انتهت زيارة رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، إلى بكين الشهر الماضي بتوقيع إطار للشراكة الثنائية يشمل خفض الرسوم الجمركية على المركبات الكهربائية والمنتجات الزراعية، وتوسيع مجالات التعاون في الطاقة والاستثمار، واتخاذ إجراءات متعلقة بالتأشيرات، بالإضافة إلى اتفاقات محدودة في مجال إنفاذ القانون الدولي، حيث يأتي هذا التحول البراغماتي في العلاقات عند مفترق طرق، بعد عقدٍ من الجدل والتوتر والقطيعة الدبلوماسية.
اليوم، تعيد كندا ضبط علاقاتها مع الصين، ليس كردّ فعل على إخفاق قيادي عابر أو خطأ دبلوماسي مؤقت، بل كجزء من نمط أوسع لتكيّف الدول متوسطة القوة في ظل تراجع الهيمنة الغربية واحتدام المنافسة الهيكلية على مستوى النظام الدولي، لذلك، فإن ما تقوم به كندا يعد عملية تكيّف هيكلي تقوم على فصل مجالات التعاون، بحيث تعزّز أوتاوا علاقاتها الاقتصادية مع بكين، مع الحفاظ في الوقت ذاته على تحالفها الأمني مع واشنطن.
يبرز التحوّل الكندي غياب التنسيق الاستراتيجي داخل الكتلة العابرة للأطلسي بشأن كيفية التعامل مع تنامي النفوذ العالمي للصين، حيث يتناقض هذا النهج مع مقاربات أكثر تصادمية اعتمدها بعض الشركاء الأوروبيين، مثل لجوء هولندا في الخريف الماضي إلى استخدام قانون للأمن القومي يعود إلى حقبة الحرب الباردة للسيطرة على شركة “نيكسبيريا” لصناعة أشباه الموصلات، المملوكة للصين.
ضمن هذا السياق، تأتي أهمية تصريحات كارني بشأن الاتفاق فيما تحمله من جدية وصراحة، إذ قال: إن “النظام العالمي قد انقلب رأساً على عقب”، مضيفاً: “ما نشهده هو قطيعة لا انتقال”، وبعد أيام، شدّد على هذه الفكرة في دافوس بقوله: “كنّا نعلم أن رواية النظام الدولي القائم على القواعد لم تكن صحيحة بالكامل”، مضيفاً: إن “الأقوى كانوا يستثنون أنفسهم متى اقتضت مصلحتهم ذلك”.
وأشار كارني إلى أن القانون الدولي كان يُطبَّق بدرجات متفاوتة من الصرامة تبعاً للدولة المعنية، مبيناً أن “هذه الرواية المختلَقة كانت مفيدة طالما أنها دعمت الهيمنة الأميركية التي استفادت منها كندا”.
أما الآن، وفي خضم “التقلبات العالمية”، فإن الدول متوسطة القوة، مثل كندا، باتت مطالبة برسم مسار جديد من خلال التعامل مع العالم كما هو، لا كما نتمنى أن يكون.
تواجه كندا نظاماً عالمياً يستمر فيه التحالف السياسي والاقتصادي المتمحور حول الولايات المتحدة على المستوى الخطابي، حتى في الوقت الذي تتآكل فيه الظروف الهيكلية التي دعمت هذا التحالف لفترة طويلة، فبينما تُعد كندا “أول من سمع جرس الإنذار”، كما قال كارني، فمن غير المرجح أن تكون الأخيرة.
تواجه كندا نظاماً عالمياً يستمر فيه التحالف السياسي والاقتصادي المتمحور حول الولايات المتحدة على المستوى الخطابي
المثالية الغربية وصعود الصين
تُعد تصريحات كارني من خارج دوائر صنع القرار الغربية، التي نادراً ما تكشف عن ما يجري داخلها، فقد وفّرت المثالية التي طبعت السياسة الخارجية الغربية، والقائمة على الادعاء بوجود “نظام قائم على القواعد”، على مدى عقود غطاءً خطابياً لإسقاط القوة الصلبة الأمريكية، ولكن ومع انهيار الاتحاد السوفياتي، لم تعد الولايات المتحدة مقيَّدة بثقل موازن على مستوى النظام الدولي، حيث سعت ظاهرياً إلى استبدال سياسة القوى العظمى بهذا النظام السياسي-الأخلاقي الجديد، مشددة على مصالحها الخاصة، وفي الوقت نفسه مقدمةً حوافز لشركاء مثل كندا للتعاون معها، إلا أنه من غير المرجّح أن تصمد هذه السردية المُشرِّعة في مواجهة بروز نظام عالمي لا يقوم على الهيمنة الأمريكية، بل على التعددية القطبية والحضور العالمي المتنامي للصين.

