنطقة تطل على المحيط الهندي وتقع بين الأسواق الأفريقية الداخلية ورؤوس الأموال الخليجية وأكبر شبكات التصنيع في العالم بشرق آسيا. وقد جعل ذلك دبلوماسية البنية التحتية أكثر تنافسية، لا سيما مع توسع مصالح دول الخليج في الموانئ والخدمات اللوجستية والأمن الغذائي والطيران والطاقة. ولا يزال النفوذ الصيني عنصراً محورياً عبر مشاريع السكك الحديدية والطرق والموانئ، إضافة إلى التمويل، تحت مظلة مبادرة “الحزام والطريق”. وكانت عمليات تطوير سابقة لموانئ مومباسا ودار السلام قد موّلت ونُفذت من قبل شركات صينية مملوكة للدولة.
في المقابل، تسعى الأطراف الأوروبية أيضاً إلى توسيع نفوذها. وانعكاساً لهذه البيئة متعددة الأقطاب، قدّمت المنصة الرسمية لقمة “أفريقيا إلى الأمام” الحدث بوصفه شراكة أفريقية-فرنسية تركز على الاستثمار والبنية التحتية والمناخ والتكنولوجيا والتحول الاقتصادي. ولا تتمثل المسألة الاستراتيجية في ما إذا كانت دول شرق أفريقيا ستختار شريكاً واحداً، بل في ما إذا كانت الحكومات قادرة على توظيف تنافس القوى الخارجية للحصول على بنية تحتية أفضل، وتمويل أكثر فاعلية، ونقل للتكنولوجيا، وقدرات صناعية متقدمة.
لا تتمثل المسألة الاستراتيجية في اختيار شريك واحد بل في قدرة حكومات شرق أفريقيا على استثمار التنافس الدولي لتحسين البنية التحتية والتمويل ونقل التكنولوجيا وتعزيز القدرات الصناعية
غير أن هذه النتيجة ليست مضمونة، إذ يمكن لرؤوس الأموال الأجنبية أن تعزز الترابط والاتصال، لكنها قد تعمّق التبعية أيضاً. كما يُمكن أن تُؤدي الامتيازات غير المُحكمة إلى تغيير السيطرة على الأصول الاستراتيجية دون بناء قيمة محلية. وسيتوقف نفوذ المنطقة على المدى البعيد على ما إذا كانت البنية التحتية تُبنى لتعزيز القدرة الإنتاجية وتحقيق المصالح الاقتصادية المحلية، بدلاً من مجرد تسهيل الاستخراج والنقل.
اختبار القدرة الصناعية
يبقى السؤال الأهم هو ما إذا كان بإمكان شرق أفريقيا تجاوز دورها اللوجستي. فالموانئ والممرات تُدرّ عائدات عبور ورسوم لوجستية، لكن التصنيع يُولّد قوة اقتصادية أعمق وإمكانات تنموية طويلة الأجل. وهنا تبرز أهمية المناطق الصناعية، والبنية التحتية للطاقة، وقدرات التكرير، وأنظمة التخزين. فهي تُحدد ما إذا كانت المنطقة ستقتصر على نقل المواد المستخرجة أم ستُعالجها وتُصنّعها أيضاً، ما يُرسّخ الصناعة محلياً ويُتيح فرصاً إضافية.
وتزداد أهمية هذه المسألة مع المعادن الحيوية، إذ ترتبط جمهورية الكونغو الديمقراطية الشرقية وزامبيا وتنزانيا بالطلب العالمي على النحاس والكوبالت والغرافيت وغيرها من المدخلات المستخدمة في تقنيات التحول الطاقوي. ويمكن للممرات الفعالة أن تساعد هذه الصادرات على الوصول إلى الأسواق العالمية. لكن من دون قدرات تصنيعية ومعالجة تمنح الاقتصادات المحلية حصة فعلية في عملية التطوير، فإن شرق أفريقيا تخاطر بأن تصبح مجرد مسار أسرع لتصدير المواد الخام بدلًا من أن تتحول إلى قاعدة صناعية قوية ومستدامة. وتحمل مشاريع الطاقة الدرس ذاته، إذ إن الاهتمام المعلن بمشاريع التكرير واسعة النطاق والبنية التحتية للوقود في شرق أفريقيا قد يكون مهماً تجارياً، لكنه ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه فرصاً محتملة لا تحولات مؤكدة.
