Eagle Intelligence Reports

حادثة مادورو تعيد تشكيل حسابات كوريا الشمالية

ايغل انتيلجنس ريبورتس • يناير 27, 2026 •

أدّى اعتقال القوات الخاصة الأمريكية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو إلى تغيير الحسابات الاستراتيجية لزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، إذ ألغى عملياً الحدَّ الفاصل بين تهديدات زمنَي الحرب والسّلم التي تمسّ بقاء النظام، حيث لم تعد القدرة النووية أداة تفاوض أو مساومة، بل أصبحت عنصراً جوهرياً لا غنى عنه بالنسبة لبيونغ يانغ لضمان استمرار النظام نفسه، كما أن هذا التحول في إدراك طبيعة التهديد يرفع من أهمية امتلاك قدرة موثوقة على توجيه ضربةٍ ثانية، لينقلها من كونها ورقة ضغط استراتيجية إلى متطلب وجودي، الأمر الذي يضيّق هامش الخيارات الاستراتيجية المتاحة أمام بيونغ يانغ.

واليوم، بعد تنفيذ عملية اعتقال مادورو، تتعزّز السردية الراسخة لدى كيم، والتي ترى أن الإمبريالية الأمريكية المعادية تسعى بلا شك إلى إسقاط نظامه، فمشهدُ زعيم وطنيّ معاد للولايات المتحدة يُنتزع من قصره ويُنقل جوًاً إلى نيويورك للمثول أمام القضاء الأمريكي، لا يُنظر إليه في بيونغ يانغ بوصفه حدثاً جيوسياسياً بعيداً، بل باعتباره دليلاً ملموساً على التهديد الوجودي الذي تمثّله واشنطن لأي نظام تعتبره غير منسجم مع مصالحها الاستراتيجية.

نظرت عائلة كيم تاريخياً إلى عمليات تغيير الأنظمة التي قادتها الولايات المتحدة، من ميلوشيفيتش إلى صدام حسين والقذافي، بوصفها دروساً تحذيرية لما قد يواجهه أي نظام معاد يفتقر إلى مظلة نووية موثوقة، غير أن العملية الفنزويلية تبرز على نحوٍ خاص، إذ جاءت في سياق تحوّل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من نهج الثنائية التبادلية إلى التدخلية، حيث أدانت بيونغ يانغ العملية ووصفتها بأنها عمل “استبدادي”، وردّت في اليوم التالي بإجراء اختبارات لصواريخ فرط صوتية، في مؤشرٍ على أن زعيم كوريا الشمالية فسّر عملية كراكاس بوصفها دليلاً إضافياً على أن بقاء النظام أصبح مرهوناً بتحصين وضع كوريا الشمالية كدولة نووية، وجعله غير قابل للتراجع أو الإلغاء.

فسّر كيم عملية كراكاس بوصفها دليلاً إضافياً على أن بقاء النظام أصبح مرهوناً بتحصين وضع كوريا الشمالية كدولة نووية وجعله غير قابلٍ للتراجع

كوريا الشمالية وبرنامجها النووي

يمثّل اختبار الصاروخ فرط الصوتي، الذي أُجري في غضون أربعٍ وعشرين ساعة من القبض على مادورو، تحوّلاً لافتاً في الرسائل الاستراتيجية لكوريا الشمالية، فرغم ترجيحاتٍ أشارت إلى أن الاختبار جاء على خلفية زيارة الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ إلى الصين، والتي كانت مقررة في اليوم نفسه، إلا أن تزامنه مع عملية اعتقال مادورو جعله يبدو بمثابة ردّ عسكري مباشر على الحادثة، ووفقاً لوكالة الأنباء المركزية الكورية، أشرف كيم جونغ أون شخصياً على الاختبار، واصفاً إياه بأنه مهمة تكنولوجية هامة وضرورية لمواجهة الأزمة الجيوسياسية الأخيرة، ولكن بعكس مادورو، الذي اعتمد نظامه على دفاعات تقليدية أثبتت محدوديتها أمام العمليات الخاصة الأمريكية، يوجّه كيم اليوم رسالة واضحة إلى واشنطن مفادها بأن أي محاولة لتنفيذ عملية مماثلة في كوريا الشمالية ستُواجه بعواقب وخيمة.

