في الأسبوع الماضي، سيطرت قوات مدعومة من السعودية على مدينة المكلا، وهي ميناء رئيسي وعاصمة محافظة حضرموت، وإلى جانب قيمتها العسكرية المباشرة في خضم الصراع المتصاعد على جنوب اليمن، يحمل هذا الميناء دلالة تاريخية أعمق، فقد جرى تمويل وبناء الميناء، بصورته الحديثة، من قبل دولة اليمن الجنوبي ضمن مشروع أوسع لدمج المناطق الشرقية في اقتصاد سياسي بحري موحّد، وبذلك يمثل تجسيداً مادياً عن استمرارية تشكّل الدولة الجنوبية، وهو تذكير بأن القضية الجنوبية ليست نتاج الحرب الراهنة، بل نتيجة صراع طويل الأمد حول الفاعلية السياسية وحق تقرير المصير.
لم تنشأ الأزمة الراهنة في جنوب اليمن عن فراغٍ قوى إقليمي، ولا يمكن اختزالها في كونها نتاجاً للتنافس بين فاعلين إقليميين، فالمجتمع اليمني ليس صفحةً بيضاء تُسقِط عليها القوى الخارجية تصورات وحدة منفصلة عن التاريخ، بل تعبّر هذه الأزمة عن صدع أعمق يتمثل في الإصرار المستمر على تجاهل الفوارق البنيوية بين الشمال والجنوب، وهما مجتمعان تشكّلا عبر مسارات اجتماعية وسياسية متباينة، والتعامل مع هذه الفوارق بوصفها مشكلات اختلالات ينبغي محوها، لا حقائق ينبغي إدارتها، لم يؤدِّ إلى حل الأزمة، بل عمّقها.
الأزمة الراهنة في جنوب اليمن لم تنشأ عن فراغٍ قوى إقليمي ولا يمكن اختزالها في كونها نتاجاً للتنافس بين فاعلين إقليميين، فالمجتمع اليمني ليس صفحةً بيضاء تُسقِط عليها القوى الخارجية تصورات وحدة منفصلة عن التاريخ
الدولة اليمنية الموحَّدة والفاعلة لا توجد اليوم إلا بوصفها فكرةً في الخطاب السياسي المعاصر، لا كحقيقة راسخة، فقد نشأ كلٌّ من شمال اليمن وجنوبه في ظل إرثين استعماريين طويلين الأمد: العثماني في الشمال، والبريطاني في الجنوب، ومع ذلك، وحتى بعد انسحاب البريطانيين في ستينيات القرن العشرين، واصل الكيانان تطورهما عبر مسارات اجتماعية وسياسية متباينة.
وتميّزت الجمهورية العربية اليمنية في الشمال ببراغماتية قبلية ذات طابع ديني، في تناقضٍ حاد مع جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية العلمانية، والتي كانت الدولة الماركسية-اللينينية الوحيدة في الشرق الأوسط، ورغم أن الحرب الباردة أثّرت في كليهما، إلا أن التطور الداخلي لكلٍّ منهما أفرز هياكل دولة مختلفة جذرياً، وترتيبات مؤسسية وثقافات سياسية مختلفة جذرياً.
ومع نهاية الحرب الباردة عام 1990، انهار جنوب اليمن، وتمت عملية الوحدة على افتراض أن الجغرافيا وحدها قادرة على التوفيق بين الفوارق المؤسسية والمادية لليمن ضمن إطار اجتماعي-سياسي واحد، هو جمهورية اليمن الحالية، وعندما فشل هذا المسار، لم يكن الرد مراجعةً سياسيةً أعمق، بل اللجوء إلى الإكراه، وهكذا توقفت القضية الجنوبية عن كونها مسألة تقاسمٍ تفاوضي للسلطة، لتتحول إلى قضية إخضاع وهيمنة.
