Eagle Intelligence Reports

هرمز والمنطق الجديد للإكراه

ايغل انتيلجنس ريبورتس • مايو 3, 2026 •

يعكس الحصار المزدوج في مضيق هرمز أكثر من مجرد تصعيد إقليمي عابر؛ إذ يكشف عن تحوّل أعمق في كيفية ممارسة القوة في البحار، إذ عادت الجغرافيا لتفرض نفسها عاملاً حاسماً في تشكيل العلاقات الدولية، ولم يعد الإكراه البحري الأخير مجرد سلسلة من الحوادث المنفصلة، بل غدا جزءاً من تحول هيكلي أصبحت فيه السيطرة على الممرات البحرية الاستراتيجية أداة إكراه عملياتية، لا مجرد قيد جغرافي ثابت في خلفية المشهد، وفي هذا السياق، لم يعد السوق العالمي، الذي طالما استند إلى منظومة الأمن البحري الليبرالية الراسخة، بمنأى عن التدخلات الجيوسياسية وتقلبات الصراع الدولي.

ويأتي الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية في أعقاب الحملة العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية الواسعة التي شلّت هياكل القيادة الإيرانية، ودفعت طهران إلى إغلاق أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، حيث أحدثت هذه الخطوة صدمةً كبيرة دفعت وكالة الطاقة الدولية إلى السحب من احتياطاتها الاستراتيجية بما يعادل 400 مليون برميل، في محاولة لاحتواء تداعيات الأزمة، وفي الوقت ذاته، انهارت جهود الوساطة في باكستان بعدما اصطدمت المطالب الإيرانية بفرض رسوم على الملاحة البحرية بالخطوط الحمراء التي وضعتها واشنطن بشأن عدد من الملفات الجوهرية.

من غير المرجح أن يقتصر سيناريو مضيق هرمز على الخليج، فهو يُقدّم نموذجاً عملياً لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ، حيث باتت سلسلة الجزر الأولى الممتدة عبر مضيق ملقا، ومضيق تايوان، وبحر الصين الجنوبي، تشكّل ساحة المواجهة الرئيسية التي تسعى واشنطن من خلالها إلى احتواء التمدد البحري الصيني وتقويض أمنه المرتبط بالموارد الحيوية، ورغم أن هذه الممرات البحرية بقيت مفتوحة في ظروف السلم، إلا أن أزمة هرمز تثير تساؤلات جوهرية بشأن كيفية توظيفها أو التنازع عليها في أوقات الأزمات مستقبلاً.

من غير المرجّح أن يقتصر سيناريو هرمز على منطقة الخليج إذ يقدّم نموذجاً عملياً يمكن امتداده إلى منطقة آسيا والمحيط الهادئ

نموذج هرمز في شرق آسيا

تعيد أزمة هرمز تشكيل التفكير الاستراتيجي في مختلف أنحاء شرق آسيا، بعدما تحولت الممرات البحرية الضيقة من مجرد نقطة ضعف نظرية إلى موضوع تخطيط استراتيجي فعّال، فعلى مدى عقود، قام النظام التجاري العالمي على افتراض أن حرية الملاحة البحرية قاعدة راسخة لا جدال فيها، غير أن الحصار الذي فرضته واشنطن يوحي بإمكانية انتقال النظام البحري الدولي نحو ترتيبات أكثر انتقائية ومشروطة، وربما أكثر إقصاءً، في ظل بيئة دولية تتسم بعدم الاستقرار المزمن.

وفي هذا السياق، لم تعد الأرخبيلات التي تُشكّل “سلسلة الجزر الأولى” تُناقَش باعتبارها مجرد خطوط دفاعية، بل بوصفها “بوابات بحرية” يمكن التنازع عليها واستخدامها كأداة ضغط للتأثير في القلب الصناعي للخصم.