تندرج اختبارات الصواريخ ضمن نمط متواصل من الرسائل الكورية الشمالية المرتبطة بتطوير أسلحة متقدمة، شمل في أكتوبر الكشف عن صواريخ “هواسونغ-20” العاملة بالوقود الصلب، وفي ديسمبر الإعلان عن غواصة تعمل بالطاقة النووية بوزن يناهز 8,700 طن، فرغم استمرار الشكوك بشأن قدرة النظام على إدخال هذه الغواصة حيّز التشغيل الفعلي، إلا أن مجرد الكشف عنها يعكس نيةً استراتيجية واضحة لدى بيونغ يانغ لتعزيز قدراتها الردعية، إذ من شأن الغواصة العاملة بالطاقة النووية أن تمتلك مدى شبه غير محدود، فضلاً عن قدرة على البقاء مغمورة تحت الماء لفترات أطول بكثير.

وهذا يشير إلى أن كيم، من خلال الانتقال من الغواصات التقليدية إلى منصة تعمل بالطاقة النووية، يسعى إلى امتلاك قدرة أطول وأكثر موثوقية على توجيه ضربة ثانية، تهدف إلى إبطال المبدأ الأمريكي القائم على تحييد رأس القيادة عبر الاعتقال أو الاستهداف، فمن شأن هذا النهج أن يضمن استمرار وجود رادع نوويّ متنقّل وغاطس حتى في حال تحييد هيكل القيادة في بيونغ يانغ، أما بالنسبة لتحالف كوريا الجنوبية والولايات المتحدة، فإن هذا التطور يعقّد على نحو كبير عمليات المراقبة البحرية والتخطيط للضربات الاستباقية، إذ يوفّر منصة متحركة قادرة على إطلاق صواريخ كروز نووية بعيدة المدى من مواقع غير متوقعة، ما يشكّل تحدياً جوهرياً لاستراتيجية التحالف المعروفة باسم “سلسلة القتل” الخاصة بالضربات الاستباقية.

من جانب آخر، تزامنت اختبارات الرابع من يناير مع بدء الزيارة الرسمية لرئيس كوريا الجنوبية لي إلى بكين، ما طغى عملياً على جدول أعماله الدبلوماسي وأرسل رسالة مفادها بأن الدبلوماسية البراغماتية في سيؤول غير مجدية أمام القوة الصلبة لكوريا الشمالية، إذ يسعى كيم إلى دفع كوريا الجنوبية نحو الانفصال عن الصين، من خلال انتقاده لمشروع الغواصات النووية الذي وافقت عليه إدارة ترامب مؤخراً، كما يصوّر سيؤول كطرف عدواني تُبرّر أفعاله التوسّع النووي لبيونغ يانغ، حيث تهدف هذه الاستراتيجية، القائمة على “قلب الصورة” إلى خلق فجوة بين سيؤول وواشنطن، عبر الإيحاء بأن سعي كوريا الجنوبية للحصول على تقنيات بحرية متقدمة هو العامل الأساسي وراء عدم الاستقرار الإقليمي، كما تسلّط الضوء على ادعاءات بيونغ يانغ بالقدرات التي لم تمتلكها سيؤول بعد.

كيم يعتمد على استراتيجية قلب الصورة عبر الإيحاء بأن سيؤول تسعى إلى الحصول على تقنيات بحرية متقدمة تعد العامل الأساسي وراء عدم الاستقرار الإقليمي

الانعكاسات السياسية لكوريا الشمالية

تعمل هذه التطورات على تضييق نطاق الخيارات السياسية المتاحة أمام بيونغ يانغ قبيل انعقاد المؤتمر التاسع للحزب في أوائل عام 2026، فمن المتوقع أن يقوم المؤتمر بتقنين ما يُعرف بـ«الاستراتيجية البراغماتية القائمة على النووي»، التي تتجاوز خطاب الاكتفاء الذاتي لتؤسس لوضع دائم للدولة النووية، وعبر ذلك، ستُسهم هذه الخطوة في استكمال «المهام الخمس الكبرى» لخطة الأسلحة الاستراتيجية التي تم طرحها في المؤتمر الثامن للحزب في يناير 2021، والتي تشمل صواريخ بالستية عابرة للقارات تعمل بالوقود الصلب، وغواصات نووية، وصواريخ فرط صوتية.