وبقيت القضايا الجوهرية المتصلة بالشرعية، والإرادة السياسية، وموافقة الجنوبيين دون حل، فيما فُرض على الجنوب نموذجٌ للحكم لم يكن شريكاً في صياغته، وإن المحاولة الراهنة لبناء دولة يمنية واحدة في القرن الحادي والعشرين تكشف عمق التباعد بين الشمال والجنوب، وحدود مفهوم الوحدة كما جرى تطبيقه.
في هذا السياق، فإن المبالغة في دور التأثير الخارجي لا يفسر الأزمة، بل يخفي جذورها الحقيقية، فالدعم الخارجي، مهما بلغت أهميته، ليس المحرّك الأساسي للتطور الاجتماعي أو السياسي؛ إذ لا يمكنه أن يصنع ذاكرةً تاريخيةً مشتركة، أو يولّد شعوراً جماعياً بالهوية السياسية، فهذه لا تنشأ إلا عبر تراكم تجربة تاريخية طويلة، حيث تنشأ الأزمات العميقة حين يتم تجاهل أو أنكار حقائق الاختلاف البنيوي والتاريخي، ويطول أمدها عندما تُختزل المطالب المشروعة بالحقوق والفاعلية السياسية إلى مجرد تدخلات خارجية ومناورات جيوسياسية.

إن الادعاءات القائلة أن القضية الجنوبية ليست سوى نتاج دعم خارجي، إماراتياً اليوم أو سوفيتياً خلال الحرب الباردة، تتجاهل حقائق تاريخية لا يمكن إغفالها، فبعد انهيار السلطة العثمانية عام 1918، وُجد الشمال بوصفه نظاماً دينياً فضفاضاً يعتمد على التحالفات القبلية، وهو واقع استمر حتى بعد إعلان الضباط العسكريين قيام الجمهورية العربية اليمنية عام 1962، وقد أدى ضعف تغلغل الدولة، إلى جانب بنية زراعية معيشية ومحدودية التطور الصناعي، إلى نشوء مسار تحديث غير متكافئ ومتقطع.
وقيّدت القدرة الإدارية المحدودة للدولة إمكانية تطوير البنية التحتية والصناعة والخدمات الاجتماعية، لا سيما خارج المراكز الحضرية في صنعاء وتعز، ودفع هذا الوضع إلى هجرة العمالة اليمنية إلى دول المنطقة، ما خلق اعتماداً على التحويلات المالية لتغطية نفقات الاستهلاك، وساهمت هذه العوامل الاجتماعية والاقتصادية في بناء هيكل مالي ضعيف يعتمد بشكل أقل على الضرائب المنتظمة وأكثر على أنماط ريعية ووساطة قبلية.
في المقابل، تطوّر الجنوب عبر مسار اجتماعي وسياسي مختلف، فبحلول ستينيات القرن العشرين، كانت الإدارة الإمبراطورية البريطانية لعدن، التي امتدّت نحو قرن، قد شكّلت الجنوب حول أولويات العبور والشحن، بدلاً من الاعتماد على موارد الداخل ، ونشأ عن ذلك اقتصاد سياسي حضري مندمج في التجارة العالمية، ما أفرز مجتمعاً متمايزاً اجتماعياً ومؤسسياً، وتطوّرت سلطة الدولة استجابةً لمتطلبات النشاط التجاري، مما عزّز أنماط حكم موحدة وقدرات منتظمة على تقديم الخدمات، بدلاً من الاعتماد على المفاوضات القبلية المؤقتة.
بعد انسحاب البريطانيين عام 1967 في خضم حركة تمرد مناهضة للاستعمار، وسّعت الدولة الماركسية-اللينينية في الجنوب إرث الإدارة المركزية، والمواءمة القانونية، والتنمية الحضرية، وأعادت توظيفه، كما عملت على تعزيز قدرة الدولة من خلال حملات محو الأمية، وتوفير الرعاية الصحية العامة، وترسيخ جهاز بيروقراطي لا يشبه إلى حد كبير الوضع غير المتكافئ في تطوره، وعلى مدى ربع قرن، حوّل جنوب اليمن النظام الإداري الحضري الموروث من الحقبة الاستعمارية إلى مشروع ما بعد الاستعمار للتحديث الاجتماعي.
