Eagle Intelligence Reports

هرمز وباب المندب: أزمة مزدوجة في البحر الأحمر

ايغل انتيلجنس ريبورتس • مارس 31, 2026 •

يبرز البحر الأحمر كجبهة ثانية في أزمة الممرين الاستراتيجيين المزدوجة الناجمة عن الحرب المستمرة في إيران، فيما يواصل مضيق هرمز العمل تحت وطأة اضطرابات مستمرة تفرض ضغوطاً على أحد الممرات الرئيسة للتجارة العالمية وتدفقات الطاقة، إذ تمتد حالة عدم الاستقرار لتشمل البحر الأحمر، موسعة بذلك الضغط ليطال الممر البحري الثاني المربوط مع مضيق هرمز ضمن نظام تشغيلي متكامل.

ومع تراجع مرونة شبكات الطاقة والشحن وارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 115 دولاراً للبرميل، يتقلص الهامش المتاح لامتصاص الصدمات دون أن يؤدي ذلك إلى آثار متسلسلة طويلة الأمد.

اليوم، تشير ديناميكيات التصعيد إلى أن هذا الضغط لم يعد محصوراً في منطقة الخليج العربي فقط، بل دخلت قوات الحوثيين أتون الصراع من خلال شن هجمات مباشرة على إسرائيل، وأعلنوا استعدادهم لاستئناف الهجمات البحرية أيضاً، ما من شأنه أن يحول البحر الأحمر من جبهة محتملة إلى مسار تصعيد نشط.

في هذا السياق، تعمل القدرات البحرية للحوثيين كأداة ضغط قابلة للتصعيد، ما يتيح امتداد الاضطراب من الخليج العربي إلى البحر الأحمر دون الحاجة إلى مواجهة بحرية مباشرة بين الدول، حيث تدل أنماط الاستهداف الأخيرة على أن العمليات التشغيلية مستمرة، وليست نشاطاً متقطعاً، إذ يؤدي التكرار في الاضطرابات منخفضة الشدة إلى تقليل القدرة على التنبؤ واستبدال الصدمات المعزولة بضغط تراكمي مستمر.

ونتيجة لذلك، ينتقل الاضطراب في أحد الممرين الاستراتيجيين (هرمز وباب المندب) تدريجياً ليولّد ضغوطاً في الآخر، ما يؤثر على إعادة توجيه حركة التجارة، وتعديلات التأمين، والأوضاع الأمنية للدول المجاورة، لكن التحديات الأساسية لا تكمن فيما إذا كان الاضطراب سيحدث، بل فيما إذا كان سيتوسع عبر كلا الممرين في آن واحد، ما يرسخ البحر الأحمر كنقطة ضغط ثانية ضمن نظام عالمي مقيد أصلاً ويتفاقم بشكل متزايد بفعل التصعيد في الحرب المرتبطة بإيران.

الاضطراب في مضيق هرمز أو باب المندب ينتقل تدريجياً ليولّد ضغوطاً في الممر الآخر ما يؤثر على إعادة توجيه التجارة والتأمين وأمن الدول المجاورة

الاضطراب كأداة هيكلية

يمر عبر محور البحر الأحمر-قناة السويس نحو 12% من التجارة العالمية ونحو 30% من حركة الحاويات، في حين يعبر مضيق باب المندب بين ستة وسبعة ملايين برميل من النفط يومياً، وهذا التركيز يجعل الممر عرضة بشكل منهجي لعدم الاستقرار، حيث يمكن حتى للنشاط التشغيلي المحدود أن يُحدث آثاراً بالغة، ولا يشترط استمرار الضغط ليكون فعالاً، إذ تحفّز الهجمات الموجهة وإشارات التهديد الموثوقة التكيف في أسواق الشحن والتأمين قبل انقطاع التدفقات الفعلية، ما يُغيّر السلوك استباقاً للمخاطر بدلاً من الاستجابة للخسائر.

سفينة تابعة للبحرية تبحر في مضيق هرمز (أ ف ب)

كما أن تحويل مسارات الشحن حول رأس الرجاء الصالح يضيف نحو 15 يوماً إلى زمن الرحلات ونحو 3500 ميل بحري إلى خطوط الملاحة بين آسيا وأوروبا، ومع بقاء السفن في عرض البحر لفترات أطول، تنخفض القدرة الفعلية لأساطيل الشحن، وترتفع أسعار النقل تبعاً لذلك بما يصل إلى 50–100% على بعض الخطوط الرئيسية خلال فترات الاضطراب القصوى، في حين تتقلص هوامش الربح وتُعاد أولوية الشحنات.