ويظل المعيار التحليلي واضحاً، فالازدهار اللوجستي لا يكتسب قيمة استراتيجية إلا عندما يدعم القيمة المضافة ويوفر الوظائف ويعزز الإنتاج الإقليمي. ومن دون ذلك، سيبقى مجرد قصة عبور واستخراج للموارد.
التداعيات الجيوسياسية
أدى عدم الاستقرار في البحر الأحمر إلى زيادة أهمية مرونة مسارات الشحن، كما ذكّر الحكومات بأن نقاط الاختناق البحرية يمكن أن تتحول سريعاً إلى نقاط ضعف اقتصادية. وتستفيد شرق أفريقيا من هذا الاهتمام، لكن ضمن حدود معينة. فالمنطقة لا تشكل بديلاً عن البحر الأحمر أو قناة السويس أو المسارات الخليجية، بل توفر خيارات مكملة للتخزين وإعادة التوزيع والوصول إلى الداخل والتجارة الإقليمية. ومع ذلك، فإن التحول الأخير يظل تطوراً مهماً. فمع سعي الشركات إلى تنويع سلاسل الإمداد، تبحث عن مراكز تقلل مخاطر التركز والاختناقات اللوجستية. ويمكن لموانئ وممرات شرق أفريقيا أن تؤدي هذا الدور في التجارة المرتبطة بأفريقيا وآسيا والشرق الأوسط.

أما التداعيات الجيوسياسية، فهي واضحة. فكلما ازدادت القيمة اللوجستية للمنطقة، ازداد الاهتمام الخارجي بها، ما يعني مزيداً من التمويل والانخراط الدبلوماسي والتنافس على النفوذ. لكن ذلك يعني أيضاً ارتفاع مخاطر الحوكمة، إذ إن استدامة الديون وشفافية الامتيازات وكفاءة الجمارك ومستوى التنسيق الحكومي ستحدد ما إذا كانت المنطقة قادرة على تحقيق قيمة طويلة الأمد من هذه التحولات.
وعلى الرغم من التحركات الأخيرة، لا تزال شرق أفريقيا تواجه تحديات كبيرة، تشمل فجوات البنية التحتية، والمخاطر السياسية، وضعف كفاءة الجمارك، وضغوط الديون، وتشتت الأطر التنظيمية، والتحديات الأمنية. علاوة على ذلك، فإن العديد من مشاريع الاستثمار المخططة في أفريقيا تاريخياً لم تُترجم بالكامل إلى واقع اقتصادي فعلي. ففي جنوب أفريقيا، لم يتحقق سوى 42% من تعهدات الاستثمار منذ عام 2018 على شكل نشاط اقتصادي حقيقي، ما يبرز الفجوة المستمرة بين الالتزامات والتنفيذ.
رغم التحركات الأخيرة لا تزال شرق أفريقيا تواجه قيوداً في البنية التحتية والمخاطر السياسية وضعف كفاءة الجمارك وضغوط الديون وتشتت الأطر التنظيمية والتحديات الأمنية
لذا، سيعتمد نجاح شرق أفريقيا على المدى الطويل بشكل أقل على الخطابات الرنانة في القمم، وأكثر على التنفيذ: تحسين كفاءة النقل، وتنسيق أنظمة التجارة الإقليمية، وتعزيز القدرات الصناعية، وضمان أن تُولّد استثمارات البنية التحتية قيمة اقتصادية شاملة بدلاً من إنشاء جيوب تجارية معزولة. ويبدو المسار العام أكثر وضوحاً تدريجياً. فمع تنويع سلاسل الإمداد واستمرار إعادة تشكيل التجارة العالمية بفعل التنافس الجيوسياسي، تبرز شرق أفريقيا كبوابة استراتيجية مهمة للتجارة والخدمات اللوجستية، ليس كقوة مهيمنة، بل كلاعب متزايد الأهمية في تطور تدفقات التجارة العالمية مستقبلاً.
ويبقى السؤال الحاسم هو ما إذا كان هذا التطور سيترجم إلى منفعة إقليمية مستدامة، تتجاوز النمط التاريخي القائم على استخراج الموارد، وتتجه نحو نموذج تنموي شامل. وسيتوقف ذلك على مدى قدرة الحكومات في شرق أفريقيا على إدارة الاهتمام الخارجي المتزايد بالمنطقة بفعالية.



