ينصّ الدستور الأمريكي بوضوح على أن الكونغرس وحده من يملك سلطة إعلان الحرب، ولا جدال في ذلك، وهكذا أرادها الآباء المؤسسون، إذ رسّخوا هذا المبدأ صراحة في الوثيقة التأسيسية للأمة.
غير أنه في يوم الجمعة، انقضت مهلة الستين يوماً المنصوص عليها في قانون صلاحيات الحرب المتعلقة بعملية “الغضب الملحمي”، وعلى الورق، أُعلن عن انتهاء الحرب؛ إلا أن السفن والطائرات والأفراد، بل وحتى بنية التهديد، ظلت قائمة كما هي، فلم تتجاوز واشنطن الخط الذي رسمه المؤسسون، لكنها وجدت طريقاً للالتفاف عليه عبر الصياغة.
اليوم، ومع اقتراب انتهاء المهلة التي حدّدها قانون صلاحيات الحرب لعام 1973، وضع الرئيس دونالد ترامب خطته، عبر توجيه رسالة إلى قيادة الكونغرس يؤكد فيها أن الأعمال العدائية مع إيران قد انتهت فعلياً، ووفقاً لما ورد في الرسالة، فقد دخل وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، وانتهت المرحلة الأكثر كثافة من الحملة الجوية.
وبحسب رواية الإدارة، فإن مهلة الستين يوماً قد توقفت بالفعل، ولم تعد الالتزامات القانونية المفروضة على السلطة التنفيذية سارية، وفي الوقت نفسه، أشارت الرسالة إلى أن التهديد الإيراني لا يزال قائماً بدرجة كبيرة، وأن القوات الأمريكية ستواصل إعادة تموضعها، وأن الرئيس يحتفظ بكامل الصلاحيات التي تمكّنه من استئناف القتال في أي وقت وبمهلة قصيرة.
تعكس الجرأة اللافتة في تلك الرسالة أسلوباً مألوفاً لدى ترامب: إنهاء حرب على الورق دون إنهائها فعلياً على أرض الواقع، وبهذا المنطق يبرّر الرئيس إبقاء السفن والطائرات وعشرات الآلاف من الأفراد في مسرح العمليات، مع إبلاغ الكونغرس بأن القانون الذي يُلزمه بالحصول على تفويضه لم يعد سارياً، وفي المحصّلة، يبدو ذلك بمثابة مخرج قانوني صاغه الرئيس لنفسه، أما الكونغرس، فرغم ما أُتيح له من فرص متكررة للطعن في هذا المسار، فقد اختار عدم القيام بذلك.
تعكس الجرأة في الرسالة أسلوباً مألوفاً لدى ترامب: إنهاء حرب على الورق دون إنهائها فعلياً على أرض الواقع وبهذا يبرّر إبقاء السفن والطائرات وعشرات الآلاف من الأفراد في مسرح العمليات
ذلك هو السَّبَق الذي ترسّخ في الأول من مايو 2026، إذ لم يقتصر الأمر على إخفاق الكونغرس في التصويت، بل أُتيحت له وسيلة لتجنّبه، فاختار الأخذ بها.
كيف يعمل هذا المخرج القانوني؟
صُمِّم قانون صلاحيات الحرب، الذي أُقِرّ عام 1973 رغم فيتو ريتشارد نيكسون، ليجعل خوض الحروب من قبل الرئيس أكثر صعوبة لا أسهل، ويقوم جوهره على مبدأ بسيط: بمجرد أن يُخطر الرئيس الكونغرس بإرسال قوات أمريكية إلى أعمال قتالية، يكون أمامه ستون يوماً للحصول على تفويض، وإذا لم يصدر هذا التفويض، يتعيّن عليه البدء في سحب القوات.
لا يقدّم القانون تعريفاً دقيقاً لمفهوم الأعمال العدائية بالقدر الذي كان واضعوه يتمنّونه، وقد تحوّل هذا الغموض إلى الأداة الأهم التي استخدمتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة للتحايل على قيوده، فقد جادل محامو الرئيس باراك أوباما بأن قصف ليبيا لأشهر لا يُعدّ أعمالاً عدائية، لأن القوات الأمريكية لم تكن تتعرّض لنيران مباشرة، وفي ولايته الأولى، تبنّى محامو ترامب منطقاً مشابهاً بشأن الضربات في سوريا.