في الوقت نفسه، تتكيف أسواق التأمين، حيث ترتفع أقساط مخاطر الحرب أضعاف عدة، وتُفرض رسوم إضافية على كل عبور عبر المناطق عالية التهديد، ومع تلاقي ارتفاع التكاليف والمخاطر، يرتفع الحد الأدنى للجدوى التجارية للمسارات، ما يدفع حركة الشحن بعيداً عن هذا الممر.

وهذا يشير إلى أن هذه الديناميكيات تتفاعل مع بعضها البعض بدلاً من العمل بمعزل عن بعضها، إذ تعزز التأخيرات في الشحن وارتفاع تكاليف التأمين بعضها البعض، ما يزيد الضغط على الممرات بدلاً من اقتصاره على خط واحد فقط، ومع مرور الوقت، تصبح هذه التعديلات جزءاً من التخطيط التجاري، معيدة تشكيل التوقعات الأساسية بشأن زمن العبور والتكلفة والمخاطر، وبهذا المعنى، يعمل البحر الأحمر كنقطة نفوذ ضمن النظام العالمي للتجارة والطاقة، حيث يؤدي الاضطراب المحدود إلى إعادة جدولة التكاليف والمدة الزمنية والمخاطر عبر كامل سلسلة اللوجستيات، وليس فقط عند نقطة التأثير المباشر.

 الاضطراب المحدود في البحر الأحمر يؤدي إلى إعادة جدولة التكاليف والمدة الزمنية والمخاطر عبر سلسلة اللوجستيات وليس فقط عند نقطة التأثير المباشر

التصعيد الإيراني والحوثي

على النقيض من ذلك، فإن المتغير الحاسم ليس قدرة الحوثيين بحد ذاتها، بل تكاملها ضمن الإطار الاستراتيجي الأوسع للتصعيد الإيراني، إذ أظهرت قوات الحوثيين قدرة مستمرة على تنفيذ الضربات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيرة، ما يتيح فرض الاضطراب بشكل متواصل بدلاً من الاقتصار على حوادث معزولة.

في المرحلة الأولى، بين أواخر 2023 ومنتصف 2024، استهدف الحوثيون نحو 70 إلى 80 سفينة تجارية، بينما أصابوا فعلياً نحو 25 إلى 30 منها، واستمرت الحوادث بعد ذلك على فترات متقطعة، إذ يعكس هذا النمط استمراراً عملياً، ما يشير إلى أن الاضطراب يمكن أن يكون مستداماً وليس عرضياً.

في الوقت الحالي، يعكس هذا النشاط اضطراباً متحكماً فيه، إلا أن هذا يبقى مشروطاً، إذ يعكس غياب التصعيد المستمر ترتيباً زمنياً للأحداث أكثر منه قيوداً فعلية، حيث يتم ضبط الضغط البحري في البحر الأحمر بما يتوافق مع التطورات في مسارح أخرى، وبهذا المعنى، يعمل البحر الأحمر كامتداد قابل للتصعيد للنزاع، يمكن من خلاله زيادة الاضطراب أو تقليله بما يتماشى مع ديناميكيات التصعيد الأوسع، محولاً الممر إلى أداة ضغط محسوبة بدلاً من كونه جبهة تشغيلية ثابتة.

ولكن إذا تم تفعيل هذا النشاط على نطاق واسع، ستتلاشى القيود الحالية، إذ ستتوسع الاستهدافات لتشمل ناقلات النفط والغاز الطبيعي المسال والبنية التحتية البحرية، منتقلة من مجرد رسائل تحذيرية إلى تدخل مباشر في نقل الطاقة، ومع زيادة وتيرة الهجمات، يتحول التحدي العملياتي من اعتراض الهجمات إلى التغلب عليها، حيث تواجه أنظمة الدفاع ضغوطاً متزايدة ويبدأ الحجم في التغلب على الدقة.

