كيف يضغط الدَّين على الديمقراطية في أفريقيا؟

تقرير
خلال الإعلان عن تمويل أمريكي لقطاع التكنولوجيا الرقمي في أفريقيا (أ ف ب)
خلال الإعلان عن تمويل أمريكي لقطاع التكنولوجيا الرقمي في أفريقيا (أ ف ب)
ﺷﺎرك

تُشكّل الضغوط المالية المتزايدة، وتشديد الميزانيات العامة، وتنامي السخط الشعبي على الأرض، عوامل مؤثرة في الحياة السياسية في العديد من الدول الأفريقية، فمن إزالة الدعم إلى خفض الإنفاق الاجتماعي، لجأت الحكومات التي تواجه جداول سداد ثقيلة إلى إجراءات تقشفية، ما أثار احتجاجات واضطرابات عمالية، وزاد من التدقيق والمساءلة على المؤسسات الديمقراطية، حيث ترتكز هذه التطورات على الارتفاع الحاد في الدَّين السيادي.

على مدى العقد الماضي، توسّع الاقتراض العام في أفريقيا بسرعة، ووفقاً لصندوق النقد الدولي، تواجه أكثر من نصف الدول منخفضة الدخل حالياً أزمة ديون أو خطراً كبيراً للوقوع فيها، حيث ارتفعت تكاليف خدمة الدَّين بشكل أكبر نتيجة زيادة أسعار الفائدة العالمية، التي دفعتها سياسات التشديد النقدي في الولايات المتحدة وأوروبا.

توسّع الاقتراض العام في أفريقيا بسرعة حيث تواجه أكثر من نصف الدول منخفضة الدخل في القارة أزمة ديون أو خطراً كبيراً للوقوع فيها

إلى ذلك، أفادت مجموعة البنك الدولي بأن الدول النامية دفعت في عام 2022 مبلغاً قياسياً قدره 443.5 مليار دولار أمريكي كتكاليف خدمة الدَّين الخارجي، وسجلت منطقة أفريقيا جنوب الصحراء بعض أعلى معدلات الارتفاع في هذه المدفوعات.

في هذا السياق، نشرت منظمة أوكسفام الدولية في يناير 2026 تقريراً بعنوان: “مقاومة حكم الأغنياء” حول عدم المساواة في الثروة عالمياً، حيث أشار التقرير إلى أن العديد من الدول منخفضة الدخل، وخصوصاً في أفريقيا، تنفذ إجراءات تقشفية لتلبية التزامات الديون المتزايدة، ما يضيق المجال المالي المخصص للصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، ويزيد من شعور الجمهور بالإحباط، كما أكدت المنظمة أن اتساع الفجوة الاقتصادية وتصاعد الدَّين العام يزيدان من الضغوط على الأنظمة الديمقراطية في جميع أنحاء العالم.

رئيس جمهورية غانا يتحدث عن “الدين الموروث” خلال الدورة العادية التاسعة والثلاثين لجمعية الاتحاد الأفريقي (أ ف ب)
حجم تحدي الديون  

أدى تسارع وتيرة الدين العام الأفريقي منذ عام 2020 إلى إعادة طرح النقاشات حول السياسات المالية وتغيير الحسابات السياسية في عواصم القارة، حيث  أجبرت جائحة كوفيد-19 الحكومات على زيادة الإنفاق على الرعاية الصحية والحماية الاجتماعية والتحفيز الاقتصادي في الوقت الذي كانت فيه عائدات التصدير تتراجع وقيمة العملات تضعف، ولاحقاً، مع ارتفاع أسعار الفائدة العالمية، ارتفعت تكاليف إعادة التمويل بشكل حاد.

ووفقًا لتقرير التوقعات الاقتصادية الإقليمية لإفريقيا جنوب الصحراء الصادر عن صندوق النقد الدولي، ارتفع متوسط الدَّين العام في المنطقة من نحو 60% إلى 70% من الناتج المحلي الإجمالي بين عامي 2019 و2023، ما يبرز حجم وسرعة هذا التحول.

ومنذ ذلك الحين، انتقلت عدة دول من مرحلة الضغط المالي إلى التخلف عن السداد أو إعادة الهيكلة الرسمية، ففي عام 2020، أصبحت زامبيا أول دولة أفريقية تتخلف عن السداد خلال الجائحة، بعد فشلها في سداد إحدى سندات “اليوروبوند” مع تراجع احتياطياتها الأجنبية، وفي عام 2023، توصلت لوساكا إلى اتفاق لإعادة الهيكلة ضمن الإطار المشترك لمجموعة العشرين، الذي يشمل الصين وأعضاء نادي باريس، لتغطية ديون بقيمة 6.3 مليار دولار أمريكي.