لكن الرسالة الحالية تمضي بهذا الطرح خطوة أبعد؛ فهي لا تدّعي أن عملية “الغضب الملحمي” لم تكن حرباً أصلاً، بل تُقرّ بأنها كانت كذلك، ثم تعلن انتهاءها وفق جدول زمني تحدده السلطة التنفيذية، وبتعريفها الخاص، ومع ما تُرفقه من تحفظات وشروط.
الرسالة تقرأ بعناية، فهي تتضمن ثلاثة أمور في آن واحد:
أولاً، تؤكد أن الأعمال العدائية قد انتهت، وهو ما يوقف، وفق تفسير الإدارة، مهلة الستين يوماً، وبموجب هذا الفهم، لا يفرض القانون سحب القوات، لأن الأعمال العدائية قد توقفت.
ثانياً، تُبقي الرسالة على الوضع العسكري القائم، إذ تؤكد صراحة أن التهديد الإيراني لا يزال مستمراً، وأن إعادة تموضع القوات متواصلة، وأن عمليات الدفاع والردع ما زالت قائمة، ولم يتغيّر شيء فيما تقوم به الولايات المتحدة في الخليج العربي أو مضيق هرمز؛ حيث تبقى حاملات الطائرات في مواقعها، وتستمر الأجنحة الجوية، كما يستمر الحصار المفروض على الشحن الإيراني، الذي يتغيّر فقط هو التوصيف القانوني.
ثالثاً، تُبقي الرسالة خيار استئناف القتال قائماً، فالإطار التهديدي الذي تصفه هو نفسه الإطار الذي استُخدم لتبرير عملية “الغضب الملحمي” من الأساس، وإذا قررت الإدارة، في الأسبوع المقبل أو حتى في الشهر المقبل، أن السلوك الإيراني يستدعي ضربات جديدة، فإن المبرّر يكون جاهزاً مسبقاً، وعندها يُفترض أن تعود الساعة إلى العمل من جديد: تُقدَّم إشعار جديد، وتبدأ مهلة ستين يوماً أخرى في العدّ، وتستمر الدورة على هذا النحو.
وهذا يشير إلى براعة هذه المناورة تكمن في أنها لا تفرض شيئاً على الكونغرس: لا تصويت، ولا تفويض، ولا مواجهة، حيث يعلن الرئيس انتهاء الحرب وفق شروطه هو، دون أن يُطلب من الكونغرس أن يوافق أو يعترض، بل إن الإدارة تكاد تدفع المشرّعين إلى غضّ الطرف مرة أخرى.
تكمن براعة هذه المناورة في أنها لا تفرض شيئاً على الكونغرس: لا تصويت، ولا تفويض ولا مواجهة حيث يعلن الرئيس انتهاء الحرب وفق شروطه الخاصة
تجنب التصويت وإهدار السلطة
لا يمنح الدستور الكونغرس سلطة “تفويض” الحرب، فالمادة الأولى، من القسم الثامن، في البند الحادي عشر، تُسنِد إلى السلطة التشريعية واجب إعلان الحرب، ولا يتضمن النص أي صياغة تفويضية أو احتمالية، بل يضع بوضوح سلطة إعلان الحرب في يد المشرّعين المنتخبين من الشعب.
لم تسعَ إدارة ترامب إلى الحصول على تفويض من الكونغرس، كما لم تُقدِّم طلباً إضافياً للاعتمادات المالية لتمويل حرب تُقدَّر كلفتها حتى الآن بنحو 25 مليار دولار، ومن المتوقع أن ترتفع أكثر، حيث بدأت عملية “الغضب الملحمي” في 28 فبراير بمنشور على منصة “تروث سوشال”، تلاها موجة من الضربات الجوية القاسية ضد المنشآت النووية الإيرانية، ومواقع إنتاج الصواريخ، وقيادات بارزة في النظام، وقد قُتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في تلك الهجمات.