ميناء بيلاوان في مياه مضيق ملقا شمال سومطرة(أ ف ب)

تتجلى الأهمية الاستراتيجية للجغرافيا بوضوح في كيفية إعادة ضبط القوى الإقليمية لعقائدها البحرية في ضوء مواجهة هرمز، حيث أمضت الصين عقدين من الزمن في محاولة إنشاء منطقة “منع الدخول والوصول” التي تهدف إلى تحويل بحر الصين الجنوبي إلى منطقة متنازع عليها أمام القوات البحرية الأجنبية، وقد أظهرت أزمة هرمز أن حتى القوة البحرية المتفوقة يمكن أن تُعطَّل مؤقتاً بفعل الجغرافيا ونيران الصواريخ الدقيقة المنطلقة من الشاطئ، وهذه الدروس تتردد أصداؤها في مختلف أنحاء آسيا والمحيط الهادئ.

وعلى سبيل المثال، سارعت اليابان إلى تسريع نشر قدرات الضربات بعيدة المدى على طول ساحلها الغربي وجزرها الجنوبية الغربية القريبة من بحر الصين الشرقي، بما يمكّنها من مواجهة أو فرض قيود مماثلة في مياهها الإقليمية الساحلية.

اليوم، تُعاد قراءة الأهمية الجيوسياسية لهذه الممرات البحرية من زاوية الأولويات السياسية الداخلية، فبالنسبة لإدارة ترامب، يأتي الحصار المفروض على إيران ردّاً على إغلاقها لمضيق هرمز، لكنه يُستخدم كأداة للضغط من أجل انتزاع تسوية دبلوماسية لم تتمكن العقوبات وحدها من تحقيقها.

وفي شرق آسيا، يحتل مضيق تايوان موقعاً بالغ الأهمية على نحو مماثل، إذ يمثّل نقطة ارتكاز جغرافية يمكن عندها اختبار السيطرة البحرية الإقليمية ومصداقية نظام التحالفات الأمريكي، حيث تعاملت بكين مع تايوان بوصفها جزءاً من الصين ينبغي إعادة توحيده، بالقوة إن لزم الأمر، منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية قبل نحو ثمانية عقود، وفي المقابل، سعت واشنطن إلى تعزيز علاقاتها مع حلفائها مثل كوريا الجنوبية واليابان، بهدف تقوية منظومات الدفاع الجماعي على امتداد “سلسلة الجزر الأولى”، وردع أي محاولات محتملة لتحدي حرية الملاحة في هذا الممر الحيوي.

وتشير أزمة هرمز إلى أنه عندما تفشل المفاوضات، كما حدث في إسلام آباد، تكون الخطوة التالية هي الحظر الفعلي لحركة التجارة، وقد التقطت عواصم المنطقة هذه الرسالة جيداً، كما أعادت الأزمة إحياء مفهوم حتمية الجغرافيا، إذ تجد دول في جنوب شرق آسيا، مثل سنغافورة وماليزيا، نفسها اليوم في موقع يشبه موقع سلطنة عُمان أو الإمارات كمراكز عبور حيوية يعتمد استقرارها على قرارات تُتخذ في عواصم بعيدة.

ويبدو أن النظام القائم على القواعد آخذ في التراجع لمصلحة نظام قائم على الموقع الجغرافي، تصبح فيه القدرة على السيطرة على مضيق أو إغلاقه التعبير الحاسم عن السيادة الوطنية، وأداة رئيسية لإسقاط قوة الدولة خارج حدودها.

تجد سنغافورة وماليزيا نفسيهما اليوم في موقع مشابه لوضع عُمان أو الإمارات بوصفهما مراكز عبور أساسية يعتمد استقرارهما على القرارات المتخذة في عواصم بعيدة

الممرات البحرية كأدوات إكراه استراتيجية محتملة

يقدّم الحصار المفروض على هرمز سيناريو اختبارياً لما يُعرف بـ”معضلة ملقا”، التي طالما أقلقت المخططين الاستراتيجيين الصينيين، فبكين تستورد نحو 80% من احتياجاتها النفطية عبر مضيق ملقا، في حين تحافظ البحرية الأمريكية على حضور منتظم هناك، عبر تنفيذ عمليات لضمان حرية الملاحة، ومكافحة القرصنة، والتأكيد على مبدأ الوصول البحري المفتوح.

