تجسد المرحلة الأولى من الحملة الأمريكية الإسرائيلية، التي استمرت لثلاثة أيام، عقيدة القوة الجوية الغربية الحديثة، من التدمير السريع لأنظمة القيادة للخصم، والدفاعات الجوية، وبنية الإطلاق، لتحقيق التفوق العملياتي.
ومع ذلك، رغم نجاحها الأولي، يظل مسار الحملة مرتبطاً بمدى الاستدامة، فإذا تجاوزت معدلات الاستهلاك قدرة التعويض، فقد يتراجع الإيقاع العملياتي، محوّلاً الحملة من تدمير سريع إلى حرب استنزاف مكلفة وصعبة سياسياً، تختبر القدرة الصناعية الدفاعية وصبر الشركاء، ولكن مع تمدد العملية، سيحدد كل من التوازن المادي والجدوى الاستراتيجية المسارات التي قد تتشكل لاحقاً.
مسار الحملة على إيران مرتبطاً بالاستدامةفإذا تجاوزت معدلات الاستهلاك قدرة التعويض فقد تتراجع العمليات محوّلة الحملة من تدمير سريع إلى حرب استنزاف
خلال المرحلة الأولى، أطلقت إيران أكثر من 500 صاروخ ونحو 1,000 طائرة مسيرة من نوع “شهيد” على إسرائيل، والمنشآت الأمريكية، والبنية التحتية للشركاء في الخليج، ورداً على ذلك، استخدمت الولايات المتحدة وإسرائيل نحو 3,000 ذخيرة موجهة بدقة لأغراض هجومية، ونحو 1,000 صاروخ اعتراضي في الدفاع الجوي ضد التهديدات الإيرانية الواردة.
كما استهدفت سلسلة الضربات الأولية مجمعات القيادة، ونقاط القيادة والسيطرة، وأنظمة الدفاع الجوي المتكاملة، ومرافق إنتاج وإطلاق الصواريخ، والأصول البحرية، بالإضافة إلى البنية التحتية الرئيسية للحرس الثوري الإيراني، حيث يعكس هذا المنطق تصميماً تشغيلياً كلاسيكياً يقوم على شل القدرة على اتخاذ القرار، وكبح قدرة الرد، وتهيئة الأجواء المواتية قبل الانتقال إلى أهداف استراتيجية أوسع.
وعلى النقيض من ذلك، كان استهداف القيادات ونقاط القيادة يهدف إلى تعطيل التنسيق العسكري، وهو تأثير أقر به كبار القادة الإيرانيون، حيث سعت عمليات قتل خمسين مسؤولاً إيرانياً رفيع المستوى، بما في ذلك المرشد الأعلى، إلى تقويض التزامن المركزي لإطلاق الصواريخ، وتوجيه الدفاعات الجوية، وتفعيل القوى بالوكالة.
ولكن، رغم أن الضربات أحدثت حالة من الارتباك، إلا أن الرد الإيراني لا يزال مستمراً، مع تواصل إطلاق الصواريخ بالتزامن مع دفعات من طائرات “شهيد” المسيرة لإرهاق الدفاعات الجوية للتحالف، وفي الوقت نفسه، شنت ميليشيات حزب الله في لبنان ضربات صاروخية ضد أهداف إسرائيلية، ما يدل على استعدادها لتوسيع نطاق الحرب، ورداً على ذلك، أسفرت الضربات الإسرائيلية في لبنان عن مقتل عشرات الأشخاص.
وهذا يشير إلى أن إضعاف القيادة الإيرانية يخلق فرصاً لتحييد منصات إطلاق الصواريخ، ما يؤثر على ديناميكيات التصعيد من خلال الحد من قدرة إيران على إغراق دفاعات الحلفاء، وفي الوقت نفسه، مكّنت الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على منظومات الرادار وبطاريات الصواريخ أرض-جو من تحقيق التفوق الجوي، بشكل سمح لمنصات مثل طائرات هيرون تي بي وMQ-9 بالعمل بأقل قدر من المخاطر.

بالنظر إلى المخاطر الاقتصادية والسياسية الأوسع نطاقاً للضربات الإيرانية، تُعدّ منصات إطلاق الصواريخ أولوية مركزية، فالعقيدة الانتقامية لإيران تقوم على قدرتها على شن وابل كثيف من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز، مدعومة بطائرات مسيّرة، بهدف إلحاق أضرار رمزية واستنزاف مخزونات الدفاع الجوي للحلفاء.
