Eagle Intelligence Reports

السيادة الموزعة في سوريا بعد الأسد

ايغل انتيلجنس ريبورتس • فبراير 24, 2026 •

رحيل الأسد غيّر خريطة القيادة في سوريا، لكنه لم يُفضِ إلى استقرار أو إلى إعادة بناء الدولة بصورة متماسكة؛ إذ أصبح الانقسام السياسي جزءاً من واقع البلاد، فسوريا لا تمر بتحوّل سياسي تقليدي ناجم عن فشل القيادة أو الإطاحة بها من الخارج، بل تتجه نحو بيئة ما بعد النظام وقبل الدولة، تتسم بسلطة متنازع عليها، وترتيبات حكم غير متكافئة، وهشاشة اقتصادية، وتأثير خارجي متعدد الطبقات.

ولم تتحقق التوقعات التي ربطت انهيار النظام بالتحول السريع نحو الديمقراطية أو باستعادة الاستبداد المركزي؛ وبدلاً من ذلك، تتجه البلاد نحو توازن أكثر تعقيداً، يتميز بسلطة موزعة وعدم استقرارٍ متفاوضٍ عليه.

لا تعكس هذه البيئة مجرد غياب القيادة المركزية، بل تجسد إعادة توزيع للسلطة عبر مناطق إقليمية تسيطر عليها ميليشيات وإدارات محلية وشبكات اقتصادية وفاعلون مدعومون من الخارج، حيث باتت السلطة تتوزع على نحو متزايد، وتعتمد على السيطرة الأمنية المحلية، بينما يميل الاستقرار إلى أن يكون محلياً وتكتيكياً أكثر منه مؤسساتياً، كما تستمر مظاهر الحكم في عدة مناطق من دون سيادة كاملة؛ إذ توجد مظاهر للأمن من دون قيادة موحدة، في حين تظل الشرعية السياسية منقسمة بين هياكل متنافسة.

باتت السلطة في سوريا تتوزع على نحو متزايد وتعتمد على السيطرة الأمنية المحلية بينما يميل الاستقرار إلى أن يكون محلياً وتكتيكياً أكثر منه مؤسساتياً

اليوم، يتجلى هذا التغيير الهيكلي بوضوح في أنماط السلطة المتغيرة داخل سوريا، إذ أصبح تشتت الحكم السمة المميزة لمرحلة ما بعد الأسد، وفي هذا السياق، لا يكمن السؤال الرئيسي فيما إذا كانت سوريا ستعيد بناء سلطة مركزية بسرعة، بل في المدة التي يمكن أن يستمر فيها الحكم المتشتت كنظام سياسي فعّال، وكيف ستوازن الجهات الفاعلة الخارجية نفوذها من دون تحمّل مسؤولية تحقيق الاستقرار، وتحت أي ظروف قد يتصاعد عدم الاستقرار المحلي إلى مواجهة إقليمية أوسع؟.

غير أنّ فهم مسار سوريا يقتضي دراسة كيفية تفاعل قيود الحكم والضغوط الاقتصادية واستقلالية الميليشيات والتنافس الجيوسياسي عبر الزمن، فبدلاً من دفع البلاد نحو تحوّل سياسي واضح، تعمل هذه الديناميكيات، على نحو متزايد، على تكريس نظام يتسم بالصمود والقدرة على التكيف وعدم الاستقرار المتفاوض عليه.

سلطة مقسمة وحكم هجين

وسط كل هذه الاعتبارات، تبقى ترتيبات الحكم في مرحلة ما بعد الأسد مؤقتة، وغير متكافئة جغرافياً، ومحط نزاع سياسي، وبصورة أكثر تحديداً، تُمارَس السلطة عبر طيف متنوع من الجهات الفاعلة، يشمل هيئات إدارية انتقالية في دمشق، وهياكل يقودها الأكراد مرتبطة بقوات سوريا الديمقراطية في الشمال الشرقي، وسلطات معارضة مدعومة من تركيا في أجزاء من شمال البلاد، إضافةً إلى عدد من الميليشيات المحلية المتجذّرة.