وقد أسهم الاقتصاد الساحلي القائم على التجارة، إلى جانب سلطة الدولة القوية، في تشكيل هوية سياسية راسخة تتسم بالتعددية الاجتماعية والتباين الطبقي، على الرغم من توجهها الماركسي-اللينيني، وقد ساهم هيكل الدولة الحزبية، الفريد من نوعه في المنطقة، في تنظيم الحكم وتأصيله مؤسسياً من خلال التعبئة الاجتماعية، ما رسّخ السلطة السياسية في المؤسسات المدنية، كما ساعدت ملكية الدولة في حماية القدرة الصناعية من تقلبات السوق، وجلبت التنمية والخدمات إلى المناطق الريفية التي أهملها البريطانيون تاريخياً، وقد أدى هذا المسار إلى ظهور جنوب يتميز بمستويات أعلى من التحضر، ومحو الأمية، والتطور المؤسسي.
مع نهاية الحرب الباردة وانهيار الجنوب في عام 1990، حاولت الوحدة اليمنية محو هذه الفوارق التاريخية بدل إدارتها، وتم فرض مسار الوحدة بقيادة الشمال رغم تعارضه الجوهري مع الحقائق الاجتماعية والسياسية، ورغم تقديم الوحدة رسمياً كشراكة، تمركزت السلطة سريعاً في صنعاء، التي أصبحت المركز السياسي والإداري للدولة الموحدة، وبدعم من المُقرضين الغربيين ووفقاً لبيئة ما بعد الحرب الباردة، فرض المركز الجديد إصلاحات سوقية شاملة، خلقت توترات حادة حول إعادة توزيع وخصخصة أصول الدولة الجنوبية.
مع نهاية الحرب الباردة وانهيار الجنوب في عام 1990 حاولت الوحدة اليمنية محو هذه الفوارق التاريخية بدل إدارتها وتم فرض مسار الوحدة بقيادة الشمال رغم تعارضه الجوهري مع الحقائق الاجتماعية والسياسية
وأدت التعديلات الهيكلية التي نفّذتها صنعاء إلى تقليص الخدمات الاجتماعية، وخفض الدعم، وتقليص الإنفاق العام، وتحت حكم الرئيس علي عبد الله صالح، تم تفكيك الجهاز الحكومي الجنوبي بشكل حاد، مع تهميش قيادته السياسية، وتوحيد اليمن عبر شبكات المحسوبية الشمالية بدلاً من مؤسسات دولة مستقرة، وسرّع هذا المسار من المنافسة بين النخب، وتفكك الجيش، وانهيار الإدارة.
عملياً، أخفت الوحدة التي قادها الشمال الانقسامات البنيوية غير المحلولة، ما أنتج تعايشاً هشاً مليئاً بالعنف السياسي والشلل المؤسسي، حيث سعت الوحدة إلى الاستيعاب لا الدمج.
وبرزت بعدها مطالب حق تقرير المصير الجنوبي في هذا السياق، ليس كردّ على الوحدة بحد ذاتها، بل كاستجابة لعملية وحدة تميّزت بالإقصاء السياسي والعسكري والاقتصادي المنهجي لمصالح الجنوب.
وأدى هذا الوضع، على نحو متوقع، إلى اندلاع الحرب الأهلية عام 1994، وقد صوّر صالح الصراع على أنه دفاع عن الوحدة، جامعاً بين السيطرة على مؤسسات الدولة والتحالفات التكتيكية مع ميليشيات قبلية لتحقيق النصر.