على الصعيد الداخلي، تُقدّم حادثة مادورو مبرراً قوياً لاستمرار المعاناة الاقتصادية في بيونغ يانغ، إذ تُعزّز رواية النظام القائلة بأن الأسلحة النووية ليست أداة للمساومة، بل الضمانة النهائية التي تضمن ألا تواجه كوريا الشمالية مصير فنزويلا، كما تُؤكّد العملية الفنزويلية صحة قانون “سياسة القوة النووية” الذي أصدره كيم جونغ أون عام 2022، والذي يُجيز توجيه ضربات نووية استباقية في حال وجود تهديد وشيك يستهدف هيكل القيادة.

لكن من المرجح اليوم أن يكون المؤتمر الحزبي القادم منصة لكيم لترسيخ هذا الواقع الجديد بشكل مؤسسي، إذ سهّل التقارب بين بيونغ يانغ وموسكو بعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022 وصول كوريا الشمالية إلى تكنولوجيا أسلحة روسية متقدمة، وخفّف من القيود المفروضة على تطوير قدراتها الردعية، ونتيجة لذلك، من المتوقع أن تتحول العقيدة التي ستنبثق عن المؤتمر القادم بعيداً عن لغة “الاعتماد على الذات” (جوتشي) نحو توافق أكثر رسوخاً ضمن كتلة “الحرب الباردة الجديدة”، مع التركيز على تعزيز العلاقات مع روسيا والصين.

 علاقات كوريا الشمالية مع الصين وروسيا

لا يشبه المشهد الاستراتيجي الذي تواجهه بيونغ يانغ في عام 2026 إلى حد كبير الوضع الدبلوماسي لقمة هانوي عام 2019، ففي ذلك الوقت، وصل كيم إلى فيتنام كزعيم لدولة تعاني من عقوبات شديدة وعزلة دولية، أما اليوم، فيقدّم نفسه في المحافل الدبلوماسية كزعيم لقوة نووية، مدعوماً بشراكة استراتيجية شاملة مع موسكو وعلاقة مستقرة مع بكين، حيث غيّر هذا الدعم الخارجي الجديد حجم نفوذ كيم جذرياً؛ فهو لم يعد مستجداً يسعى إلى الحصول على تخفيف العقوبات من خلال التسوية، بل أصبح يستخدم انفتاح واشنطن على الحوار لتأمين الاعتراف بكوريا الشمالية كقوة نووية، والدفع في نهاية المطاف نحو تخلي الولايات المتحدة عن هدف نزع السلاح النووي لشبه الجزيرة كسياسة رسمية.

ضمن هذا السياق، يتمثل الواقع الاستراتيجي في عام 2026 بالنسبة لبيونغ يانغ في أن التحالف مع الصين وروسيا يوفر لها درعاً واقياً أمام الضغوط الأمريكية، حتى في ظل تزايد المخاوف بشأن اعتقال مادورو، حيث يبقى دور الصين في هذا الإطار بالغ الأهمية، إذ أعادت تقييم علاقتها مع بيونغ يانغ بالتزامن مع تعزيز تعاونها مع الآلة الحربية الروسية في أوكرانيا، علاوة على ذلك، أدت عملية اعتقال الزعيم في فنزويلا إلى تعديل حسابات بكين الأمنية، معززة مكانة كوريا الشمالية كدولة عازلة حيوية في مواجهة النفوذ الأمريكي، وبناءً على ذلك، ازداد الضغط على الوجود العسكري الأمريكي في سلسلة الجزر الأولى، في ظل استراتيجية بكين الكبرى لاستعادة تايوان بالقوة إن لزم الأمر، وتأمين مصالحها الإقليمية في بحر الصين الجنوبي.

وعلى النقيض من ذلك، يبقى مصير الحوار المتجدد مع ترامب غير واضح، فقد تدفع التوترات المتصاعدة والتهديدات المحتملة لأمن نظام كيم إلى بدء حوار مع واشنطن بهدف ثني الولايات المتحدة عن أي عمل عسكري تجاه كوريا الشمالية، ومع ذلك، تشير نظرية الردع إلى أن الشعور بالضعف أمام التهديدات المادية، على الأقل على المدى القصير، غالباً ما يؤدي إلى تعزيز القوة العسكرية للدولة.