وعلى النقيض من ذلك، يسلّط نداء كارني التحذيري الضوء على إدراك متزايد، وإن جاء متأخراً، داخل الكتلة الغربية لتحوّل موازين القوة العالمية، إلا أنه يخطئ في تشخيص الأسباب، لذلك إذ يُساء فهم التحولات السياسية-الاقتصادية بعيدة المدى على أنها نتاج سوء تقدير مؤقت من قبل حفنة من رجال الدولة، إذ أدى هذا الخلل في إدراك النخب إلى أن ينظر صانعو السياسات إلى إعادة ضبط العلاقات الكندية-الصينية بوصفها نتيجة أساسية لعدم قابلية التنبؤ في سياسات ترامب.
كما عبّر كارني عن ذلك بقوله: “الولايات المتحدة تبدو وكأنها تتخلّى طوعاً عن مكانتها كقوة مهيمنة عالمياً” مقابل “تنمّر نصف-كروي”، وكأن وضع الهيمنة العالمية مسألة نوايا فردية لا نتاج تطورات بنيوية طويلة الأمد في بنية النظام الدولي.
من الأنسب فهم ترامب ونظرائه في أوروبا لا بوصفهم أسباباً رئيسية، بل أعراضاً لتناقضات عميقة كامنة في المشروع السياسي-الاقتصادي الغربي، حيث ظلّت ربحية رأس المال الغربي لفترة طويلة معتمدة على أسواق عمل مستقرة ومنخفضة الكلفة في شرق آسيا، فمنذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، وجدت الشركات الأمريكية ونظيراتها في أوروبا الغربية حلاً لأزمة الركود التضخمي وتراجع معدلات الربح، اللتين تفاقمتا بفعل ارتفاع تكاليف الطاقة وضغوط الأجور والأسعار، من خلال نقل عملياتها الإنتاجية إلى الشرق.
ولكن، مع مرور الوقت استغلت الصين هذا الاعتماد لإعادة تموضعها من موقع للموازنة بين التكاليف والإنتاج الغربي إلى فاعل استراتيجي قادر على تحويل قوّتها الاقتصادية إلى نفوذ على الأنظمة التجارية والتحالفات الجيوسياسية، وبهذا المعنى، فإن صعود الصين لم يُسفر إلا عن إبراز نقاط ضعف الغرب بشكل أوضح.
الهيمنة المتأخرة والمنافسة الهيكلية
جاء الرد من واشنطن سريعاً؛ إذ هدّد ترامب بفرض رسوم جمركية بنسبة 100% على الصادرات الكندية إذا مضت أوتاوا في إبرام اتفاق تجارة حرة مع بكين، وعلى إثر ذلك، أوضح كارني أن كندا “لا تنوي القيام بذلك مع الصين أو مع أي اقتصاد غير سوقي آخر”، وعليه، فإن القضية المحورية ليست المنافسة في حد ذاتها، بل مدى مقاومة النظام السياسي-الاقتصادي الهجين في الصين لإخضاعه لانضباط آليات السوق، وبعبارة مختصرة، إنها التهديد الذي يمثله نظام منافس قائم بذاته.
وهذا يشير إلى أن الرد الأمريكي يأتي بوصفه علامة ضعف نسبي لا قوة، فتهديدات الرسوم الجمركية تعمل ضمن إطار قديم يعتمد على القوة المتبقية للدولار والوصول المميّز إلى الأسواق الأمريكية كأدوات نفوذ، غير أن هذه الأدوات لا تُعد بديلاً كافياً عن القدرة التاريخية على وضع القواعد التي مكّنت الهيمنة الأمريكية وحلف الناتو والنظام المالي المتمحور حول الولايات المتحدة، حيث أفادت التحولات التي بدأت بعد عام 1973، من تحرير الأسواق المالية وإلغاء قيود رأس المال وربط قيمة الدولار بتقلبات السوق، الولايات المتحدة فقط في غياب منافس حقيقي، ولكن مع بروز الصين كبديل منهجي، أصبح هذا الافتراض غير قابل للاستمرار بشكل متزايد.