قدّمت الإدارة إشعارها الرسمي بموجب قانون صلاحيات الحرب في 2 مارس، وبذلك أصبح موعد انتهاء مهلة الستين يوماً هو الأول من مايو، وقد نفّذ بعض المشرّعين ما نصّ عليه القانون تماماً.
قاد السيناتور تيم كاين، الديمقراطي عن ولاية فرجينيا، والسيناتور تامي داكوورث، الديمقراطية عن ولاية إلينوي، جهوداً لإجراء عدد من التصويتات المتعلقة بصلاحيات الحرب خلال شهرين، كما صاغ الديمقراطيون في مجلس النواب قراراً موازياً، فيما أعدّت مجموعة من الديمقراطيين، إلى جانب عدد قليل من الجمهوريين المنشقين، دعوى قضائية على غرار الدعاوى التي رُفعت في كل نزاع منذ حرب فيتنام.
تُشكّل هذه الإجراءات ممارسة حقيقية للصلاحيات البرلمانية، ويستحق المشرّعون الذين يقفون وراءها التقدير لتحمّلهم العبء الذي تفرضه مهامهم، لكن واضعي قانون عام 1973 قصدوا أن يُنفَّذ من قِبل الكونغرس كمؤسسة، لا من قِبل جزء داخله، فالتصويت الذي لا يمرّ يُعد موقفاً سياسياً، لا ممارسة فعلية للسلطة، والكونغرس لا يتحدث بسلطة ملزمة إلا عبر تصويت الأغلبية، وقد اختارت الأغلبية الجمهورية عدم التحرك.
في 4 مارس، رفض مجلس الشيوخ قراراً يتعلق بصلاحيات الحرب قدّمه السيناتور تيم كاين، إلى جانب السيناتور الجمهوري من كنتاكي راند بول، بأغلبية 53 صوتاً مقابل 47، وكان بول الجمهوري الوحيد الذي صوّت لصالح القرار، فيما كان السيناتور الديمقراطي عن بنسلفانيا جون فيترمان الديمقراطي الوحيد الذي صوّت ضده.
كما فشل في مجلس النواب قرارٌ ثنائي الحزبية قدّمه النائب الجمهوري من كنتاكي توماس ماسي والنائب الديمقراطي من كاليفورنيا رو خانا، إذ سقط بفارق سبعة أصوات، مع معارضة أربعة ديمقراطيين له، وتكرر المصير نفسه مع قرارات لاحقة دون أي تغيير يُذكر في النتيجة، وبذلك، سُجلت نحو ستة تصويتات في مجلس الشيوخ، وما لا يقل عن اثنين في مجلس النواب؛ أي ثماني فرص لممارسة الصلاحية الدستورية، وثماني مرات جرى فيها الامتناع عن استخدامها.
رسالة البيت الأبيض
تمثّل السيناتور ليزا موركوفسكي نموذجاً للمواقف المعقّدة التي يتخذها كثير من المشرّعين عند مواجهة تصويتات تتعلق بالحرب، فقد صاغت مسودة تفويض لاستخدام القوة العسكرية (AUMF)، تهدف، على حد تعبيرها، إلى منع الرئيس ترامب من “إرسال قوات برية بهدف احتلال كامل”، وتقول: إنها ستقدّم هذا المقترح عند عودة الكونغرس من عطلته في 11 مايو.
يبدو المقترح، على الورق، ذا قيمة، لكن سجل تصويت السيناتورة الجمهورية من ألاسكا يضعف أثره، فقد كانت قد صوتت سابقاً ضد إجراء كان من شأنه منع الإدارة من الحصول على التمويل اللازم لاستمرار الحرب، معتبرة أن ترامب كان ينبغي أن يطلب موافقة الكونغرس، لكنها في الوقت نفسه أشارت إلى “الواقع الصعب” المتمثل في أن الرئيس أرسل قوات لمواجهة عدو استهدف وقتل أمريكيين على مدى عقود، وهكذا، فإن هذا النهج التوفيقي الذي تتبناه ليس استثناءً، بل هو القاعدة.