وعلى النقيض من ذلك، أفادت التقارير الإخبارية بأن المفاوضات المطوَّلة مع حاملي السندات من القطاع الخاص، والتي ركزت على تمديد آجال الاستحقاق وخفض أسعار الفائدة، استمرت حتى عام 2024 قبل التوصل إلى اتفاق نهائي.

في غانا، بلغت الضغوط المالية المتزايدة ذروتها بتخلف البلاد عن سداد معظم ديونها الخارجية في عام 2022، حيث أقرّ صندوق النقد الدولي تسهيلاً ائتمانياً ممتداً بقيمة 3 مليارات دولار في مايو 2023، مرتبطاً بضبط الأوضاع المالية العامة وإجراء مبادلة شاملة للديون المحلية، كما تطلّب البرنامج مشاركة واسعة من حاملي السندات المحليين، إلى جانب إجراء مفاوضات موازية مع المقرضين الثنائيين، بما في ذلك الصين.

كما سعت إثيوبيا إلى الحصول على تخفيف بموجب الإطار المشترك لمجموعة العشرين في عام 2021، حيث علقت مدفوعات التزاماتها المتعلقة بسندات “اليوروبوند” في عام 2023، ووفقاً للتقارير، فقد تعقدت مناقشات إعادة الهيكلة بسبب الخلافات بين الدائنين الرسميين والمستثمرين من القطاع الخاص.

ولكن في جميع هذه الحالات، يصاحب تخفيف الدَّين تنفيذ إجراءات تقشفية، وزيادات في الضرائب، وخفض الدعم، وقيود على التوظيف في القطاع العام، في محاولة من الحكومات لاستعادة المصداقية المالية.

في كينيا، أثارت الزيادات الضريبية المقترحة بموجب مشروع قانون المالية لعام 2024 احتجاجات على مستوى البلاد، حيث أشار المتظاهرون إلى ارتفاع تكاليف المعيشة والإحباط من إجراءات التقشف المدفوعة بالديون باعتبارها المظالم الأساسية، ما يعكس كيف أن الضغوط الناتجة عن الدَّين السيادي بدأت تتسرب بشكل متزايد إلى المجال السياسي.

الدائنون الرئيسيون والفاعلون الماليون

في ظل هذه المعطيات، تطوّر ملف الدَّين السيادي في أفريقيا ليصبح شبكة معقدة من المؤسسات متعددة الأطراف، والشركاء الثنائيين، والمستثمرين من القطاع الخاص، حيث يُساهم كلّ منهم في تشكيل النتائج المالية ومسارات الإصلاح، ومن خلال هذا التفاعل، لا يحدد هؤلاء الفاعلون جداول السداد فحسب، بل يؤثرون أيضاً على السياسة الاقتصادية الداخلية، بما ينعكس على الاستقرار السياسي.

لا يحدد الدائنون الرئيسيون والفاعلون الماليون جداول السداد فحسبن بل  يؤثرون على السياسة الاقتصادية الداخلية بما ينعكس على الاستقرار السياسي

يقع صندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي في قلب النظام متعدد الأطراف، حيث يظلان محورين رئيسيين في برامج الاستقرار والإصلاح عبر الاقتصادات الأفريقية المثقلة بالديون، وعادةً ما تتطلب ترتيبات صندوق النقد الدولي من الحكومات تنفيذ إجراءات لتقليص العجز المالي، تهدف إلى استعادة الاستقرار الكلي للاقتصاد، التي تشمل غالباً حملات لتحصيل الإيرادات، وترشيد الدعم، وإصلاحات في إدارة المالية العامة.

على سبيل المثال، في غانا، هدف برنامج مدعوم من صندوق النقد الدولي إلى خفض العجز المالي من 10٪ إلى أقل من 5٪ من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2025، وشمل البرنامج إعادة هيكلة الديون وإصلاحات هيكلية، كما ارتبط دعم الميزانية الموازي من البنك الدولي بإعادة هيكلة قطاع الطاقة وإصلاحات الحوكمة، ما أدرج الالتزامات المشروطة مباشرة ضمن أطر السياسة الداخلية.

ولكن بعيداً عن النطاق متعدد الأطراف، لا يزال الدائنون الثنائيون، الذين يتم التنسيق بينهم تقليدياً عبر نادي باريس، يؤثرون على نتائج إعادة الهيكلة، حيث  توسع دور نادي باريس في إطار مجموعة العشرين المشترك، الذي يسعى إلى دمج كل من المقرضين الغربيين التقليديين والدائنين الجدد، مثل الصين، في عملية موحدة لمعالجة الديون، إلا أن التنسيق أثبت صعوبته بسبب الخلافات المطولة حول تقاسم الأعباء بين المقرضين الصينيين والغربيين، ففي مفاوضات إعادة هيكلة ديون زامبيا، على سبيل المثال، ساهم هذا التعطيل في تأخيرات تجاوزت العامين.