تهديدات الرسوم الجمركية تعمل ضمن إطار قديم يعتمد على القوة المتبقية للدولار والوصول المميّز إلى الأسواق الأمريكية كأدوات نفوذ
حتى ما يُسمّى بـ”مبدأ دونرو” الذي تبناه ترامب، أي إعادة توجيه النفوذ الاستراتيجي نحو نصف الكرة الغربي، يظهر وسط حالة من عدم اليقين في حلف الناتو، وهشاشة سلاسل الإمداد العسكري، وتراجع هيمنة الدولار، كما أنه مقيد باقتصاد سياسي شديد التمويل، حيث يتردد رأس المال الخاص، المتحفظ على المخاطرة، في الالتزام بمشاريع غير مستقرة وطويلة الأجل، مثل إعادة بناء قطاع النفط والغاز في فنزويلا، كما يُعدّ اختطاف الولايات المتحدة لنيكولاس مادورو مثالاً على هيمنة متراجعة تعتمد بشكل متزايد على التفوق العسكري المتبقي، في ظل تناقص عوائد الأدوات الاقتصادية والسياسية.
في ظل هذه القيود المادية، لا تفعل سياسات ترامب سوى تسريع الاتجاهات القائمة مسبقاً، لكن السؤال يبقى: هل الغرب قادر على إدراك تراجعه النسبي؟، ومع تنويع الشركاء التجاريين بعيداً عن النظام الدولي المتمحور حول الولايات المتحدة وتقويضهم للإطار الإيديولوجي الذي يقوم عليه، فهل سيعيد صانعو السياسات الأميركيون ضبط استراتيجياتهم؟.
تكشف اعترافات كارني عن ديناميكيات إنكار الهيمنة في مرحلتها المتأخرة، فبينما تواجه الكتلة الغربية تآكلاً عاماً في قدرتها على التنسيق العالمي، تقوم القوى المتوسطة مثل كندا بتبني استراتيجيات تحوطية ضد حالة عدم اليقين، فيما تستمر الولايات المتحدة في الاعتماد على أدوات نفوذ تقليدية لكنها قديمة، بدل التكيف مع النظام العالمي الناشئ.
دخول السوق والمركبات الصينية
يُبرز الاتفاق الكندي-الصيني الحوافز المادية التي تشكّل أساس إعادة تموضع الدول متوسطة القوة في ظل المنافسة النظامية، كما يكشف عن القوى الهيكلية طويلة الأجل التي تعيد تشكيل التجارة العالمية وتزعزع التحالف العابر للأطلسي.
ويتمحور جوهر الاتفاق حول خفض الرسوم الجمركية على المركبات الكهربائية من 100٪ إلى 6.1٪، بحد أقصى سنوي يبلغ 49,000 وحدة، وتتوقع بكين أن يعمل ذلك على تحفيز استثمارات جديدة في مشاريع مشتركة صينية، موسعةً بذلك سلسلة توريد المركبات الكهربائية في كندا، حيث يصف الاتفاق الأولي هذا الإجراء بأنه “دخول السوق المُدار”، ما يعمّق اندماج كندا في النظم الصناعية الصينية.
وعلى النقيض من ذلك، رغم أن الاتفاق يتجنب لغة شبيهة بمبادرة الحزام والطريق، إلا أن تركيزه على “توسيع قوي لسلسلة توريد المركبات الكهربائية في كندا” يشير إلى تعاون محتمل في تطوير البنية التحتية.
واليوم، من غير المرجح أن تصل مثل هذه المشاريع إلى حجم ممر المجر-اليونان الذي بنته الصين، إلا أنها ستتضمن مشاركة صينية في تحديث الموانئ والبنية التحتية المرتبطة بالبطاريات، علاوة على ذلك، وبالنظر إلى دور كندا في استخراج الليثيوم والكوبالت والجرافيت والنيكل، قد يمتد التعاون ليشمل المعالجة النهائية للمواد، وهي مرحلة تتطلب استثمارات رأسمالية بمستوى يُحجم المقرضون الكنديون عن تمويله، لذلك من المرجح أن يتم تمويل ذلك عبر البنوك التنموية المملوكة للدولة الصينية، وربما بمشاركة مباشرة من شركات البناء المملوكة للدولة الصينية.
ومع ذلك، تتطلب البنية التحتية للسيارات الكهربائية استثمارات في الأنظمة المدمجة، ولا سيما محطات الشحن، وفي إنتاج البطاريات، وهو القطاع الأكثر كثافة لرأس المال في سلاسل توريد السيارات الكهربائية، وهذا يُنذر بخطر التبعية الهيكلية، إذ تستحوذ الشركات الصينية حالياً على أكثر من 80 % من تصنيع بطاريات السيارات الكهربائية عالمياً، نتيجة خمسة عشر عاماً من التوسع الصناعي الذي تقوده الدولة في إنتاج بطاريات الليثيوم أيون.