وفي ظل هذه الظروف، لن تتمكن الحماية البحرية من التوسع بشكل فعّال، وقد يتحول البحر الأحمر من منطقة اضطراب مُدارة إلى بيئة تشغيلية متنازع عليها، حيث لا يعود التحكم مستمراً، وإنما يتعرض لتحدي مستمر.

باب المندب يضاعف القيود

يعمل باب المندب كمضاعف للقيود، حيث يحوّل الاضطراب المحلي إلى ضغط على مستوى النظام، فالممرات الضيقة وتركّز حركة المرور يزيدان من التعرض ويقللان من المرونة العملياتية، محدّدين خيارات إعادة التوجيه ضمن الممر، حيث يمكن للقوات البحرية اعتراض التهديدات المعزولة، لكن هذه الأنظمة غير مصممة للتعامل مع الهجمات المستمرة، خصوصاً في بيئات الهجمات متعددة الاتجاهات، حيث يحدد الحجم النتائج أكثر من الدقة.

ومع ارتفاع وتيرة الهجمات، تصبح قدرة الاعتراض عاملاً حاسماً، ما يزيد احتمال نجاح الضربات مع تمدد أنظمة الدفاع، محولاً النتائج من الوقاية إلى التخفيف الجزئي فقط، وفي الوقت نفسه، تعمل عدة قوات بحرية ضمن مساحة محدودة، ما يعني أن ارتفاع الكثافة التشغيلية يعقّد التنسيق ويخلق ثغرات وتأخيرات في الاستجابة.

وهذا يشير إلى أنه فوق حد معين، تصبح هذه القيود نظامية، فلا يمكن استقرار الممر من خلال المرافقة والاعتراض وحدهما، خاصة مع تجاوز حجم التهديدات قدرة الإدارة المستمرة، وفي هذه الظروف، يفاقم باب المندب التصعيد بسبب تراجع السيطرة التشغيلية مع زيادة وتيرة النشاط، ما يتيح للضربات المحلية أن تمتد وتترك أثرها على كامل الممر من خلال تراكم الضغط تدريجياً.

يفاقم باب المندب التصعيد بسبب تراجع السيطرة التشغيلية مع زيادة وتيرة النشاط ما يتيح للضربات المحلية أن تمتد وتترك أثرها على كامل الممر

القيود في الممرين الاستراتيجيين

يمتد الاضطراب في باب المندب مباشرة إلى ديناميكية نظام أوسع تتشكل بفعل الحرب المستمرة في إيران، والتي فرضت بالفعل ضغطاً مستمراً على مضيق هرمز، حيث تشكل هذه الممرات معاً نظاماً تشغيلياً متكاملًا بشكل متزايد، ما يقلل القدرة على تقييم حالة عدم الاستقرار في البحر الأحمر بمعزل عن السياق الأوسع، إذ يتعامل مضيق هرمز وحده مع نحو 17 إلى 20 مليون برميل من النفط يومياً، أي نحو خُمس الاستهلاك العالمي، ما يجعل أي اضطراب يترتب عليه آثار فورية، إذ تستجيب أسعار النفط بسرعة، مع ارتفاعات تتجاوز 10% خلال أيام من التصعيد، وهو ما يعكس محدودية القدرة على التعويض على هذا النطاق.

ومع امتداد الضغط إلى البحر الأحمر، تتراجع مرونة النظام، إذ تتقلص تدفقات الطاقة بشكل متزامن عبر كلا الممرين الرئيسيين، بينما تصبح إعادة التوزيع أبطأ وأكثر تعقيداً وأعلى تكلفة، وفي هذه الظروف، يظهر ما يُعرف بقيد الممرين الاستراتيجيين المزدوجين، حيث تتعرض حصة كبيرة من التجارة العالمية وتدفقات الطاقة للاضطراب المتزامن، ما يركّز المخاطر بدلاً من توزيعها.

وعلى النقيض من ذلك، يكون الأثر مضاعفاً، إذ يزيد التوتر في أحد الممرين من حساسية الآخر عبر تفاعل الأسواق وحدود خيارات إعادة التوجيه الفعلية، ولا تستطيع الأسواق تحقيق الاستقرار من خلال التعويض في ظل ضغط مستمر على الممرين معاً، بل يتحول النظام من موازنة التدفقات إلى إدارة الاضطراب، فيما تصبح آليات التكيف محدودة بشكل متزايد وتتأثر الكفاءة بسبب إعطاء الأولوية وفق مستوى الأزمة.