ومن شأن حصار بحري افتراضي تقوده الولايات المتحدة عند هذا الممر، على غرار عملياتها الحالية في الخليج العربي، أن يقطع فعلياً شريان الطاقة الرئيسي للصين، ورغم أن إعادة توجيه الإمدادات عبر مضيقي لومبوك أو سوندا تظل ممكنة، إلا أن هذا المسار سيكون أبطأ وأكثر كلفة من الناحية الاستراتيجية، فضلاً عن أنه سيجعل إمدادات الطاقة الصينية تعتمد بدرجة كبيرة على التعاون الإندونيسي.

يمثّل مضيق تايوان عنصراً ثانياً في هذه الجغرافيا الاستراتيجية، فأي صراع محتمل حول تايوان لن يقتصر على معركة برية محلية، بل قد يشمل جهوداً منهجية للسيطرة على حركة الملاحة البحرية أو اعتراضها، كما أظهرت التدريبات العسكرية المشتركة لجيش التحرير الشعبي التي تهدف إلى تطويق تايوان.

وفي حال فرضت الصين حصاراً لإجبار تايوان على إعادة التوحيد، أو إذا تحركت الولايات المتحدة لإغلاق المضيق لمنع عبور قوات جيش التحرير الشعبي، فإن الأثر على التجارة الدولية سيكون بالغاً، ففي حين يمر عبر مضيق هرمز نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، يُعدّ مضيق تايوان ممراً رئيسياً لسلاسل إمداد أشباه الموصلات العالمية، كما يمر عبره جزء كبير من حركة الشحن بالحاويات على مستوى العالم.

وعليه، فإن أي إغلاق مطوّل لمضيق تايوان أو عسكرته من شأنه أن يعطّل إمدادات الطاقة إلى كوريا الجنوبية واليابان، وهما من أبرز حلفاء واشنطن في شمال شرق آسيا ومن كبار منتجي أشباه الموصلات عالمياً، وتعتمد الدولتان في تأمين أكثر من 60% من احتياجاتهما من الوقود على مسارات بحرية تمر عبر مضيق تايوان أو بمحاذاته.

كما أن من شأن هذا السيناريو أن يربك خطوط الشحن المتجهة إلى مدن الموانئ الرئيسية في شمال شرق آسيا، بما في ذلك مدينة بوسان التي تستوعب أكثر من 76% من حركة شحن الحاويات، وتؤدي دوراً محورياً كمركز لوجستي يربط دول آسيا والمحيط الهادئ بالمسارات التجارية الأوراسية، لذا، فإن أي أزمة في مضيق تايوان لن تقتصر تداعياتها على إحداث صدمة في أسواق الطاقة فحسب، بل ستمتد لتسبب شللًا أوسع في سلاسل الإمداد العالمية للتكنولوجيا والسلع الاستهلاكية.

يشكّل بحر الصين الجنوبي الممر البحري الرابط بين هذه المضائق، وقد أدّت عسكرته المتواصلة إلى خلق بيئة قد تؤدي فيها مواجهة عرضية إلى إغلاقه، على غرار ما حدث في هرمز، حيث أنشأت القوات البحرية الصينية جزراً اصطناعية تضم بنية تحتية عسكرية ذات استخدام مزدوج، بما يعزّز حضوراً دائماً لها في هذا الممر البحري، وعلاوة على ذلك، شهدت العلاقات البحرية بين الصين والفلبين اشتباكات متكررة بالقرب من الجزر والشعاب المرجانية المتنازع عليها، وفي المقابل، أجرت الولايات المتحدة عمليات حرية الملاحة، ووسّعت مؤخراً مناوراتها العسكرية المشتركة مع مانيلا لتشمل أنظمة صواريخ متوسطة المدى قادرة على الوصول إلى البر الرئيسي الصيني.

يشكّل بحر الصين الجنوبي الممر البحري الرابط بين المضائق إذ أدّت عسكرته المتواصلة إلى خلق بيئة قد تؤدي فيها مواجهة عرضية إلى إغلاقه على غرار ما حدث في هرمز

في مارس 2026، ظهرت مؤشرات على سلوك تكيفي في مسارات الملاحة، حين بدأت سفن شحن صينية باستخدام ممرات آمنة داخل المياه الإيرانية لتجاوز خطوط الملاحة الرئيسية في مضيق هرمز، وفي حال اتخذت بكين خطوة مماثلة بفرض مناطق استبعاد أو ترتيبات مسارات تفضيلية في بحر الصين الجنوبي خلال أزمة ما، فإن ذلك سيجبر حركة الشحن العالمية على الالتفاف حول الأرخبيل الإندونيسي، ما سيضيف آلاف الأميال وتكاليف تُقدَّر بمليارات الدولارات إلى سلاسل الإمداد التي تخدم اقتصادات شرق آسيا.