قال السيناتور كريس مورفي، الديمقراطي من ولاية كونيتيكت: إن سلسلة القرارات الفاشلة تمثّل “الفرصة الوحيدة للكونغرس لمناقشة الحرب، وهو أمر مؤسف”، غير أن ذلك، في جوهره، يظل خياراً سياسياً أيضاً، فـ”قانون صلاحيات الحرب” يُعد تشريعاً ذا أولوية إجرائية، ما يضمن له الوصول إلى التصويت في قاعة المجلس، لكن ما يبدو أن معظم الأعضاء يخشونه ليس التصويت بحد ذاته، بل نتائجه: أن ترتبط أسماؤهم بكل خسارة بشرية، وكل تكلفة مالية، وكل ارتفاع في أسعار الوقود، وكل صاروخ إيراني ينجح في اختراق الدفاعات الأمريكية، فالتصويت يعني مادة جاهزة لحملات الهجوم الإعلانية قبل أشهر قليلة من الانتخابات النصفية، أما الامتناع عن التصويت، فينتج بياناً صحفياً فقط.
تحل رسالة البيت الأبيض مشكلة للطرفين معاً؛ فالإدارة تتمكن من مواصلة الحرب التي تريدها دون الدخول في تصويت تفويض تبدو حريصة على تجنّبه بوضوح، وفي المقابل يُعفى الجمهوريون في الكونغرس الذين يتجنبون التصويت المسجّل من خوضه أصلاً، أما القلّة من المعارضين في كلا الحزبين، فيُتاح لهم تسجيل اعتراضاتهم عبر قرارات يُدرك الجميع أنها ستفشل، وهكذا، تتبادل السلطتان التشريعية والتنفيذية الأدوار أمام الكاميرات، بينما لا تؤدي أيٌّ منهما واجبها الدستوري كما ينبغي.
تحل رسالة البيت الأبيض مشكلة الطرفين معاً فالإدارة تتمكن من مواصلة الحرب دون الدخول في تصويت تفويض وفي المقابل يُعفى الجمهوريون في الكونغرس من خوض التصويت
السلطة التنفيذية الأكثر ميلاً إلى الحرب
لقد توقّع الآباء المؤسسون هذا المسار مسبقاً، إذ كتب جيمس ماديسون، أحد أبرز صُنّاع الدستور، إلى توماس جيفرسون قائلاً: إن “السلطة التنفيذية هي الفرع الأكثر اهتماماً بالحرب والأكثر ميلاً إليها”، مضيفاً: إن الدستور “قد حرص بعناية مقصودة على أن يضع قرار الحرب في يد السلطة التشريعية”، وهذا تفكيرٌ مدروس بعناية، لا رقابة شكلية، ولا مجاملة، ولا نقاش لمجرد النقاش، ولا التفاف تشريعي، ولا حيل إجرائية، فقد تعمّد الآباء المؤسسون وضع سلطة إعلان الحرب في يد الفرع الأقل ميلاً إلى خوضها.
الرجال الذين صاغوا وثيقة تأسيس الدولة خرجوا للتو من حرب دامية استمرت ثماني سنوات، وكانوا يدركون، كما قال ماديسون، أن السلطة التنفيذية، إذا أُطلقت من قيود السلطة التشريعية في مسألة الحرب، ستتحول مع الزمن إلى ما لا يختلف كثيراً عن الملك الذي أطاحوا به.
يُعدّ ألكسندر هاملتون، أحد الآباء المؤسسين وأول وزير للخزانة في الولايات المتحدة، قد كتب في “الأوراق الفيدرالية” أن الرئاسة الأمريكية ليست نظاماً ملكياً، وصحيح أن الدستور جعل الرئيس القائد الأعلى للقوات المسلحة، إلا أن هذه الصلاحية لا تعني سوى “القيادة العليا والتوجيه العام للقوات البرية والبحرية”، فالملك البريطاني كان يملك حق إعلان الحرب، بينما لا يملك الرئيس الأمريكي هذا الحق.