العقيدة الانتقامية لإيران تقوم على قدرتها على شن وابل كثيف من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز مدعومة بطائرات مسيّرة
إلى ذلك، أثبتت الحملة الجوية الأمريكية-الإسرائيلية بشكل صحيح أن منصات الإطلاق، وليس المخزونات فحسب، تمثل مركز ثقل عملياتي حاسم، فمن خلال استهداف المنصات المتنقلة، والبنية التحتية الصاروخية الثابتة، ومستودعات الطائرات المسيّرة في وقت مبكر، تقوّض الحملة بشكل مباشر قدرة إيران على فرض تكاليف انتقامية مستدامة عبر استهداف المنشآت والبنية التحتية المدنية في جميع أنحاء الخليج.
كما تم تدمير ما لا يقل عن إحدى عشرة سفينة حربية إيرانية، حيث تعتمد القوات البحرية الإيرانية على عمليات منع غير متكافئة في مضيق هرمز، مستخدمة زوارق هجومية سريعة، وألغاماً، وصواريخ مضادة للسفن، إذ يؤدي تحييد هذه الأصول مبكراً إلى تقليل احتمالية وقوع هجمات بحرية، والحد من قدرة طهران على تعطيل تدفقات الطاقة الحيوية، علماً بأن 20 % من النفط والغاز العالميين يمر عبر هذا المضيق الاستراتيجي.
وعلى النقيض من ذلك، يبدو أن التكامل العملياتي بين القوات الأمريكية والإسرائيلية قائم على قدرات مكملة لبعضها البعض، حيث تسهم إسرائيل بالمعلومات الاستخباراتية، والإيقاع السريع للضربات، وهندسة دفاع جوي كثيفة ومتعددة الطبقات، بينما توفر الولايات المتحدة منصات ضرب بعيدة المدى، والطيران البحري من حاملات الطائرات، واختراقاً عميقاً للاستخبارات والمراقبة والاستطلاع (ISR)، والتزود الجوي بالوقود، وتعزيز الدفاع الجوي الإقليمي، وهذا يشير إلى أن هذا التكامل يعمل على تعظيم قدرة توليد الطلعات الجوية، وتوزيع المخاطر العملياتية، وإجبار إيران على تشتيت هجماتها.
التكامل بين إسرائيل وأمريكا يعمل على تعظيم قدرة توليد الطلعات الجوية وتوزيع المخاطر العملياتية وإجبار إيران على تشتيت هجماتها
كما يبدو أن الوتيرة العملياتية العالية خلال الساعات الـ72 الأولى صُممت لغاية كبح القدرات الاستراتيجية الإيرانية، حيث تتمثل المسألة الأساسية في المرحلة المقبلة فيما إذا كان بالإمكان الحفاظ على هذه الوتيرة أو زيادتها، وهناك بالفعل مخاوف تتعلق بالذخائر، حيث أشار أعلى قائد عسكري أمريكي إلى وجود قيود في المخزونات للحرب مع إيران، وحذر المحللون من أن مخزونات الدفاع الجوي قد تكون عرضة للخطر.
تخضع الحملات الجوية عالية الكثافة في النهاية لقيود الاستدامة، وخصوصاً القدرة على تلبية احتياجات الإمدادات اللازمة للطلعات القتالية، وتتمثل المسألة المركزية بالنسبة للتحالف الأمريكي-الإسرائيلي فيما إذا كان بإمكانه الحفاظ على وتيرة العمليات لفترة أطول ما تستطيع إيران الحفاظ على الرد.
أما بالنسبة للحملة، فإن استهلاك الذخائر يمثل العامل المحدد الأساسي، فالذخائر الموجهة بدقة، وصواريخ كروز بعيدة المدى، والصواريخ المضادة للرادار تُستهلك بسرعة خلال ضربات كبح الدفاعات الجوية، وبينما يتيح الطيران المعتمد على حاملات الطائرات توليد معدلات طلعات مرتفعة لفترات محدودة، تعتمد العمليات طويلة المدى على الدعم المستمر، ودورات الصيانة الممكن إدارتها، وتجديد الذخائر في الوقت المناسب.
اليوم، يُعدّ التزود بالوقود جواً واستمرارية عمليات الاستطلاع والمراقبة (ISR) عنصرين أساسيين إضافيين لتمكين الحملة، فالضربات العميقة المستمرة من مجموعات حاملات الطائرات أو القواعد الأمريكية تتطلب وجود طائرات التزود بالوقود في مدارات مستمرة لدعم عمليات المقاتلات التي تحتاج إلى “جسر” للتنقل بين القواعد والأهداف، ومن شأن زيادة ملحوظة في نشر طائرات التزود بالوقود أن تمكّن الطائرات من التناوب لإجراء الصيانة اللازمة، ما يشير إلى الاستعداد لعمليات طويلة الأمد بدلاً من مرحلة قمع قصيرة.