ورغم تصريح كيم جونغ أون بأنه يحمل “ذكريات طيبة” من لقاءاته مع ترامب خلال الفترة بين 2018 و2019، إلا أنه اشترط الاعتراف بكوريا الشمالية كدولة نووية كشرط أساسي لأي حوار، وفي غياب هذا التحول، من غير المرجح أن يتغير موقف بيونغ يانغ قبل زيارة ترامب المقررة إلى الصين في أبريل، والتي قد تُتيح فرصة للحوار، وفقاً لتقييم جهاز المخابرات الوطنية الكوري الجنوبي.

اشترط كيم جونغ أون الاعتراف بكوريا الشمالية كدولة نووية كمطلب أساسي لأي حوار مع أمريكا

على المدى البعيد، يواجه نظام كيم مسارين متباينين، يحمل كل منهما تداعيات عميقة على ديناميكيات القوى الإقليمية، وفي هذا الإطار، يتجلى سيناريوهان محتملان:

السيناريو الأول: التصعيد النووي

في هذا السيناريو، يختار كيم تعظيم نفوذه من خلال إجراء تجربة نووية سابعة أو إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات فوق اليابان، لإثبات عبثية خطط الولايات المتحدة التي تستهدف رأس القيادة، مع مواصلة بيونغ يانغ تحقيق أهدافها في تطوير أنظمة أسلحة متقدمة.

تهدف استراتيجية التصعيد هذه إلى تحقيق تكافؤ غير متماثل، إذ تمكّن الغواصات النووية والصواريخ الباليستية العابرة للقارات العاملة بالوقود الصلب كيم من بناء قدرة موثوقة على “الضربة الثانية” تحول دون أي محاولة أمريكية لتغيير النظام، ورغم أن مثل هذه الضربة، التي قد تستهدف البرّ الأمريكي، ستفرض ثمناً باهظاً لا يمكن لواشنطن قبوله، إلا أنها تمثّل بالنسبة لكيم الخيار الاستراتيجي الوحيد القادر على ضمان السيادة في عصر لم تعد فيه الدفاعات التقليدية كافية لردع التدخل الأمريكي.

ومع ذلك، فإن التكاليف المرتبطة بهذا المسار التصعيدي تظل هيكلية واقتصادية في المقام الأول، إذ دفع الاستثمار المستمر في “الخطة الخمسية للدفاع الوطني” كوريا الشمالية إلى تبني اقتصاد حربي يعطي الأولوية للإنتاج الصناعي العسكري على حساب الاستهلاك المدني، كما أن تحويل المواد النادرة والمكونات عالية التقنية إلى برامج الصواريخ الفرط صوتية والغواصات قوّض فعلياً الاقتصاد الكوري الشمالي بشكل عام، حيث تخفف حسابات كيم الاستراتيجية من هذه التكاليف المحلية من خلال تعميق التقارب مع موسكو وبكين، ومن خلال هذه العلاقات، ضمنت بيونغ يانغ أيضاً شريان حياة من الطاقة والغذاء لا يتأثر بالعقوبات، ما يسمح للنظام بمواصلة برنامجه النووي رغم العزلة الغربية التامة.

وهنا تتسم صناعة القرار لدى كيم بدرجة عالية من تحمّل المخاطر، مستندة إلى تصور النظام الدولي باعتباره مسابقة للقوة، فبالنسبة له، فقد انتهى عصر ضبط النفس الأمريكي بعد الحرب الباردة، ليحل محله ما يُعرف بـ”الحرب الباردة الجديدة”، حيث تصبح الدول المسلحة نووياً هي الوحيدة التي لا تُمس، إذ يكمن هدفه في المؤتمر التاسع للحزب في ترسيخ هذا التقييم مؤسسياً، من خلال تضمين سياسة “الدولتين المعاديتين” ضمن قوانين الحزب، مع تعريف رسمي لكوريا الجنوبية ككيان عدائي منفصل.

وهذا يشير إلى أن بقاء النظام لم يعد مرتبطاً بمفهوم إعادة التوحيد أو الحوار، بل باستمرار الدرع النووي للنظام، وفي هذا المنظور، تكمن القوة ليس في الدبلوماسية، بل في القدرة على الرد الكارثي.