وعلى الصعيد الدولي فضّلت القوى الغربية ودول الخليج المجاورة سلامة الأراضي والاستقرار على حساب حق تقرير المصير، لا سيما في ظل هشاشة بيئة الدول ما بعد الحرب الباردة، وفي غضون ذلك، خسر الجنوب حليفه السوفييتي السابق، ودخل الحرب معزولًا، وهكذا، حُسمت القضية الجنوبية بالقوة لا بالتراضي.
أدى انتصار الشمال الحاسم إلى إغلاق أي إمكانية لشراكة متكافئة، وتحوّلت الوحدة من تفاوض سياسي إلى علاقة إخضاع، وهكذا، لم تعد قضية الجنوب مسألة إصلاح داخلي، بل أصبحت مسألة هيمنة.
لم يأتِ استيلاء الحوثيين على أجزاء واسعة من الشمال عام 2015 من فراغ، بل كان نتاجاً للخلل البنيوي أفرزته تسوية ما بعد الوحدة ، فالحوثيون ليسوا سبب هذا الاضطراب بعد عام 1994، بل هم أحد أعراضه، ويؤكد تمكّنهم في الشمال مدى إنهاك مشروع الوحدة الذي فُرض بعد الحرب الأهلية، وفي هذا السياق، ليس من المستغرب أن تكون حرب التحالف الذي تقوده السعودية ضد الحوثيين قد أثبتت عدم جدواها الاستراتيجية.
الحوثيون ليسوا سبب هذا الاضطراب بعد عام 1994 بل هم أحد أعراضه وتمكّنهم في الشمال يؤكد مدى نفاد مشروع الوحدة الذي فُرض بعد الحرب الأهلية
في هذا السياق، برزت مجدداً حركة تقرير المصير في الجنوب، لا بوصفها رد فعل انتهازياً على الحرب، بل كإحياء لمطلب سياسي طال قمعه، متجذر في تجربة تاريخية فريدة، حيث رأى كثيرون في الجنوب أن لحظتهم قد حانت، وهي فرصة نادرة لا يتيحها التاريخ كثيراً، غير أن الطموحات الجنوبية جرى مراراً تقويضها أو تصويرها على أنها مجرد نتاج لتأثير خارجي ، ويؤدي هذا التأطير وظيفة سياسية، إذ ينزع الشرعية عن مطالب تقرير المصير ، لكن الدعم الخارجي، إماراتياً كان أم غيره ، لم يخلق هذه المطالب التاريخية المتجذرة، بل واجهها كواقع قائم على الأرض.
من بين أكثر الحجج شيوعاً ضد حق اليمنيين الجنوبيين في تقرير مصيرهم، الافتراض القائل إن الدعم الخارجي خلال فترات الصراع يُفضي بالضرورة إلى تبعية طويلة الأمد بعد قيام الدولة، إلا أن هذا الافتراض لا يصمد أمام التدقيق في سجل التاريخ السياسي الحديث، فالدعم الخارجي غالباً ما يكون شرطاً للبقاء خلال المراحل الأولى، وليس مُحدداً لطبيعة الحكم بعد نيل السيادة، فالتحالفات التي تُبنى تحت ضغط البقاء تتغير عندما تنتقل الكيانات من منطق البقاء إلى منطق المصلحة الوطنية.
على سبيل المثال، اعتمدت إعادة بروز بولندا كدولة ذات سيادة بعد الحرب العالمية الأولى بشكل كبير على الدعم الفرنسي والأمريكي خلال صراعها مع الاتحاد السوفيتي الناشئ، ومع ذلك، بمجرد ترسيخ الاستقلال، انتهجت وارسو سياسات مستقلة، ورفضت الاندماج في أي مجال نفوذ دائم، وبالمثل، اعتمد كفاح الجزائر من أجل الاستقلال بعد الحرب على دعم خارجي كبير من مصر والكتلة السوفيتية في حربها ضد الإمبراطورية الفرنسية، ومع ذلك، لم يُترجم الاستقلال إلى تبعية طويلة الأمد، فقد حافظت الجزائر على استقلالها الاستراتيجي، بل واصطدمت مصالحها أحياناً نع مصالح حلفائها السابقين، وحتى الدعم السوفيتي والصيني الواسع لفيتنام خلال نضالهاالذي دام عقوداً ضد القوات الفرنسية والأمريكية لم تيحدد السياسة الفيتنامية في مرحلة ما بعد الحرب، كما لا يزال التوتر في العلاقات الصينية الفيتنامية شاهداً على ذلك.