بعد قرنين ونصف، لم يعد ذلك هو الواقع، بل لم يكن كذلك منذ فترة طويلة، غير أن عملية “الغضب الملحمي” والرسالة التي أنهتها بشروط السلطة التنفيذية، تُمثّل اللحظة التي أصبح فيها هذا التحول رسمياً ومُعلَناً.
عملية الغضب الملحمي
تختلف عملية “الغضب الملحمي” عن الحروب السابقة، فقد وسّع الرؤساء نطاق صلاحيات الحرب من قبل؛ إذ أرسل ترومان القوات إلى كوريا عام 1950 دون تفويض من الكونغرس، واصفاً ذلك بأنه “عملية شرطة”، كما أدخل ليندون جونسون الولايات المتحدة في حرب فيتنام عبر “قرار خليج تونكين”، وهو تشريع استند إلى معلومات ثبت لاحقاً أنها غير صحيحة.
وحصل جورج دبليو بوش على تفويضات مفتوحة لاستخدام القوة العسكرية في عامي 2001 و2002، جرى توسيعها لاحقاً لتبرير عمليات ضد جهات لم تكن موجودة أصلاً عند إقرارها، أما باراك أوباما فقد اعتمد على تفويض عام 2001 لتبرير حملة جوية عام 2014 ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، وهو تنظيم لم يكن قائماً وقت صدور ذلك التفويض وقد انفصل علناً عن القاعدة.
وفي ولايته الأولى، أمر ترامب بقتل قاسم سليماني، قائد فيلق القدس الإيراني، في مطار بالعراق، متحدياً الكونغرس أن يتخذ أي إجراء رداً على ذلك، حيث وصف نائب الرئيس جيه دي فانس “قانون صلاحيات الحرب”، بأنه “قانون مزيف وغير دستوري من حيث الأساس”.
اليوم، تختلف عملية “الغضب الملحمي” في ثلاثة جوانب رئيسية، فهي حرب مستمرة ومعلنة وواسعة النطاق ضد دولة ذات سيادة، وليست ضربة محدودة أو عملية محصورة، ففي حالات كوريا وفيتنام وليبيا، كان الجدل يدور حول ما إذا كان الفرع التنفيذي قد تجاوز الكونغرس، أما في “الغضب الملحمي”، فلا مجال لهذا الجدل: فقد تجاوز ترامب الكونغرس بالفعل، فالجدول الزمني يوثّق مهلة محددة، والكونغرس سجّل التصويتات.
وبعد الأول من مايو، ترسّخت سابقة جديدة، لم يعد الرئيس بحاجة إلى توسيع صلاحيات الحرب أو التلاعب بها، بل بات بإمكانه خوض حرب، ثم إعلان انتهائها بسلطته وحده، مع الإبقاء على الوسائل والمبررات اللازمة لاستئنافها، والاعتماد في الوقت نفسه على امتناع الكونغرس عن المواجهة.
بعد الأول من مايو ترسّخت سابقة جديدة إذ لم يعد الرئيس بحاجة إلى توسيع صلاحيات الحرب أو التلاعب بها بل بات بإمكانه خوض حرب ثم إعلان انتهائها بسلطته وحده
مساهمة هيغسِث
لا يكتفي الكونغرس بالامتناع عن التصويت على الحرب، بل يمتنع أيضاً عن التدقيق في هوية من يخوضونها، ففي أبريل، أقال وزير الدفاع بيت هيغسِث رئيس أركان الجيش الجنرال راندي جورج وعدداً من كبار الضباط الآخرين، وذلك في خضم صراع عسكري نشط.
وجاء التبرير الرسمي لهذه الإقالات في إطار “تغيير القيادة وإعادة الهيكلة”، إلا أن السبب الفعلي، على الأرجح، كان الاعتقاد بأن جورج والآخرين لم يكونوا منسجمين بما يكفي مع البيت الأبيض في عهد ترامب، أو مع رؤيته للعقيدة السائدة داخل البنتاغون.