وبالتالي، يتطور مناخ الردع في شبه الجزيرة الكورية من الردع الاستراتيجي إلى الردع أثناء الحرب، مع التركيز على إدارة التصعيد، إلا أن نقطة ضعف كيم الرئيسية تكمن في عدم تكافؤ المعلومات الاستخباراتية، وعلاوة على ذلك، نجحت عملية كراكاس بفضل التتبع الدقيق والفوري، وهي نقطة ضعف حاول كيم معالجتها من خلال إعادة تنظيم حراسه الشخصيين واستبدال كبار مسؤولي الاستخبارات في أوائل عام 2026.

في هذا السياق، قد يتحول تفضيل سيؤول للانخراط إلى موقف استراتيجي أكثر حزماً، ما يسرّع من تحديث تحالف كوريا الجنوبية والولايات المتحدة، بما في ذلك تطوير غواصات نووية لكوريا الجنوبية وإمكانية تطوير أسلحة نووية، إذ سيُجبر هذا التحوّل التحالف على مواجهة الحقيقة بأن أنظمة الدفاع الصاروخي الحالية، مثل ثاد وباتريوت، غير فعّالة ضد المسارات الفرط صوتية غير التقليدية.

 أما الصين، فستنظر إلى هذا السيناريو بقلق متزايد؛ فرغم أن بكين قد تراجعت عن معارضتها لتسلح كوريا الشمالية نووياً لمواجهة النفوذ الأمريكي، فإن تصاعد القدرات النووية لكوريا الشمالية يهدد بإشعال سباق تسلح نووي مزعزع للاستقرار في شمال شرق آسيا، وهي نتيجة تسعى بكين بشدّة لتجنّبها.

تصاعد القدرات النووية لكوريا الشمالية يهدد بإشعال سباق تسلح نووي مزعزع للاستقرار في شمال شرق آسيا وهي نتيجة تسعى بكين بشدّة لتجنّبها

السيناريو الثاني، إمكانية الحوار:

هذا السيناريو يمثل التحوّل التكتيكي، حيث يستغل كيم المؤتمر التاسع للحزب الشيوعي الكوري لعرض اتفاق لتجميد العقوبات وتخفيفها، مستفيداً من وضعه النووي الجديد للمطالبة برفع العقوبات دون التخلي الكامل عن السلاح النووي، حيث يهدف هذا التحرك إلى تحويل المفاوضات نحو الحد من التسلح، مستغلاً أسلوب ترامب النفعي.

ترامب خلال لقاء كيم جونغ أون في كوريا عام 2019.

ومن المرجح أن يرحّب لي، زعيم كوريا الجنوبية، بذلك باعتباره فرصة مناسبة لانخراطه المنتظر مع بيونغ يانغ، ولهذا السيناريو سابقة؛ ففي عام 2018، سعى كيم إلى الحوار مع سيؤول وواشنطن في أعقاب تشديد العقوبات، وتصعيد التجارب النووية، وتفاقم المواجهة مع إدارة ترامب.

من الناحية الاستراتيجية، يتيح هذا الخيار لكيم الانتقال من دولة منبوذة إلى قوة نووية بحكم الواقع، مع معالجة المعوقات الاقتصادية الهيكلية، فمن خلال عرض وقف مؤقت لاختبارات إطلاق الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، أو وضع حد أقصى قابل للتحقق لإنتاج المواد الانشطارية في يونغبيون، يسعى كيم إلى تحويل الأهداف الدبلوماسية من نزع السلاح النووي إلى الحد من التسلح، ويدعم هذا النهج استراتيجية براغماتية قائمة على الأسلحة النووية، حيث تظل الأسلحة المتقدمة محور الردع، في حين يضمن الدعم المحدود الحصول على الطاقة والمواد اللازمة لدعم الرؤية الاقتصادية والعسكرية الجديدة التي سيناقشها المؤتمر التاسع للحزب.

 وهنا، تظل التكاليف المرتبطة بهذا التحوّل التكتيكي في المقام الأول أيديولوجية وجيوسياسية، فداخلياً، يتعين على كيم إدارة احتمال تراجع سردية “الدولتين المتناحرتين” التي بررت التوسع العسكري المفرط والتضحية برفاهية المدنيين، أما خارجياً، فهو يخاطر بإثارة غضب موسكو، التي تعتبر كوريا الشمالية حالياً شريكاً عسكرياً غير مقيد.