في هذه الحالات، كان الدعم الخارجي شرطاً مؤقتاً لبقاء الدولة، لا قيداً دائماً على سيادتها، إذ يجب التمييز بين تحالفات التأسيس والمصلحة الوطنية بعد الاستقلال، ومن الواضح أنه من غير الواقعي تصور نظام دولي يخلو من اهتمام القوى الإقليمية بنجاح أو فشل الحركات السياسية في محيطها، لكن مجرد وجود هذا الاهتمام لا يجعلها السبب الأساسي.
لقد نشأت حركات سياسية كثيرة بدعم خارجي ، ثم أعادت تموضعها بعد نيل السيادة ، فالسيادة هنا لا تُعرَّف بالتحالفات أو الدعم خلال مراحل الضعف أو النضال المبكر، بل بالقدرة على إعادة تعريف تلك العلاقات بشكل مستقل بمجرد ترسيخ السلطة، حتى لو أدى إلى صدام مع الداعمين السابقين عندما تتباعد المصالح.
تُعدّ سوريا مثالاً معاصراً يُبيّن بوضوح أن الدعم الخارجي لمشروع سياسي لا يُحدّد بالضرورة توجهات السياسة بعد انتهاء النزاع، فعندما تولّت القيادة الجديدة السلطة بعد سقوط الأسد، توقّع العديد من المراقبين أن يظل النظام الجديد مُقيّداً بمصالح تركيا، الداعم الخارجي الرئيسي لها خلال النزاع، إلا أنه في غضون عام واحد، تبيّن خطأ هذا التوقّع، فقد أجرت السلطات الجديدة مراجعة شاملة للأوضاع، بل وأعادت فتح ملفات كانت تُعتبر من المحرّمات لفترة طويلة، مثل ملفّ الانخراط مع إسرائيل بهدف إرساء علاقة أكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ بين إسرائيل وسوريا.
من هذا المنظور، فإن الادعاء بأن جنوب اليمن المستقل سيكون بالضرورة خاضعاً للداعمين الخارجيين لا يعكس تحليلاً دقيقاً، بل يعكس استدلالاً انتقائياً، فهو حكم مسبق يسلب الجنوبيين القدرة السياسية قبل أن تتاح لهم فرصة ممارستها، وفي ظل مثل هذه الظروف، فإن إنكار حق تقرير المصير بدعوى الخوف من التبعية يعادل، في جوهره، إنكار حق السيادة ذاته.
في كثير من الخطاب السياسي العربي، يُنظر إلى الاختلاف بوصفه تهديداً، حتى عندما ينشأ من واقع اجتماعي، ونتيجة لذلك، يُرفض أي تعبير عن الخصوصية الجنوبية باعتباره دعوة ضمنية لتفكيك الدولة اليمنية، غير أن التجربة تشير إلى العكس تماماً، فليس الاعتراف بالاختلاف هو و ما يولّد عدم الاستقرار، بل إنكاره، والحقيقة أن جنوب وشمال اليمن تطوّرا في سياقات اجتماعية وسياسية مختلفة وطويلة الأمد، وهذا لا يعني تفوق أحدهما على الآخر؛ بل يعكس ببساطة وجود مسارين تنمويين مختلفين، فالدول المستقرة لا تُبنى على إنكار الواقع المادي، بل على إدارة الاختلاف من خلال عقد اجتماعي تفاوضي ومرن.