بالإضافة إلى ذلك، تُعدّ استمرارية عمليات الاستطلاع والمراقبة (ISR) حاسمة، لأنها توفر التتبع، والاستهداف، وتقييم أضرار المعركة للضربات على منصات إطلاق الصواريخ المتنقلة ومراكز القيادة المنتشرة، حيث تستلزم هذه العمليات معلومات استخباراتية مكثفة، وتُشكّل ضغطاً كبيراً على الأنظمة غير المأهولة، والأقمار الاصطناعية، وطائرات الاستطلاع، لذلك، يمكن أن تشكّل محدودية توفر هذه العمليات عائقاً غير معلن أمام سير العمليات.
على الجانب الدفاعي، يُعدّ استهلاك صواريخ الاعتراض في الدفاع الجوي المؤشر الأساسي للاستدامة، فالبنية الدفاعية متعددة الطبقات لإسرائيل، بما في ذلك القبة الحديدية، وصواريخ ديفيد سلينغ، وصواريخ السهم، تظل قادرة جداً، لكنها محدودة الموارد، إذ تؤدي دفعات الإطلاق المكثفة إلى جهد المخزون، والضغط على دورات إعادة التحميل، وعمق المخازن، بالإضافة إلى قدرة القاعدة الصناعية الدفاعية على تجديد هذه الصواريخ.
تنطبق القيود نفسها على الولايات المتحدة وشركائها في الخليج، الذين يعتمدون على مخزونات محدودة من صواريخ الاعتراض الباهظة الثمن مثل باتريوت وثاد، ومن الصعب استبدال هذه المخزونات، إذ تفتقر القاعدة الصناعية الدفاعية الغربية إلى القدرة على زيادة الإنتاج بشكل كبير، ويُذكر أنها قادرة فقط على مضاعفة إنتاجها المعتاد ثلاث مرات خلال الفترات الحرجة.
وبالتالي، تفرض موجات الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية المتكررة ضغطاً مالياً ولوجستياً شديداً، إذ تؤدي حتى الحملات الاعتراضية الناجحة إلى تآكل المخزونات الدفاعية الحيوية عبر التحالف، وفي مثل هذا السيناريو، تُقيّد الفجوة الكبيرة بين تكلفة صواريخ الاعتراض وتكلفة المقذوفات الإيرانية بشكل حاد استدامة العمليات على المدى الطويل.
تُقيّد الفجوة الكبيرة بين تكلفة صواريخ الاعتراض لأمريكا وحلفائها وتكلفة المقذوفات الإيرانية بشكل حاد استدامة العمليات على المدى الطويل
كما تلعب مرونة المجتمع المدني دوراً مهماً في استدامة العمليات، فمن المتوقع أن تؤدي الضربات الصاروخية المتكررة على البيئات الحضرية المكشوفة في دول الخليج إلى اضطرابات داخلية وضغوط سياسية على الحكومات لتقييد قواعدها ودعمها للعمليات الأمريكية، خصوصاً إذا تصاعدت الخسائر المدنية.
بالفعل، رفضت إسبانيا السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدها العسكرية المشتركة، مثل قواعد روتا ومورون، في ضربات ضد إيران، وهو موقف أثار خلافاً دبلوماسياً ومخاوف من تداعيات سياسية واقتصادية أوسع.
يعتمد نموذج التحمل الإيراني على منطق مختلف، فهو لا يحتاج إلى تحييد القوات الجوية الأمريكية والإسرائيلية بالكامل، بل يكفيه الاحتفاظ بقدرة انتقامية كافية لفرض تكاليف وإرباك تماسك التحالف، وحتى مع تدمير القوات الأمريكية-الإسرائيلية نحو 50% من مخزونات منصات الإطلاق الإيرانية، ما زال هناك ما يُقدّر بـ250 منصة إطلاق ونحو 2,000 صاروخ متبقية، مما يمكّن طهران من الحفاظ على دفعات متقطعة لكنها مستمرة من الهجمات.
بالإضافة إلى ذلك، تُضيف الجماعات الموالية لإيران، مثل حزب الله، والحوثيين، والميليشيات العراقية، والخلايا النائمة الإرهابية المحتملة في العواصم الأجنبية، تهديداً منتشراً يمكن أن يصعّد الوضع أفقيًا مع الحد الأدنى من التنسيق.
تؤدي هذه الديناميكيات إلى تفاوت في وتيرة الصراع وشدته ونطاقه، إذ ينفق الجانب الأمريكي-الإسرائيلي ذخائر دقيقة باهظة الثمن، بينما تُطلق إيران طائرات مسيّرة وصواريخ أقل تكلفة نسبياً، ويمكن إنتاجها بمعدلات أعلى، وكلما طالت العملية، ازدادت الضغوط غير المتكافئة على التكاليف، ما يؤثر سلباً على قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على الصمود.

