تقترب المواجهة المتصاعدة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة من نقطة اللاعودة، فالصراع الذي بدأ محدود النطاق أخذ يتطور بسرعة إلى مشهد أكثر خطورة، يتمثل في حرب تحمل في طياتها ديناميكيات تهدد بتغيير الأسس التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي.
اليوم، لا يكمن التحول الأخطر في حدة القتال فحسب، بل في طبيعته وتركيزه، إذ تتجه الضربات بشكل متزايد نحو البنية التحتية للطاقة، من حقول الغاز إلى منشآت النفط، مروراً بالمصافي وموانئ التصدير في إيران وإسرائيل ودول الخليج العربي، حيث لم يعد الأمر مجرد تداعيات جانبية، بل أصبح هدفاً رئيسياً بحد ذاته، وفي هذا السياق، تبرز حقيقة جوهرية مفادها بأن دول الخليج تُجرّ إلى حرب لم تخترها.
لا يكمن التحول الأخطر في حدة القتال بل في طبيعته واتجاه ضرباته بشكل متزايد نحو البنية التحتية للطاقة
الدول التي يعتمد استقرارها على السلام واستمرار إنتاج الطاقة تجد نفسها اليوم عرضة لهجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة مثل قطر والإمارات، حيث لا يعود استهدافها إلى عدوان متبادل، بل بسبب موقعها الجغرافي وتصاعد وتيرة الحرب، إذ أصبحت الطاقة سلاحاً وهدفاً في آنٍ واحد، لن تظل الحروب محصورة في نطاق إقليمي، إذ ستتحول إلى أزمات عالمية.
وفي ظل تفاقم التصعيد، ستستمر رشقات الصواريخ في استنزاف المنظومات الدفاعية، وإشعال الحرائق في حقول النفط والغاز، انطلاقاً من إيران ثم دول الخليج حتى الأردن، كما ستُجبر محطات تحلية المياه على التوقف عن العمل، وستتضرر الموانئ البحرية، ويتوقف التصدير.
في الوقت الراهن، أصبحت الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس نفط العالم، محفوفة بالمخاطر بشكل متزايد، فالتعطيل الجزئي للممر تاريخياً كان يُحدث اضطرابات في أسواق الطاقة، أما الإغلاق المطوّل، أو الهجمات المتواصلة على ناقلات النفط، فستكون لها عواقب وخيمة.
وفي غضون أسابيع قليلة، قد يتوقف جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية عن العمل، حيث لا يُعد هذا مجرد تهويل، فحتى الاضطرابات المحدودة في المنطقة دفعت أسعار النفط بالفعل إلى ما يزيد على 100 دولار للبرميل خلال فترات التوتر الأخيرة، وقد دق الاقتصاديون ناقوس الخطر منذ وقت طويل، مؤكدين أن ارتفاع الأسعار وتخطيها حاجز 130 دولاراً واستقرارها عند هذه النقطة، يكفي لدفع الاقتصادات الكبرى نحو الركود، وإذا تأثرت عدة دول منتجة في الخليج في وقت واحد، فقد ترتفع الأسعار إلى مستويات تفوق هذا الحد بكثير.

تداعيات سريعة
ستنعكس تكاليف الطاقة مباشرة على معدلات التضخم، ما يرفع أسعار الغذاء والنقل والتصنيع على مستوى العالم، كما ستواجه الاقتصادات المعتمدة على الاستيراد ضغوطاً مالية فورية، في حين ستتفاعل الأسواق المالية بحدة مع تراجع الاستثمارات وسط حالة من عدم اليقين.
في المقابل، ستواجه البنوك المركزية، التي تُدير بالفعل عمليات تعافٍ هشة، خياراً واحداً: إما كبح التضخم أو منع الركود، ولكن في ظل هذه الظروف، لا يمكنها القيام بالأمرين معاً بكفاءة، وهنا تتحول الحرب الإقليمية إلى أزمة اقتصادية عالمية.
في جوهر هذا الخطر يكمن سوء تقدير مستمر، وهو الاعتقاد بأن إيران ستستسلم في نهاية المطاف تحت وطأة الضغوط والهجمات المستمرة، بينما تصرفاتها تشير إلى عكس ذلك، فهي تبدو مستعدة لخوض صراع طويل الأمد وغير متكافئ في نفس الوقت، لكنها لا تحتاج إلى نصر لفرض تكاليف على الطرف الآخر، فمن خلال استهداف البنية التحتية للطاقة وتهديد الممرات البحرية الحيوية، تستطيع توسيع نطاق الصراع، وإجبار الاقتصاد العالمي على تحمل تبعاته.
جوهر الخطر يكمن في سوء تقدير مستمر بالاعتقاد بأن إيران ستستسلم في نهاية المطاف تحت وطأة الضغوط والهجمات
ليست الضربات الصاروخية التي تصل إلى إسرائيل ودول الخليج مجرد عمليات تكتيكية، بل هي رسائل استراتيجية، فإذا ما شُنّت حربٌ على اقتصاد إيران وقُصفت مدنها، فلن تتحمل إيران وحدها تبعات ذلك، وتضعها في موقف صعب للغاية، فهي ليست طرفاً رئيسياً في الحرب ولا مُحرّضاً عليها، ومع ذلك فهي مُعرّضة للخطر بشكل متكرر وغير متناسب، حيث أصبحت بنيتها التحتية خط المواجهة وبالتالي انتقل لا إرادياً للاقتصاد العالمي.
الاقتصاد العالمي اليوم مترابط بشكل وثيق، لكنه أكثر ضعفاً مما يبدو عليه، فقد أدت سنوات من التوترات الجيوسياسية واضطراب سلاسل التوريد وتراكم الديون إلى تآكل قدرته على استيعاب الصدمات، فلن تكون أزمة الطاقة المستمرة مؤقتة، بل قد تعيد تشكيل المسارات الاقتصادية لسنوات قادمة، إذ تقدم صدمات النفط في سبعينيات القرن الماضي تحذيراً بالغ الأهمية، لكن مستوى الترابط الحالي يعني أن أي اضطراب مماثل سيحدث أسرع، وسيكون له أثر أوسع وأكثر زعزعة للاستقرار.
في المحصلة، لا يزال هناك متسع من الوقت لتغيير المسار، لكن هذه الفرصة اليوم تضيق مع كل ضربة تستهدف البنية التحتية الحيوية، ومع كل اتساع جغرافي جديد في رقعة الصراع، إذ لم تعد الدبلوماسية خياراً، بل ضرورة ملحة، أما البديل فهو سيناريو تتحول فيه منطقة الخليج التي تعد مركز نظام الطاقة العالمي إلى بؤرة صراع، فإذا حدث ذلك، فلن تقتصر العواقب على الشرق الأوسط فحسب، بل ستمتد آثارها إلى جميع أنحاء العالم.