علاوة على ذلك، لم يقتصر ضرر فرض الوحدة بعد عام 1990، والذي بلغ ذروته في الحرب الأهلية عام 1994، على الجنوب وحده، بل أضاع الشمال أيضاً فرصةً ثمينة، فبدلاً من الاستفادة من إرث نموذجين تنمويين وإداريين مختلفين، دفعت الوحدة الشمال والجنوب إلى صراعٍ لا رابح فيه: مركزٌ مهيمنٌ وهامشٌ مقاوم، وكانت النتيجة تبديد فرص التقدم والازدهار لكلا الجانبين، باسم وحدةٍ شكليةٍ لم تعد قائمةً على أرض الواقع.
يتجلى الخلل في التفكير الإقليمي والدولي بوضوح في كيفية التعامل مع الأزمة اليمنية اليوم، فعلى الرغم من محدودية قاعدتهم الشعبية وسلوكهم المزعزع للاستقرار الإقليمي، يُنظر إلى سلطات الحوثيين في الشمال على نطاق واسع كواقع سياسي لا بد من التعايش معه، وفي المقابل، يُحرم الجنوب، على الرغم من وجوده الجغرافي، وإرثه الإداري، ودعمه الشعبي، وتماسك مطالبه السياسية، حتى من فرصة طرح مسألة تقرير المصير.
وبدلاً من ذلك، يواجه الجنوب مطالب غير واقعية لا تُفرض على أي فاعل آخر: إذ يجب أن يتمتع بإجماع كامل، ونقاء سياسي مطلق، وعزل تام عن أي دعم خارجي، وهذه ليست معايير مستمدة من القانون الدولي، بل هي أدوات للعرقلة، وهي تقوم على تمييز ضمني: فالحوثيون يُنظر إليهم كواقع لا يعيد رسم الحدود السياسية، بينما تجبر المطالب الجنوبية على إعادة النظر في الدولة نفسها وهو نتيجة تخشاها القوى الإقليمية والدولية أكثر من الفوضى المُدارة.
الحوثيون يُنظر إليهم كواقع لا يعيد رسم الحدود السياسية بينما تجبر المطالب الجنوبية على إعادة النظر في الدولة نفسها وهو نتيجة تخشاها القوى الإقليمية والدولية أكثر من الفوضى المُدارة
لا ينشأ هذا التفاوت بمعزل عن سياق أوسع ، بل يعكس منطقاً أوسع نطاقاً أعيدت شرعنته على المستوى الدولي: عودة مفهوم مناطق النفوذ، وقد أسهمت الولايات المتحدة، القوة المهيمنة في النظام الدولي، في إعادة إضفاء الشرعية على مفهوم “الحديقة الخلفية”، لا سيما في نهجها تجاه أمريكا اللاتينية منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.
وفي حالة فنزويلا، لا يمثل الموقف الأمريكي دفاعاً محايداً عن الديمقراطية، بل هو إحياء صريح لمبدأ مونرو ومنطقه القائم على مناطق النفوذ، إذ تقرر واشنطن من يُسمح له بالحكم ومن لا يُسمح له بذلك في محيطها، وإذا ما انحرفت السياسات الداخلية للدول المجاورة عن مصالحها كقوة عظمى، فإن الولايات المتحدة تفرض عليها عزلة دبلوماسية، وعقوبات مالية تستغل قوة الدولار، والآن تدخلاً عسكرياً مباشراً للقبض على رئيس دولة أجنبية.
وعندما تتبنى قوة مهيمنة هذا المنطق علناً، فإنها تفقد أي أساس أخلاقي موثوق لمنع الآخرين من تطبيقه، فإذا اعتبرت واشنطن محيطها الإقليمي مجال نفوذ مشروعاً لها، يصبح من الصعب بشكل متزايد إنكار هذا الحق على القوى الإقليمية الأخرى، وفي هذا السياق، فإن إنكار حق تقرير المصير لا يُعد دفاعاً عن النظام الدولي، بل هو تعبير عن تناقضاته.