مع حلول اليوم السادس من العمليات، يبدو أن الحملة تقترب من نقطة تحول استراتيجية، ثمة مساران محتملان للعمليات:
المسار الأول هو نموذج القمع السريع: تطبيق حاسم لقوة ساحقة، وهو النهج الذي فضله ترامب، والذي يعد بتوجيه ضربة موجعة لإيران، ويتطلب هذا المسار للنصر السريع استمرار الضربات عالية الوتيرة، بهدف تدمير جميع منصات الإطلاق المتبقية، وتحيد الدفاعات الجوية، وتدمير مرافق إنتاج وتخزين الطائرات المسيرة، وتقويض البنية التحتية النووية الإيرانية لإجبار طهران على الاستسلام.
أما المسار الثاني الأكثر ترجيحاً، فيتضمن حملة استنزاف مُدارة طويلة الأمد مع ضبط التصعيد، خاصةً إذا لم تندلع ثورة شعبية لتحدي النظام الثيوقراطي، وتتميز هذه الحملة بموجات ضربات مُعايرة، مقيدة بأنماط إعادة التموين التي تُحدث فترات توقف عملياتية، حيث تهدف إلى الحفاظ على التفوق العسكري مع تجنب حرب إقليمية أوسع نطاقاً.
تشكل ديناميكيات التصعيد التي تتجاوز المعركة الجوية والصاروخية الحالية أيضاً جزءاً من أولويات الاستهداف، فاستهداف الأصول البحرية الإيرانية يقلل من خطر استهداف ناقلات النفط والغاز ويحد من اضطرابات الطاقة الأوسع، بينما يحدّ التركيز على منصات إطلاق الصواريخ من دفعات الرد الإيراني، وقد يشير تجنّب ضربات واسعة للبنية التحتية المدنية إلى أهداف محدودة، في حين أن التحول نحو استهداف أجهزة الأمن الداخلي قد يدل على السعي لتحقيق أهداف أوسع تتعلق بتحويل النظام.
بالتالي، ستكون وضعية إنهاء العمليات المؤشر الأكثر وضوحاً، فتجهيزات مثل تعبئة الاحتياطيات، ونشر حاملات طائرات إضافية، وتوسيع قواعد التزود الجوي، أو نشر القوات البرية الأمامية مثل فرقة المشاة 82 و101 المظلية في المنطقة، تشير إلى الاستعداد لصراع طويل الأمد.
كما يشير تصريح الرئيس ترامب الأخير بعدم استبعاد استخدام القوات البرية الأمريكية في إيران إلى إمكانية تصعيد كبير، ومع ذلك، فإن طبيعة الحملة الجوية الجارية توحي بأن واشنطن تتخذ موقفاً من أجل ضربة حاسمة تنهي الصراع، وليس انخراطاً مطوّلاً ومستمراً.
من المرجح أن يحدّ تقبّل الشركاء الإقليميين من العمليات متوسطة وطويلة الأجل، فرغم متانة الدفاعات الجوية الإسرائيلية، إلا أن الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة المطوّلة تزيد من التكاليف الاقتصادية والسياسية.
وقد تتغاضى دول الخليج عن هجمات محدودة، لكن الأضرار المستمرة التي تلحق بمناطقها المدنية أو بنيتها التحتية للطاقة قد تُغيّر سريعاً استعدادها لاستضافة قوات التحالف أو منحها حقوق التحليق، لذا، فإن قدرة التحالف على الصمود لا تعتمد فقط على مخزونات الذخائر، بل أيضًا على مستويات مرونة الشركاء غير المتوقعة.
قد تتغاضى دول الخليج عن هجمات محدودة لكن الأضرار المستمرة التي تلحق بمناطقها أو بنيتها التحتية قد تُغيّر سريعاً استعدادها لاستضافة قوات التحالف
في الوقت الراهن، يتوافق التسلسل الأولي للحملة مع استراتيجية القمع السريع، وسيعتمد تصعيد هذه الاستراتيجية أو تحولها إلى استنزاف مُدار في نهاية المطاف على استدامة ذخائر التحالف والإرادة السياسية.
وبالمحصلة، ستكشف المرحلة العملياتية التالية ما إذا كان التحالف يمتلك المخزون والمعلومات الاستخباراتية اللازمة لإنهاء الصراع بسرعة، أو ما إذا كان عليه التحول إلى إدارة مواجهة مطولة قد تستدعي نشر القوات البرية الأمريكية.