لقد غيّرت الصين المشهد الثنائي للدين بشكل ملحوظ، ووفقاً لبيانات مبادرة أبحاث الصين-أفريقيا، قدمت البنوك الصينية المملوكة للدولة، وخصوصاً بنك التصدير والاستيراد الصيني وبنك التنمية الصيني، أكثر من 170 مليار دولار أمريكي كقروض للحكومات الأفريقية والمؤسسات المملوكة للدولة بين عامي 2000 و2020، حيث تم تقديم جزء كبير من هذا التمويل في إطار مبادرة الحزام والطريق لتمويل مشاريع الطرق والسكك الحديدية والطاقة.

وعلى النقيض من ذلك، ورغم أن هذه الاستثمارات ساهمت في معالجة عجز البنية التحتية، إلا أنها أضافت التزامات السداد إلى الضغوط الناتجة عن الديون الخارجية، حيث تشير التقارير إلى أن بكين تميل إلى تفضيل المفاوضات الثنائية وتمديد آجال الاستحقاق، بدلاً من شطب الديون بالكامل خلال محادثات إعادة الهيكلة.

اليوم، يمثل الدائنون من القطاع الخاص الركيزة الرئيسية الثالثة، ففي العقد الثاني من الألفية، لجأت الدول الأفريقية بشكل متزايد إلى أسواق رأس المال الدولية عبر سندات اليورو المقومة بالدولار، مستفيدة من انخفاض أسعار الفائدة العالمية، حيث أصدرت غانا وكينيا والسنغال ونيجيريا سندات متعددة، ومع ذلك، ومع الارتفاع الحاد في أسعار الفائدة العالمية بين عامي 2022 و2023، ارتفعت عوائد سندات اليورو بشكل كبير وتقلصت فرص الوصول إلى الأسواق، حيث واجهت الحكومات تكاليف إعادة تمويل أعلى، ما دفعها في بعض الحالات إلى اللجوء إلى الاقتراض المحلي الأكثر تكلفة.

في عمليات إعادة الهيكلة، أصبح حاملو السندات من القطاع الخاص، الذين يُنظَّمون غالباً في لجان مؤقتة تستعين باستشارات شركات مالية كبرى، فاعلين حاسمين، يتفاوضون على شروط تؤثر مباشرة في اتجاه السياسة المالية، حيث تشكل هذه الفئة من الدائنين معاً نظاماً مالياً معقداً، تُنعكس قراراته بعيداً عن جداول الحسابات، لتشكل الحوكمة الاقتصادية عبر القارة.

 التحولات الجيوسياسية في الإقراض

على مدار التاريخ، اعتمد الاقتراض السيادي الأفريقي بشكل كبير على القروض التفضيلية من المؤسسات متعددة الأطراف والشركاء الثنائيين، فبعد مبادرات تخفيف الديون، مثل مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، شهدت العديد من الدول انخفاضاً في نسب الديون، كما شجعت بيئة أسعار الفائدة المنخفضة بعد الأزمة المالية عام 2008 على التحول نحو الاقتراض التجاري، حيث توسع إصدار سندات “اليوروبوند” بسرعة بين عامي 2010 و2019، إذ قلل هذا التنويع من الاعتماد على المانحين التقليديين، لكنه في الوقت نفسه زاد من التعرض لتقلبات السوق ومخاطر العملات.

وفي المقابل، شهد ملف الدائنين في أفريقيا على مدى العقد الماضي تحولاً ملحوظاً. فعلى الرغم من استمرار تأثير الحكومات الغربية والمؤسسات متعددة الأطراف، توسّع دور الصين بشكل كبير في تمويل البنية التحتية، وبحلول عام 2022، شكلت القروض الصينية نحو 12٪ من الدَّين العام الخارجي لأفريقيا، ما جعل الصين أكبر دائن ثنائي للقطاع العام في القارة.

 بحلول عام 2022 شكّلت القروض الصينية نحو 12٪ من الدَّين العام الخارجي لأفريقيا ما يجعل بكين أكبر دائن ثنائي للقطاع العام في القارة

ومع ذلك، يمتلك حاملو السندات من القطاع الخاص مجتمعين حصة أكبر، إذ أدى هذا التحول إلى تغيير الديناميكيات الدبلوماسية، حيث بات على الحكومات المدينة التفاوض في آن واحد مع بكين، ونادي باريس، والمستثمرين من القطاع الخاص، حيث تؤثر بيئة الدائنين متعددة الأقطاب هذه على القدرة التفاوضية والجداول الزمنية.