وعلى النقيض من ذلك، فإن إغفال استراتيجية الأمن القومي الأمريكي لعام 2025 لكوريا الشمالية بشكل كامل يؤكّد تحوّلاً في بيئة الردع بالنسبة لبيونغ يانغ، ومع ذلك، فقد ذكرت استراتيجية الأمن القومي التي وضعها ترامب عام 2017 بيونغ يانغ 16 مرة، واصفةً إياها بالتهديد المزعزع للاستقرار، حيث يشير هذا التوجّه إلى أن واشنطن تنظر الآن إلى كوريا الشمالية كأولوية ثانوية، تأتي بعد تركيزها الأوسع ضمن إطار “أمريكا أولاً” على المنافسة الاقتصادية مع الصين وإعادة ترسيخ هيمنتها في نصف الكرة الغربي.

ومع ذلك، قد تُبقي بيونغ يانغ الاعتبارات السياسية الداخلية على إمكانية الحوار، فمع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر 2026 وتراجع شعبية ترامب، يظل خيار استئناف الحوار مع كوريا الشمالية متاحاً كورقة ضغط في حال حدوث “مفاجأة أكتوبر”، لكسب تأييد الناخبين الأمريكيين، وحتى المحادثات المحدودة والرمزية مع كيم قد تُصوّر على أنها انتصار كبير في السياسة الخارجية، لا سيما في ضوء محاولات الإدارة السابقة الفاشلة.

أما من وجهة نظر كيم، فقد يُتيح اتفاق تجميد البرنامج النووي لترامب تحقيق نصر سياسي منخفض التكلفة، إذ يُستبدل فعليًا بوقف مؤقت للتطوير النووي مقابل الاعتراف الدولي الذي حُرمت منه كوريا الشمالية في قمة هانوي 2019، ورغم أن استراتيجية الأمن القومي الأمريكية قد أغفلت هذا الجانب، إلا أن القيمة السياسية لعقد قمة محتملة تجعل من كوريا الشمالية أداةً مركزية في السياسة الخارجية لإدارة ترامب.

 وهذا يشير إلى أن سيؤول قد تخشى من تقديم تنازلات أمنية على غرار «هانوي 2.0»، ما قد يحفّز تعزيزاً متسارعاً لقدراتها الدفاعية المستقلة، وفي المقابل، من المرجح أن تُقرّ الصين ضمنياً بخفض التصعيد، بهدف عرقلة المزيد من الانتشار الاستراتيجي الأمريكي في شمال شرق آسيا.

من المرجح أن تُقرّ الصين ضمنياً بخفض التصعيد بهدف عرقلة المزيد من الانتشار الاستراتيجي الأمريكي في شمال شرق آسيا

ولكن بعد القبض على مادورو، شددت بيونغ يانغ موقفها، ما قد يسرّع من تفاقم التصدعات في النظام الإقليمي، حيث يُهدد هذا التحوّل بتعزيز التحالف القائم على المصالح المتبادلة بين كوريا الشمالية والصين وروسيا، مع ترسيخ تنسيق ثلاثي أكثر عسكرة بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة واليابان.

كما يعتمد الاستقرار في ظل هذا الوضع على “توازن هش للإرهاب” بدلاً من التوافق الدائم، فمع تطور قدرات كوريا الشمالية في مجال الضربات البحرية والبعيدة المدى، قد تتراجع الثقة في الردع، وقد تسعى سيؤول وطوكيو إلى إبرام اتفاقية ثلاثية لتقاسم الأسلحة النووية مع الولايات المتحدة، سواء لاستبدال إطار الردع القائم في المنطقة أو لاستكماله.

بالمحصلة، إن ردّ كوريا الشمالية على اعتقال مادورو أزال أي غموض متبق بشأن الموقف الاستراتيجي لبيونغ يانغ، ووفق فهم كيم للنظام العالمي بعد الحرب الباردة، فإن الضعف والدفاع التقليدي يدعوان للتدخل، بينما يضمن الردع النووي منع التدخل بشكل دائم، وفي هذا المنظور، تُعد عملية كراكاس دليلاً على صحة هذا المفهوم.