أصبحت مسألة أمن الممرات المائية أولوية متزايدة لدول شرق وجنوب شرق آسيا، رغم كونها ممرات مفتوحة تشهد تدفقاً تجارياً طبيعياً في أوقات السلم، حيث تُعد تايوان الاقتصاد الأكثر عرضة في المنطقة، إذ شكّل الغاز الطبيعي المسال أكثر من 50% من مزيج توليد الكهرباء في الجزيرة مطلع عام 2026، ومن شأن أي حصار بحري أن يؤدي إلى تراجع حاد في إنتاج الطاقة المحلي خلال أسابيع قليلة.

كما تواجه كوريا الجنوبية واليابان هشاشة مماثلة، إذ تستورد كل منهما أكثر من 95% من احتياجاتها من النفط الخام، وبناءً عليه، تحوّل أمن بحر الصين الجنوبي من قضية بعيدة ومتنازع عليها إلى مسألة تمسّ الأمن الداخلي بشكل مباشر، إذ إن أي اضطراب فيه قد يلحق أضراراً كبيرة باستمرارية إمدادات الوقود وأمن الطاقة في هذه الدول.

أضعفت أزمة هرمز الافتراض القائل بإمكانية إدارة هذه الممرات المائية بشكل أساسي عبر القانون الدولي، حيث أظهرت أنها قد تتطلب بشكل متزايد وجوداً بحرياً فعلياً وردعاً من التحالفات لضمان بقائها مفتوحة.

وضمن نطاق خط الجزر الأول، قد تؤدي أزمة في نقطة واحدة إلى تداعيات متسلسلة في نقاط أخرى، فالتدخل الأمريكي في مواجهة داخل بحر الصين الجنوبي قد يدفع الصين إلى اتخاذ إجراءات حصار مضاد في مضيق تايوان أو قناة باشي، أو حتى تنفيذ عمليات مضادة تستهدف القوات الأمريكية في غوام أو أوكيناوا.

والنتيجة هي مفارقة استراتيجية؛ فالإجراءات المتخذة لتأمين ممر بحري بما في ذلك نشر مجموعات هجومية لحاملات الطائرات أو صواريخ مضادة للسفن تُطلق من البر قد تجعل ذلك الممر نفسه غير صالح للاستخدام التجاري الذي صُممت هذه التدابير أساساً لحمايته، وبذلك، فإن تحوّل الممرات التجارية الحيوية من شرايين للتجارة العالمية إلى ساحات مواجهة عسكرية بات يشكّل أحد أبرز عوامل الخطر على الاقتصاد العالمي.

الطاقة والمنافسة وقيود الصين

تتعزز الأهمية الاستراتيجية لهذه الممرات البحرية بفعل الحقائق المادية التي تحكم التنافس بين الولايات المتحدة والصين، ولا سيما في قطاع الطاقة، فبينما توفّر أهمية الجغرافيا إطاراً نظرياً لفهم هذا التنافس، يبقى الدافع الأساسي مادياً إذ تعتمد الدول على تأمين الموارد الحيوية لضمان استمرار قدرتها الاقتصادية والاستراتيجية.

وفي هذا السياق، فإن التوسع المتنامي لدور الصين في الشرق الأوسط، والذي تجلّى في لقاء رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ بولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، إضافة إلى التقارير التي تشير إلى دور بكين في تسهيل محادثات إسلام آباد، يعكس محاولة لتعزيز مصادر الطاقة في ظل ما تواجهه خطوط الإمداد البحرية من احتمالات ضعف في سيناريوهات الأزمات.