والآن، من خلال سياسة صناعية منسقة، ودعم حكومي، وبرامج تجريبية للسيارات الكهربائية والبطاريات، رسّخت الصين هيمنتها على السوق العالمية بحلول عامي 2018–2019، قبل وقت طويل من اعتبار معظم الدول الغربية البطاريات صناعةً استراتيجية، وبذلك، قبلت بكين أوجه قصور كبيرة في التخصيص وعلى مستوى الشركات، فضلاً عن أعباء ديون محلية متزايدة، مقابل التوسع السريع والمكانة الاستراتيجية طويلة الأجل.
وعلى النقيض من جهود كندا السابقة للحد من النفوذ الصيني عبر التخارج القسري من الاستثمارات، يوسّع الاتفاق الجديد دور الصين في التنمية الصناعية، ما يفتح الباب فعلياً أمام مشاريع بنية تحتية والتزامات رأسمالية قد تؤدي إلى التبعية، كما أن مشاركة الشركات المملوكة للدولة الصينية في التمويل والبناء ستزيد من إخفاء الحدود بين النشاط الحكومي والخاص في الانخراط الاقتصادي الدولي للصين، ما يُظهر الفجوة الاستراتيجية المتزايدة بين الأطر التنظيمية الرسمية وممارسة القوة الفعلية.
يمهّد الاتفاق الطريق أمام الصين لتوسيع مشاركتها من أمريكا الوسطى والجنوبية، حيث تقوم بالفعل ببناء عشرات المشاريع في الموانئ والسكك الحديدية والطرق والمطارات وتحديثها، إلى أمريكا الشمالية، كما يوسّع هذا الاتفاق البصمة الاستراتيجية للصين خارج نطاق تركيز شي جين بينغ المعلن على الدول النامية، ليشمل عضواً مؤسساً في حلف الناتو يقع في قلب الكتلة الغربية.
الاتفاق مع كندا يوسّع البصمة الاستراتيجية للصين خارج نطاق تركيزها المعلن على الدول النامية ليشمل عضواً مؤسساً في الناتو يقع في قلب الكتلة الغربية
خطأ تصنيفي غربي
بعد هذا الاتفاق الكندي-الصيني، رد البيت الأبيض بشدة، حيث قال ترامب: “إذا كان الحاكم كارني يعتقد أنه سيجعل كندا منفذاً للصين لتصدير البضائع والمنتجات إلى الولايات المتحدة، فهو مخطئ تماماً”، وردد وزير الخزانة سكوت بيسنت هذا الادعاء، قائلاً: إنه “لن يسمح للصين بضخ بضائعها الرخيصة إلى الولايات المتحدة عبر كندا”.
ومع ذلك، لطالما كانت الواردات الاستهلاكية منخفضة التكلفة من الصين جزءاً لا يتجزأ من النموذج الاقتصادي الأمريكي، حيث ساهمت هذه الواردات لعقود في تخفيف الضغوط التضخمية، والحفاظ على أسعار فائدة منخفضة، ودعم مستويات المعيشة في الولايات المتحدة رغم ضعف نمو الأجور الحقيقية، ومن الشركات الكبرى في قطاع التجزئة مثل وولمارت، إلى الشركات الصناعية المتقدمة مثل فورد وجنرال إلكتريك، قامت الأعمال الأمريكية بنقل الإنتاج والمصادر إلى الخارج، وتطبيق شبكات لوجستية تعتمد على التسليم في الوقت المناسب، واستغلال الهيمنة الدولارية لتقليل تكاليف المدخلات وتوسيع القوة الشرائية.
الجديد هنا أن الصين لم تعد مجرد منتج منخفض التكلفة يلبي احتياجات المستهلكين الغربيين، فبعد عقود من الاعتماد المتبادل، الذي سهّل نقل التكنولوجيا المشروع وغير المشروع، أصبحت الصين الآن منافساً استراتيجياً يمتلك سياسة صناعية استراتيجية، وتطوراً تكنولوجياً، وحجم إنتاج هائل.

لكن تحرك كندا يكشف عن ثغرة في الفهم الاستراتيجي الغربي، إذ أن القلق لا يكمن في دخول السلع الصينية الرخيصة إلى الولايات المتحدة عبر كندا، بل في أن صعود الصين يخلق حوافز لحلفاء الولايات المتحدة القدامى للتكيف مع الحواجز التجارية الأمريكية وقدرتها على فرض الضغوط، إذ لم يتغير المنطق الأساسي لإنتاج السلع وتداولها واستهلاكها، إنما تغيرت فقط سيطرة الولايات المتحدة الكاملة على النظام الذي صممته، سواء في بريتون وودز أو في وول ستريت.