تسلسل التصعيد

في ظل الظروف الحالية، تتضح الأزمة بالفعل كتسلسل متتابع، وليست مجرد أحداث معزولة، حيث تنشأ كل مرحلة من التعديلات الملاحظة في نشاط الشحن والأسعار وسلوك المخاطر.

في المرحلة الأولى، ينخفض نشاط الشحن وترتفع تقلبات الأسعار، بينما تظل التدفقات الأساسية مستقرة جزئياً، ويتراكم التوتر عبر النظام دون انهيار فوري، إذ تمتص الأسواق وشبكات اللوجستيات الاضطراب من خلال إعادة التوجيه، وتعديلات الأسعار، والتعويض قصير المدى.

تتميز المرحلة الثانية بالنشاط المستمر في البحر الأحمر، حيث يتحول الضغط من كونه محلياً إلى تفاعلي، فتبدأ التعديلات في أحد الممرات بالانتقال مباشرة إلى الآخر، مع إعادة توجيه مسارات الشحن بشكل متزامن، وارتفاع تكاليف التأمين في كلا الممرين، وتغلغل المخاطر التشغيلية عبر شبكات التجارة، حيث يؤدي هذا المسار إلى إزالة العزلة الجغرافية للاضطراب، كما تزداد حساسية النظام بشكل عام مع بدء تقلص قدرة إعادة التوزيع.

في المقابل، يبدو أن النظام يتجه نحو المرحلة الثالثة، التي تتميز بقيود الممرين الاستراتيجيين المزدوجين، حيث يتجاوز الضغط المتزامن القدرة على إعادة التوجيه والتعويض والإجراءات الدفاعية لمواجهة الاضطراب، وتصبح حصة كبيرة من التجارة العالمية وتدفقات الطاقة مقيدة، بينما تقترب مرونة النظام من أدنى مستوياتها، ومع ضعف آليات التكيف، تضيق قدرة إعادة التوجيه، وتثبت عدم كفاية مسارات التوريد البديلة، ويصبح التعويض محدوداً بشكل متزايد.

وفي هذا السياق، لا ينهار النظام العالمي للتجارة والطاقة فجأة، بل يستمر في صورة متدهورة مع تصاعد القيود التدريجية على الضغط داخله، وتتراجع المرونة مع كل مرحلة نتيجة الاستنزاف التدريجي للاحتياطيات، فيما تفقد الأسواق وسلاسل الإمداد القدرة على امتصاص الاضطراب.

لا ينهار النظام العالمي فجأة بل يستمر في التدهور مع تصاعد القيود التدريجية على الضغط داخله وتتراجع المرونة نتيجة الاستنزاف التدريجي للاحتياطيات

القيود الاقتصادية والسياسية

مع انتقال النظام نحو قيود مستمرة في الممرين الاستراتيجيين، تتضح بالفعل آثار الحرب المستمرة في إيران على أنظمة الطاقة والتجارة العالمية، وإذا امتد عدم الاستقرار ليشمل البحر الأحمر، سينتشر الضغط عبر أنظمة التجارة والطاقة على حد سواء، حيث تقلل إعادة التوجيه من القدرة الفعلية للشحن، وترتفع تكاليف النقل، وتتغير هياكل التكلفة عبر مختلف الصناعات.

من جانب آخر، تؤدي زيادة أوقات العبور بما يصل إلى 10–15 يوماً إلى تقليل توفر الأساطيل، ما يخلق اختناقات على خطوط الملاحة الرئيسية بين آسيا وأوروبا، وتتقلص شبكات اللوجستيات، وتنخفض موثوقية الجداول الزمنية، ويزداد خطر نفاد المخزون، خصوصاً في سلاسل الإمداد في أوروبا وآسيا التي تعتمد على تسليم متوقع للسلع الوسيطة ومدخلات الطاقة.

كما تعزز أسواق التأمين هذه التأثيرات، حيث يُعامل كلا الممرين كمناطق عالية المخاطر، ما يضمن إدراج أقساط مرتفعة لمخاطر الحرب في العقود طويلة الأجل ويرفع تكاليف التشغيل الأساسية، وفي ظل هذه الظروف، يبدأ الخطر بالتحول من تقلب الأسعار إلى توافر السلع.