في عام 1951، أقال الرئيس هاري ترومان الجنرال دوغلاس ماك آرثر بسبب العصيان، إذ كان ماك آرثر، أحد أكثر الجنرالات تتويجاً بالأوسمة في جيله، قد خالف علناً سياسة ترومان بشأن إدارة الحرب الكورية، لكن كان هناك مبدأ تأسيسي على المحك: خضوع الجيش للسلطة المدنية، حيث تراجعت شعبية ترومان بشكل حاد، لكنه في النهاية انتصر.
تشير تصرفات هيغسِث إلى العكس تماماً؛ فهو يعزل ضباطاً يطرحون مخاوف قانونية بشأن سياسات الإدارة، كما أن الصعود السريع للجنرال كريس لانيڤ إلى المناصب الشاغرة يكمّل الصورة، إذ لم يتم كسر التوازن المؤسسي من الأسفل عبر تجاوز أحد الجنرالات لسلطته، بل من الأعلى، عبر وزير مدني أقال ضباطاً لأنهم أدّوا واجبهم المهني، والكونغرس ذاته الذي يرفض التصويت على الحرب، هو نفسه الذي لن يعقد جلسات استماع بشأن إقالات هيغسِث.

ماذا يمكن للكونغرس أن يفعل؟
ماذا سيحدث في 2 مايو؟ على الأرجح لا شيء يُرى على السطح، حيث ستواصل الإدارة العمليات العسكرية وفق النهج الذي حددته الرسالة، دون الاعتراف بأن المهلة كانت مُلزمة، لأن منطقها الداخلي يفترض أنها لم تعد كذلك أصلاً.
وبما أن الجمهوريين يسيطرون على الكونغرس، فمن غير المرجّح أن يتحرّك المجلس، إلا إذا غيّر عدد محدود من الجمهوريين الذين بدأوا يُبدون قلقاً بشأن رؤية البيت الأبيض لصلاحيات الحرب مواقفهم، وسيشير عدد صغير من الخبراء القانونيين، إلى جانب قلة من أعضاء مجلس الشيوخ، إلى أن الحرب أصبحت الآن، وفقاً لتفسير معيّن، غير قانونية من حيث تطبيق القانون، أو أن القانون نفسه قد تم تجاوزه عملياً بحسب القراءة المقابلة، أما الصحافة فستسجّل انقضاء المهلة ثم تنتقل إلى موضوع آخر، وسيبقى الكونغرس في عطلته حتى 11 مايو.
لا تزال الأدوات التي يملكها الكونغرس حقيقية، فعند عودته إلى واشنطن، يمكنه وقف الاعتمادات المالية، واستدعاء الشهود للإدلاء بإفاداتهم، بل وحتى، في الحالات القصوى، عزل الرئيس، لكن من غير المرجّح استخدام أيٍّ من هذه الأدوات، فإيقاف التمويل يتطلب أغلبية مستعدة للتصويت ضد تخصيص أموال لجنود في الميدان، وهو تصويت يتجنّب معظم الأعضاء خوضه خشية أن تصفه الإدارة بأنه تخلٍ عن القوات.
أما سلطة الاستدعاء القضائي فقد تراجعت فعاليتها بمرور الوقت، في حين أن العزل، وهو الوسيلة النهائية التي وضعها الآباء المؤسسون لمواجهة تجاوز السلطة التنفيذية لحدودها الدستورية، يظل غير قابل للتحقق عملياً في مجلس شيوخ يتطلب الإدانة فيه أغلبية الثلثين، وهي غير متوفرة، وبذلك تنقضي المهلة، وتستمر الحرب، بأي صيغة تختار الإدارة تسميتها، وقد ترسّخت سابقة جديدة.
تتجاوز العواقب الاستراتيجية الأسئلة الدستورية التي أثارتها حرب إيران، فالحلفاء في الخليج يراقبون كيف تخوض الولايات المتحدة حرباً كبرى دون التوافق السياسي الذي كان ينبغي أن يرافق قراراً بهذا الحجم، وفي المقابل، يراقب الخصوم كونغرساً تخلّى عن دوره الأساسي كقيد على السلطة التنفيذية، وكلا الطرفين سيستخلصان نتائج من ذلك.