ومع ذلك، لا يزال صانعو السياسات الغربيون والنخب المرتبطة بهم يدافعون عن سياسات حمائية لمواجهة “التأثير السلبي للإفراط في الطاقة الإنتاجية”، كما ورد في تقرير لجنة التجارة الدولية بالاتحاد الأوروبي.
وخلال زيارتها للصين عام 2024، قالت رئيسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي السابقة، جانيت يلين: إن “القدرة الصناعية المفرطة في الصين تهدد الشركات الأمريكية والأوروبية على حد سواء”، وفي الواقع، فقد أسفرت الاستراتيجية الصناعية طويلة المدى للصين عن هيمنة عالمية في مجال المركبات الكهربائية والخلايا الشمسية والبطاريات، مهددة بذلك الريادة الغربية في الإنتاج التكنولوجي المتقدّم.
وهذا يشير إلى أن استخدام السلطة الحكومية لتعزيز الصناعات الحيوية وتحقيق الهيمنة في القطاعات الحساسة أمنياً ليس أمراً جديداً، حيث وضعت السياسة الصناعية الاستراتيجية الأمريكية في عصر الحرب الباردة الأسس لهيمنتها العالمية في مجالات الحوسبة والطيران والتكنولوجيا العسكرية كما لا تزال الإعانات الواسعة والحمايات الاستراتيجية تدعم القدرة التنافسية للزراعة الأمريكية، في حين تضمن أطر الشراء العام المضمون والتعويضات في قطاعي الدفاع والأدوية الهيمنة الأميركية في هذه المجالات.
واليوم، ما تغيّر ليس منطق التدخل الحكومي، بل من يمتلك السلطة الدولة بطريقة أكثر استراتيجية داخل النظام العالمي، ومع ميل موازين القوة العالمية لصالح الصين، يُعاد تأطير السياسة الصناعية الاستراتيجية بوصفها “إفراطاً في الطاقة الإنتاجية”، ما يقدّم نقداً معيارياً بدلاً من تفسير هيكلي.
ببساطة، يُعدّ مصطلح “الطاقة الإنتاجية الفائضة” خطأً تصنيفياً قائماً على التوقعات الغربية لا على النوايا الاستراتيجية الصينية، وهو يعكس خطاباً سياسياً تُعطى فيه الأولوية للسرديات الأيديولوجية المستخدمة لتبرير القوة الأميركية الصلبة على حساب التخطيط الاستراتيجي طويل الأجل والاستثمار الحكومي الفعلي الذي أنتج هذه القوة ودعمها.
مصطلح “الطاقة الإنتاجية الفائضة” يُعدّ خطأً تصنيفياً قائماً على التوقعات الغربية لا على النوايا الاستراتيجية الصينية
لقد حال تقديس القوى السوقية بعد الحرب الباردة دون فهم المخططين الحكوميين لمصادر صعود الولايات المتحدة، واليوم يعميهم عن أسباب تراجعها النسبي، وما تكشفه تصريحات كارني ليس آليات القوة الأساسية، بل السرديات التي أخفتها لسنوات طويلة.
التركيز المفرط على “الطاقة الإنتاجية الفائضة” يكشف عن مشكلة مفاهيمية أوسع نطاقاً في التحليل السياسي الغربي، ألا وهي الميل إلى إعطاء الأولوية للنقد الأخلاقي والخطابي على حساب التفسير الهيكلي، ما يمنح الأيديولوجيا وزناً سببياً أكبر من الظروف السياسية والاقتصادية الفعلية، حيث أدى هذا الانقلاب إلى جعل صانعي السياسات غير مؤهلين لتفسير صعود الصين، إذ يسيئون فهم التخطيط الصناعي طويل الأجل باعتباره تشويهاً انتهازياً للسوق بدلاً من كونه ممارسة متعمدة لسلطة الدولة لتحقيق غايات استراتيجية محددة.
بالمحصلة، لا يُعدّ إعادة تموضع كندا شذوذاً، ولا خيانة للأعراف الغربية، بل هو استجابة عقلانية لدولة متوسطة القوة تجاه بيئة دولية تغيّرت فيها موازين القوة بينما لم تتغير الإدراكات، والمشكلة التي يواجهها الغرب ليست أن الصين تلعب بالضرورة لعبة جديدة، بل أن النخب الغربية نسيت قواعد اللعبة القديمة، وإذا أرادوا مواجهة صعود الصين، فيجب عليهم أن يبدأوا برؤية العالم كما هو، لا كما يتمنون أن يكون.