أما بالنسبة لصانعي السياسات، فتتمثل المشكلة في طابعها الهيكلي، فالحماية البحرية تقلل المخاطر لكنها لا تستطيع تأمين كلا الممرين في ظل هجوم مستمر، ما يجعل تحديد أولويات الأصول أمراً لا مفر منه، ويتطلب تأمين الطرق البحرية تخصيصاً مستمراً للموارد العسكرية، بينما تحد ديناميكيات التصعيد من إمكانية التوسع وتزيد من التعرض في مناطق أخرى، وإذا تعذر استعادة الظروف الأساسية، يبقى النظام في حالة تدهور مستمر.

اليوم، يقدم البحر الأحمر مثالاً حديثاً على الفشل حتى في ظل ظروف أقل حدة، ففي الفترة بين 2023 و2025، لم تُترجم جهود الاعتراض المستمرة إلى تأمين الممر، حيث فُقدت سفن وحُوّلت حركة الملاحة التجارية بعيداً عن طريق كان يحمل سابقاً جزءاً كبيراً من التجارة العالمية، واتجهت الشحنات نحو مسارات أطول حول رأس الرجاء الصالح، في حين يُمثّل مضيق هرمز ساحة معركة أوسع نطاقاً ضد قوة عسكرية دولة أكثر قدرة.

بحار أمريكي على متن حاملة الطائرات يو إس إس جيرالد آر فورد ثناء عملياتها في البحر الأحمر (أ ف ب)
التداعيات

في هذا السياق، يُمثّل البحر الأحمر الجبهة الثانية لأزمة الممرين المائيين، إذ تتحدد أهميته الاستراتيجية بما يحدث في مضيق هرمز المُضطرب أصلاً، لا بنشاطه المعزول، ويكمن الخطر الرئيسي في التصعيد عبر التكامل، فتفعيل قدرات الحوثيين على نطاق واسع من شأنه أن يُوسّع الضغط على كلا الممرين في آن واحد، رابطاً المواجهة الإقليمية مباشرة بالتجارة العالمية وأنظمة الطاقة، وتتشكل هذه الديناميكيات بسبب الحرب الدائرة في إيران، التي يُترجم من خلالها التصعيد الإقليمي بشكل متزايد إلى ضغط اقتصادي عالمي.

يُمثّل البحر الأحمر الجبهة الثانية لأزمة الممرين المائيين إذ تتحدد أهميته الاستراتيجية بما يحدث في مضيق هرمز المُضطرب أصلاً لا بنشاطه المعزول

يخلق الاضطراب المحلي قيوداً نظامية كبيرة، إذ يقلّل الضغط على كلا الممرين من مرونة النظام، ويزيد من حساسية الأسواق، ويحدّ من قدرة الجهات الخارجية على استقرار التدفقات من خلال التعويض أو التدخل قصير المدى، ونتيجة ذلك، يتزايد الضغط الهيكلي المستمر على سلاسل الإمداد، وتوزيع الطاقة، وأطر الأمن البحري، مع ارتفاع التكاليف وتراجع الموثوقية.

وهذا يشير إلى أن النظام العالمي لا ينهار فجأة، بل يتدهور تدريجياً مع تصاعد الضغط على مختلف نقاطه، مع استمرار جزئية من الوظائف، حيث تحل الندرة المدارة محل الكفاءة، ويظل البحر الأحمر قادراً على العمل، لكنه غير قابل للاستقرار، إذ يعتمد الأمن البحري على الإدارة المستمرة بدلاً من الحل النهائي، ما يجعل تخصيص الموارد بشكل دائم ضرورة وليس مجرد احتمال، كما يُحدد هذا التقييد المرحلة الحالية للأزمة، ومن المرجح أن يستمر طالما بقيت ديناميكيات التصعيد والاعتماد الهيكلي دون حل.

في المحصلة، أصبحت قدرة نظام اللوجستيات والطاقة العالمي على الاستمرار مرتبطة بشكل متزايد بمسار الحرب في إيران، فمع استمرار الاضطراب عبر الممرين الاستراتيجيين، تتقلص القدرة على استقرار حركة النقل، ويصبح استعادة النظام الطبيعي ممكنة فقط ضمن إطار استراتيجية أوسع لخفض التصعيد في النزاع.