وعلى سبيل المثال، تطلبت إعادة هيكلة ديون زامبيا موافقة الصين وفرنسا والمملكة المتحدة وحاملي السندات من القطاع الخاص، حيث يعمل كل منهم وفق تفويضات مختلفة.

علاوة على ذلك، جعلت تعقيدات تركيب الدائنين عمليات تسوية الديون أبطأ وأكثر حساسية سياسية، فلكل مجموعة دائنين حوافزها وأطرها القانونية الخاصة، ما يعرقل الجهود الرامية إلى التوصل إلى اتفاقات شاملة، وفي الوقت نفسه، كثفت الحكومات الغربية الرقابة على ممارسات الإقراض الصينية، بينما طالبت الصين المؤسسات متعددة الأطراف والدائنين الخاصين بالمشاركة في تحمل أعباء تخفيف الديون.

الحكومات عمدت إلى خفض الإنفاق الاجتماعي (أ ف ب)
ضغوط على الحوكمة  

لا يُعد ارتفاع الدَّين العام في أفريقيا مجرد قضية اقتصادية فحسب، بل أصبح تحدياً سياسياً وإدارياً مركزياً، فقد أسهم تعقيد هيكل الدائنين، وارتفاع أسعار الفائدة العالمية، وتقلص المساحة المالية، في زيادة صعوبة إدارة الديون، وبينما تظل المؤسسات متعددة الأطراف والدائنون الثنائيون والدائنون من القطاع الخاص مصادر تمويل أساسية، إلا أن تفاعلاتهم تؤثر بشكل متزايد على خيارات السياسات الداخلية.

وهذا يشير إلى أن التشديد المالي الناتج عن الديون أدى إلى تفاقم الضغوط السياسية في العديد من البلدان، حيث أثارت تكاليف المعيشة المتزايدة، وإصلاحات الدعم، وفرض الضرائب الجديدة احتجاجات في كينيا وغانا ونيجيريا.

ووفقًا لتقرير صادر عن منظمة فريدوم هاوس عام 2025، شهدت منطقة أفريقيا جنوب الصحراء تراجعاً مستمراً في الحقوق السياسية والحريات المدنية خلال السنوات القليلة الماضية، وبينما تتعدد الأسباب، برزت المظالم الاقتصادية والقيود المالية بشكل واضح في حركات الاحتجاج.

وعلى النقيض من ذلك، فقد تُعطي الحكومات التي تواجه محدودية في مواردها المالية الأولوية لخدمة الدين للحفاظ على الوصول إلى الأسواق وثقة الدائنين، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى تقليص المخصصات للإنفاق الاجتماعي، علاوة على ذلك، فقد حذر البنك الدولي من أن أعباء خدمة الدين المرتفعة قد تُزاحم الإنفاق التنموي.

ومع استمرار عمليات إعادة الهيكلة في زامبيا وغانا وإثيوبيا، يعيد التمويل العالمي تشكيل التوازن بين التكيف المالي والاستقرار الاجتماعي، ولكن مع تبادل الحكومات إجراءات التقشف المالي مقابل تخفيف الدَّين، تصبح خيارات السياسات أكثر تقييداً بشكل متزايد، وفي هذا السياق، يعمل الدَّين بشكل متزايد كقيد هيكلي على استقلالية السياسات الداخلية، مهدداً شرعية العملية الديمقراطية.

بالمحصلة، يعتمد مسار مشكلة الدَّين في أفريقيا على الظروف المالية العالمية، وتنسيق الدائنين، والقرارات السياسية الداخلية، ومع ذلك، من المرجح أنه طالما ظلت مفاوضات الدَّين منفصلة عن تبعاتها الاجتماعية والسياسية، سيظل النهج الشامل لتخفيف الدَّين في أفريقيا مجرد وهم.

من المرجح أنه طالما ظلت مفاوضات الدَّين منفصلة عن تبعاتها الاجتماعية والسياسية سيظل النهج الشامل لتخفيف الدَّين في أفريقيا مجرد وهم

سيغون أدييمي

سيغون أدييمي

سيغون أدييمي صحفي نيجيري، يتمتع بخبرة واسعة في تغطية القضايا الجيوسياسية والشؤون الراهنة في غرب إفريقيا.
موضوعات أخرى
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
ايغل انتيلجنس ريبورتس
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.