يكمن جوهر الاعتراضات على حق تقرير المصير في جنوب اليمن في منطق الدولة الكبيرة التي تتعامل مع محيطها كامتداد لمجال أمنها القومي، وتُستدعى الجغرافيا بوصفها قدراً محتوماً، وكأن القرب وحده يمنح الوصاية الدائمة، إلا أن الجغرافيا ليست قدراً ، ولا تلغي الحقوق السياسية، فلو كان الأمر كذلك، لما نشأت دول جديدة، ولما تغيرت الخرائط، ولما تطورت الأنظمة السياسية عبر تغير الظروف المادية والتنمية، لذلك فإن جعل الجغرافيا مانعاً لحق تقرير المصير ليس ضماناً للاستقرار، بل هو إضفاء شرعية على حق الأقوى في تحديد مستقبل الأضعف.
إن السماح لشعب ما بتحديد مستقبله السياسي لا يُشكل، في حد ذاته، تهديداً للأمن القومي للدول المجاورة، فالتأثير عبر الحدود حقيقة لا يمكن إنكارها، لكن رفض تقرير المصير من حيث المبدأ يعكس منطقاً صفرياً ينكر إمكانية التعايش المُدار ، فالعلاقات الأمنية الحقيقية تُبنى على إدارة التغيير والاختلاف، لا على محاولات قمعهما بمنطق النفوذ والنفوذ المضاد.
من هذا المنظور، تستطيع الدول القوية وضع ترتيبات سياسية وأمنية تحمي حدودها دون إنكار حق شعب آخر في رسم مستقبله، وفي الواقع، حافظت دول عديدة على أمنها وسلامة أراضيها لعقود طويلة رغم وجودها على حدود نزاعات قائمة أو حالات عدم استقرار مستمرة على جبهات متعددة، دون دعم أي رعاية أطراف أو فرض نتائج سياسية خارج حدودها.
لذا، فإن قضية الجنوب ليست مسألة تكتيكية تُحسم من قِبل القوى الإقليمية، بل هي مسألة تتعلق بحق شعب ذي تجربة تاريخية متميزة وعميقة الجذور في تقرير مصيره السياسي، فالأزمة الراهنة في جنوب اليمن لها جذور بنيوية في إنكار الاختلاف الذي أعقب الحرب الباردة، وما تلاه من قمع، فهي ليست حالة طارئة انتهازية أو مؤقتة تُدار من قِبل جهات خارجية، فلم تحافظ الوحدة المفروضة بالقوة على اليمن في الماضي، ولن تفعل ذلك في المستقبل، وإذا ما طُمست الاختلافات الهيكلية والتاريخية مرة أخرى بدلاً من إدارتها، فإن آفاق التنمية والازدهار في كل من الشمال والجنوب ستُهدر.
قضية الجنوب ليست مسألة تكتيكية تُحسم من قِبل القوى الإقليمية بل مسألة تتعلق بحق شعب ذي تجربة تاريخية متميزة وعميقة الجذور في تقرير مصيره السياسي
بالمحصلة، إن الاعتراف بالاختلاف وفتح مسار قانوني ديمقراطي يُمكّن الجنوبيين من التعبير عن إرادتهم لا يُشكل تهديداً للاستقرار، وسواء أدى ذلك إلى صيغة أفضل للوحدة أو إلى كيانين مستقلين، فهو خطوة ضرورية، فالاستقرار القائم على الرضا دائماً ما يكون أكثر ديمومة من الوحدة المفروضة بالقوة.
في المقابل، فإن الاستمرار في إدارة المنطقة وفقاً لمنطق القدر الجغرافي ومناطق النفوذ، والتمسك بالاعتقاد بأن القضية الجنوبية مُفتعلة من الخارج، لن يؤدي إلا إلى تأجيل الأزمة وتعميق عواقبها المحتملة.