من الناحية العملية، تتجلى السلطة عبر مناطق حكم محددة بدلاً من إطار وطني موحد، وتشمل هذه المناطق هياكل مرتبطة بالإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا وقوات سوريا الديمقراطية في محافظات مثل الحسكة وأجزاء من الرقة ودير الزور؛ وإدارات موالية للجيش الوطني السوري المدعوم من تركيا في المناطق الشمالية، بما في ذلك عفرين وجرابلس؛ إضافةً إلى ترتيبات سلطة يجري التفاوض عليها محلياً في المناطق الجنوبية مثل درعا، حيث تدعم الشبكات القبلية وفصائل المعارضة السابقة والجهات الفاعلة المتبقية المرتبطة بالدولة أنماط حكم هجينة.

وتكشف هذه الجهات مجتمعة عن ظهور أنظمة سلطة متباينة، لا يتحدد تأثيرها بالسيطرة المركزية للدولة بقدر ما يتحدد بقدرتها على توفير الأمن، والحصول على الرعاية الخارجية، وتعزيز المرونة الاقتصادية المحلية.

ورغم احتفاظ هذه الجهات بدرجات متفاوتة من السيطرة الإدارية، إلا أنها غالباً ما تستمد شرعيتها من ضمانات أمنية، أو آليات للبقاء الاقتصادي، أو من رعاية خارجية يقدمها فاعلون مثل تركيا وإيران وروسيا والولايات المتحدة، أكثر ما تستمدها من سلطة مؤسسية بحد ذاتها، وبينما يواصل الحكم أداء وظائفه على مستوى تشغيلي أساسي، موفّراً إدارة محلية وأمناً في عدة مناطق، فإن هذه الترتيبات لا تتحول إلى توطيد سياسي دائم أو إلى سلطة وطنية متماسكة.

بدلاً من أن تمثل فراغاً بسيطاً، أخذت سوريا تقترب تدريجياً من نمط حكم متعدد الطبقات، تعمل فيه المجالس المحلية جنباً إلى جنب مع شبكات الميليشيات والوسطاء القبليين والفاعلين الاقتصاديين والجهات الأمنية المدعومة خارجياً، ويزيد انتشار السلطة من تعقيد عملية التوحيد السياسي، فيما يحافظ في الوقت نفسه على قدر من الاستقرار المحلي المحدود، رغم غياب سلطة مركزية جامعة.

تُجسّد المناطق الخاضعة للإدارة الكردية، ولا سيما أجزاء من شمال شرق سوريا مثل الحسكة والرقة وأجزاء من دير الزور، هذه التعقيدات الهيكلية بوضوح، فامتلاكها قدرة مؤسسية نسبية أكبر، وهياكل أمنية أكثر تنظيماً، مرتبطة إلى حدّ كبير بقوات سوريا الديمقراطية والإدارات المدنية التابعة لها، يمنحها نفوذاً في المفاوضات المتعلقة بالتكوين السياسي المستقبلي لسوريا.

ومع ذلك، فإن القضايا المتعلقة بالحكم الذاتي، ودمج هذه المناطق مع هياكل الحكم المركزية، والحساسيات الجيوسياسية الإقليمية الأوسع، تمنع التوصل إلى تسوية نهائية، حيث يُفسّر ذلك بأن الغموض يوفر استقراراً قصير المدى عبر تأجيل المواجهة، إلا أنه، مع مرور الوقت، يُهدّد بتحويل الانقسام إلى حالة سياسية دائمة بدلاً من أن يكون مرحلة انتقالية.

وهذا يشير إلى أن التشتت الإداري يسهم في تشكيل مفهوم الشرعية السياسية داخل سوريا، فمع وجود سلطات متعددة توفر الأمن والخدمات والدعم الاقتصادي في مناطق مختلفة، تتشكل لدى السكان ولاءات سياسية محلية متزايدة بدلاً من هوية سياسية وطنية مشتركة، كما تؤدي الإدارات المتنافسة والميليشيات والهياكل المدعومة خارجياً إلى توليد مطالب متداخلة للتمثيل والحكم، غالباً مع إعطاء الأولوية للاستقرار وتقديم الخدمات الفورية على حساب الاتساق المؤسسي.