غير أن الحضور الصيني في الشرق الأوسط لا يزال محدوداً بالانتشار العسكري الأمريكي، فبكين لا تملك القدرة الفعلية على حماية أصولها الطاقوية في الخليج من الحصار الأمريكي، نظراً إلى محدودية وجودها العسكري على امتداد خطوط الإمداد عبر المحيط الهندي وسلسلة الجزر الأول، كما أن حضورها العسكري الخارجي يقتصر بصورة رئيسية على قاعدة محدودة في جيبوتي.

والنتيجة هي اختلال جيوسياسي في موازين القوة، فالصين تمتلك الثقل الاقتصادي الذي يؤهلها لأن تكون المستهلك الرئيسي والشريك الدبلوماسي لكبار مصدّري الطاقة في الجنوب العالمي، ولا سيما دول الخليج، لكنها تفتقر إلى الامتداد البحري العسكري الذي يضمن عبور هذه الموارد بأمان عبر هرمز-ملقا- بحر الصين الجنوبي.

يمثّل هذا الممر البحري محلّ اهتمام متزايد فيما يتعلق بقدرات الولايات المتحدة على فرض اعتراض بحري محتمل، لا سيما في ضوء النهج البحري الأكثر حزماً الذي تتبناه إدارة ترامب تجاه الخصوم، كما يتضح من العمليات الأخيرة في شرق المحيط الهادئ ومنطقة الكاريبي ضد فنزويلا، وكذلك في مضيق هرمز ضد إيران.

وقد بدأت اضطرابات الطاقة الناجمة عن حصار هرمز تؤثر بالفعل في المشهد التنافسي الأوسع، من خلال تسريع الاستراتيجيات الوطنية الرامية إلى تحقيق السيادة في مجال الطاقة، حيث تعمل الصين بوتيرة متسارعة على توسيع احتياطياتها النفطية الاستراتيجية، وبموجب  خطتها الخمسية، تعزز بكين مخزونها من 900  مليون برميل إلى قرابة 1.4 مليار برميل، بما يغطي أكثر من 120 يوماً من الواردات، وذلك عبر إنشاء مواقع تخزين جديدة، يُحاط كثير منها بالسرية.

كما تستثمر الصين في خطوط أنابيب برية عبر آسيا الوسطى وروسيا، بهدف تقليص اعتمادها على المسارات البحرية، وفي هذا الإطار، يهدف خط أنابيب الغاز الطبيعي بين شرق روسيا والصين، المعروف باسم “قوة سيبيريا”، إلى جانب مشروع “قوة سيبيريا 2” المزمع إنشاؤه، إلى تعزيز الشراكة الطاقوية طويلة الأمد بين البلدين، مع قدرة نقل محتملة قد تصل إلى نحو 61 مليار متر مكعب سنوياً عند اكتمال المشروعات المرتبطة بهما.

وعلى النقيض من ذلك، تستفيد واشنطن من موقعها كمصدّر صافٍ للطاقة لتعزيز تحالفاتها، إذ تعرض النفط والغاز على شركاء مثل تايوان واليابان كتحوّط ضد أي اضطرابات قد تنشأ في الصين أو الشرق الأوسط، حيث أصبحت هذه الدبلوماسية الطاقوية أحد المكونات الأساسية للتنافس بين القوى الكبرى.

تستفيد واشنطن من موقعها كمصدّر صافٍ للطاقة لتعزيز تحالفاتها إذ تعرض النفط والغاز على شركاء مثل تايوان واليابان كتحوّط ضد أي اضطرابات قد تنشأ في الصين أو الشرق الأوسط حيث أصبحت هذه الدبلوماسية الطاقوية أحد المكونات الأساسية للتنافس بين القوى   

كما تُبرز الأزمة الدور المتزايد الذي تؤديه البنية التحتية البحرية في هذا التنافس، فاستثمار الصين في أسطول تجاري ضخم، مدعوماً بقاعدتها الصناعية الهائلة في بناء السفن وباستراتيجيتها القائمة على امتلاك وإدارة الموانئ، يعكس مسعىً لترسيخ نموذج الاندماج المدني-العسكري في المجال البحري.

ومن خلال السيطرة على موانئ تقع على امتداد الممرات البحرية الحيوية، تسعى بكين إلى بناء شبكة لوجستية قادرة على امتصاص صدمة أي حصار محتمل والتخفيف من تداعياته على تدفق التجارة والطاقة.