أما الانتخابات النصفية، فستدور جزئياً حول سؤال ما إذا كان الرأي العام يوافق على الطريقة التي بدأت بها الحرب، لكن إجراء استفتاء على حربٍ مضى عليها ستة أشهر لا يمكن أن يكون بديلًا عن التفويض الذي كان ينبغي أن يصدر دستورياً في بدايتها، والحرب، في كل الأحوال، لا تحظى بشعبية لدى الناخبين.
نظام يعمل الآن بهذه الطريقة
السؤال الجوهري الذي تطرحه عملية “الغضب الملحمي” ليس ما إذا كان قد جرى الالتزام بقانون صلاحيات الحرب؛ فقد لم يُلتزم به، كما أن السؤال لا يقتصر على ما إذا كان الكونغرس قد أخفق في إنفاذه، رغم أنه فعل ذلك.
السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت الولايات المتحدة، في عام 2026، لا تزال تؤمن بأن قرار إرسال الأمريكيين للقتال والموت في حرب خارجية ينبغي أن يتخذه ممثلو الشعب المنتخبون، أم أن هذا القرار أصبح الآن، بصورة نهائية وبدون اعتراض جدي، بيد شخص واحد في البيت الأبيض.
السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت الولايات المتحدة في 2026 لا تزال تؤمن بأن قرار إرسال الأمريكيين للقتال والموت في حرب خارجية ينبغي أن يتخذه ممثلو الشعب المنتخبون
الإجابة، وفق ما تُظهره الأسابيع الثمانية الماضية، هي الاحتمال الثاني، إذ أصبحت الآلية التي تم عبرها تثبيت هذا الجواب واضحة تماماً، فالسلطة التنفيذية تعلن انتهاء الأعمال العدائية بقرارها وحدها، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بالمبررات والقوات وخيار استئناف القتال، أما الكونغرس، فعندما أُتيحت له فرصة اختبار هذا الإعلان، فقد اختار عدم القيام بذلك.
تتوقف الساعة، بينما يبقى الانتشار العسكري قائماً، وتُرسَّخ السابقة، ويؤدي كل فرع من فروع السلطة دوره المفضل، لكن النتيجة المشتركة هي إعادة تشكيل التوازن الدستوري القائم، فلا يزال الدستور يقول ما يقوله، وتمييز هاملتون بين الرئيس والملك محفور في التاريخ، لكن المؤسسة المكلّفة بإنفاذ هذا التمييز قد تراجعت، تصويتاً بعد تصويت، وصمتاً بعد صمت، عن القيام بواجباتها.
لا توجد ابتكارات إجرائية، ولا قانون إصلاح، ولا قرار ذكي يمكنه إصلاح كونغرس يرفض استخدام الصلاحيات التي يمتلكها أصلاً، لم يفشل “قانون صلاحيات الحرب” في حد ذاته وفق منطق نصّه؛ بل فشل لأن السلطة التنفيذية تعلّمت كيف تلتفّ عليه، ولأن الجهة التي صُمّم القانون لتمكينها اختارت ألا تمارس هذا التمكين.
توقّع ماديسون هذا أيضاً، فقد كتب في “الأوراق الفيدرالية” أن البنية الدستورية لن تصمد إلا بقدر ما تُقابل الطموحات بعضها بعضاً، وما دامت كل سلطة من السلطات التي أنشأها المؤسسون تدافع بشدة عن صلاحياتها في مواجهة أي تعدٍّ من غيرها.
في المحصلة، لم يُصمَّم النظام ليعمل في ظل سلطة تنفيذية تصوغ لنفسها مخارجها من القانون، وكونغرس يتلقف تلك المخارج بارتياح، وهذا هو النظام الذي نراه اليوم: سلطة تنفيذية تبتكر طرقها للخروج من قيود القانون، وكونغرس يسمح لها بالمرور عبرها دون مقاومة تُذكر.