غير أن هذه الاستراتيجية واجهت انتكاسة كبيرة مطلع عام 2026، حين استخدمت واشنطن مبدأ مونرو واعتبارات الأمن القومي للضغط على بنما من أجل إلغاء امتيازات الموانئ الممنوحة لشركة “سي كي هاتشيسون”، ومقرها هونغ كونغ، حيث قضت في يناير 2026، المحكمة العليا في بنما بعدم دستورية تلك العقود وأعادت بوابات القناة على المحيطين الأطلسي والهادئ إلى سيطرة تجارية غير صينية.

وتكشف هذه الواقعة أن الولايات المتحدة مستعدة لاستخدام الأطر القانونية المحلية لتفكيك أجزاء من طريق الحرير البحري الصيني الذي تعمل بكين على بنائه، وبالنسبة لإدارة ترامب، فإن استعادة السيطرة على هذه العقد الاستراتيجية تمثل شرطاً مسبقاً لترسيخ الهيمنة الإقليمية، في إشارة إلى أن التكامل بين الأنشطة التجارية والمدنية والعسكرية من جانب الخصوم سيُقابل بإجراءات احتواء وإغلاق استراتيجية تقودها الدولة.

في المحصلة، سلّطت أزمة هرمز الضوء على سلسلة الجزر الأولى باعتبارها منطقة تحمل تشابهاً استراتيجياً كبيراً مع الشرق الأوسط، ولم يعد التنافس محصوراً في المقام الأول بالعجز التجاري أو نقل التكنولوجيا، بل بات يتمحور حول القدرة على التحكم في التدفق المادي لحركة الشحن العالمية.

وفي الوقت الذي تعمل فيه الصين على تضييق الفجوة بين نفوذها الاقتصادي وامتدادها العسكري، تعزز الولايات المتحدة قوتها البحرية لضمان بقاء بوابات سلسلة الجزر الأولى تحت سيطرتها الفعلية.

حاملة الطائرات الأمريكية “يو إس إس أبراهام لينكولن” في بحر العرب(أ ف ب)

وفي ضوء هذا التحول في مكانة الممرات البحرية، من شرايين للتجارة العالمية إلى أدوات للضغط الجيوسياسي، يبرز سيناريوهان محتملان قد يعيدان رسم خرائط النفوذ البحري وموازين القوة الدولية:

السيناريو الأول: إعادة توجيه كبرى لمسارات الملاحة

يستمر الحصار على مضيق هرمز من دون أي تسوية دبلوماسية تلوح في الأفق، بينما تواصل أسعار الطاقة ارتفاعها، ما يدفع الاقتصاد العالمي نحو ركود واسع تنكمش معه اقتصادات كبرى حول العالم، وفي خضم هذا المشهد، تخلص الصين وعدد من دول رابطة آسيان باستثناء سنغافورة التي تحافظ على تموضعها ضمن المعسكر الأمريكي إلى أن الاعتماد على الممرات البحرية الواقعة ضمن نطاق النفوذ الغربي بات يمثل مخاطرة استراتيجية لا يمكن تحملها.

وعقب قمة دبلوماسية، يُعلن عن إطلاق “مبادرة الممر الجنوبي”، وهي إطار تعاوني يهدف إلى إنشاء مسارات شحن بحرية بديلة تمر عبر مضيقي سوندا ولومبوك، وتحظى بحماية مشتركة من مرافقة بحرية صينية وتنسيق من خفر السواحل في دول آسيان، وبالتوازي مع ذلك، تتسارع الاستثمارات في البنية التحتية للموانئ الإندونيسية بتمويل صيني، في مسعى لتحويل هذه المسارات إلى شريان تجاري بديل وأكثر أمناً للطاقة والبضائع.

إلا أن امتناع سنغافورة عن الانضمام إلى المبادرة يقلّص من كفاءة هذا البديل، نظراً إلى أنها تمثل المركز الأبرز لإعادة الشحن والخدمات اللوجستية في المنطقة، بما تمتلكه من بنية تحتية متقدمة يصعب تعويضها، كما أن مضيقي سوندا ولومبوك لا يتمتعان بالعمق الملاحي، ولا بالاتساع، ولا بالمرافق الداعمة التي يوفرها مضيق ملقا، ما يعني أن تطويرهما إلى مستوى مماثل يتطلب استثمارات ضخمة وسنوات من البناء والتأهيل، وفوق ذلك، تواجه إندونيسيا ضغوطاً سياسية داخلية من قوى ترى أن توسيع الحضور البحري الصيني قد يفضي إلى ارتهان استراتيجي يصعب التراجع عنه.

السيناريو الثاني: حصار مضيق تايوان

تُقدم الصين على إطلاق عملية حصار حول تايوان في أعقاب أزمة سياسية تتعلق بالجزيرة، مدفوعةً بانشغال الولايات المتحدة بالحفاظ على الحصار المفروض على مضيق هرمز واستنزاف تركيزها العسكري في التزاماتها الشرق أوسطية، وسرعان ما يتصاعد الحصار عندما تبدأ بكين في إبعاد السفن التي ترفض الخضوع للتفتيش أو تلك التي تُصنَّف على أنها تحمل شحنات ذات صلة عسكرية.

وخلال أسابيع، تبدأ شركات الشحن التجاري بتجنب الموانئ التايوانية بفعل ارتفاع تكاليف التأمين وتزايد فترات التأخير، ما ينعكس سريعاً على الاقتصاد التايواني، كما تنخفض واردات الغاز الطبيعي المسال إلى تايوان بنسبة 40%، الأمر الذي يدفع السلطات إلى فرض تقنين طارئ للكهرباء لمواجهة أزمة طاقة متفاقمة.

وتدفع الصين بحجة قانونية وسياسية مفادها أنه، ما دامت الولايات المتحدة قد استخدمت الحصار البحري أداةً مشروعة من أدوات سياسة القوة في تعاملها مع إيران، فإن لبكين الحق ذاته في فرض إجراءات جمركية وأمنية داخل ما تعتبره مياهاً إقليمية تابعة لها بموجب سياسة “الصين الواحدة”، حيث يهدف هذا التأطير القانوني إلى خلق حالة من الغموض الدولي بشأن طبيعة الإجراءات الصينية، بما يسهم في تشتيت الموقف الدولي وتقسيم ردود الفعل حيالها، ولذلك، أنشأت الصين مناطق تفتيش عند طرفي مضيق تايوان.

لا تزال القوات البحرية الأمريكية في المنطقة تحتفظ بالقدرة على كسر الحصار، إلا أن القيام بذلك قد ينطوي على خطر مواجهة عسكرية مباشرة بين قوتين متكافئتين، وربما يشمل ذلك ضربات تستهدف منشآت داخل البرّ الرئيسي الصيني تدعم العملية، وفي المقابل، ستواجه اليابان وكوريا الجنوبية تداعيات اقتصادية فورية نتيجة اضطراب الملاحة في مضيق تايوان، ما قد يدفعهما إلى النظر في التدخل أو الانخراط بشكل أوسع في الأزمة.

في المحصلة، تشير أزمة هرمز إلى أن الممرات البحرية الحيوية لم تعد مجرد معابر سلبية ضمن نظام عالمي ليبرالي، بل أصبحت أدوات فاعلة في التنافس الاستراتيجي بين القوى الكبرى، مرشحة لأن تزداد أهميتها في السنوات المقبلة، ففي سياق التنافس الأمريكي-الصيني الأوسع، يرفع هذا التحول من احتمالات أن الأزمات المقبلة لن تبقى محصورة جغرافياً، بل قد تمتد وتتصاعد عبر شبكة مترابطة من المضائق والممرات البحرية، وبذلك، قد لا تكون أزمة هرمز سوى حلقة أولى في سلسلة تحولات كبرى، تتحول معها البنية التحتية التي شكّلت عصب العولمة في الماضي إلى ساحات تنافس وصراع في المستقبل.

تشير أزمة هرمز إلى أن الممرات البحرية الحيوية لم تعد مجرد معابر سلبية ضمن نظام عالمي ليبرالي بل أصبحت أدوات فاعلة في التنافس الاستراتيجي ومن المرجّح أن تزداد أهميتها