مع وجود سلطات متعددة توفر الأمن والخدمات والدعم في مناطق مختلفة، تتشكل لدى السكان ولاءات سياسية محلية متزايدة بدلاً من هوية وطنية مشتركة

مع مرور الوقت، قد تُحوّل هذه الديناميكيات توقعات السكان بعيداً عن سلطة الدولة المركزية نحو ترتيبات حكم محلية أكثر، ما قد يعقد الجهود المستقبلية لإعادة بناء مؤسسات وطنية موحدة وتوطيد سلطة الدولة.

كما تظل متانة هذه الترتيبات الهجينة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالظروف الاقتصادية، التي تعمل في الوقت نفسه على دعم الاستقلالية المحلية وتقييد فرص التوحيد السياسي

الانهيار الاقتصادي كقيد هيكلي

تظل الهشاشة الاقتصادية محوراً أساسياً في مسار سوريا السياسي، إذ تقلّص الاقتصاد السوري بشكل حاد منذ اندلاع النزاع، وتشير التقديرات إلى أن الناتج المحلي الإجمالي انخفض بنحو النصف مقارنة بمستوياته قبل الحرب، في حين تُقدّر احتياجات إعادة الإعمار بمئات المليارات من الدولارات.

 وتواصل هذه الضغوط الهيكلية، التي تتفاقم بسبب تدهور البنية التحتية، وعدم استقرار العملة، وانقطاع شبكات التجارة، ونقص التمويل لإعادة الإعمار، والقيود المرتبطة بالعقوبات، تقويض فرص التعافي المؤسسي، حيث يؤثر ذلك ليس فقط على مستويات المعيشة، بل على السلطة السياسية، والديناميكيات الأمنية، والاستقرار الإقليمي الأوسع.

وعلى النقيض من ذلك، تعمل الصعوبات الاقتصادية في الوقت نفسه على ترسيخ هياكل السلطة المحلية وزيادة مخاطر عدم الاستقرار على المدى الطويل، فالمجموعات المسلحة غالباً ما تسيطر على الأصول الاقتصادية والمعابر الحدودية وشبكات التهريب ومصادر الإيرادات المحلية، ما يخلق أنظمة اقتصادية موازية تقلّل الحوافز للاندماج في الحكم المركزي، وتوفر هذه الترتيبات صموداً قصير المدى، لكنها في الوقت نفسه تعزز الانقسام السياسي.

من جانب آخر، يؤثر التراجع المادي على تصورات الشرعية السياسية، فاستمرار المعاناة يقوض الثقة في ترتيبات الحكم، وقد يغذي الاحتجاجات المحلية حتى في ظل ظروف أمنية مستقرة نسبياً، ومن ثم، يصبح انعدام الأمن الاقتصادي عاملاً يرسخ سلطة الفاعلين المحليين في الوقت نفسه الذي يضعف فيه التماسك السياسي على نطاق أوسع، حيث تعمل هذه الضغوط الداخلية بدورها على تشكيل نهج الفاعلين الخارجيين تجاه إعادة الإعمار والاستقرار بشكل متزايد.

أما بالنسبة للجهات الخارجية المعنية، فإن هذا يشكّل معضلة مستمرة، فتمويل إعادة الإعمار قد يدعم الاستقرار، لكنه يُخاطر بإضفاء الشرعية على ترتيبات سياسية غير مكتملة وإعادة توزيع النفوذ بين الجهات الفاعلة المتنافسة.

في المقابل، يؤدي الامتناع عن إعادة الإعمار إلى استمرار الضائقة الاقتصادية، التي تُغذي عدم الاستقرار، وضغوط الهجرة، والنشاط الاقتصادي غير المشروع، مع ما يترتب على ذلك من آثار إقليمية غير مباشرة.

نتيجة لذلك، يظل التعافي الاقتصادي في سوريا مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالحسابات الجيوسياسية الأوسع، فالتدخل الانتقائي من القوى الخارجية يقيد عمليات إعادة الإعمار في الوقت نفسه الذي يمنع فيه الانهيار الاقتصادي الكامل، ما يعزز نمطاً من الاستقرار الجزئي دون تحقيق توطيد سياسي شامل، حيث تمتد هذه الديناميكية إلى ما هو أبعد من المجال الاقتصادي، لتعكس نمطاً أوسع من التأثير الخارجي عبر المشهدين السياسي والأمني في سوريا.

يظل التعافي الاقتصادي في سوريا مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالحسابات الجيوسياسية الأوسع

 التأثير المُدار    

يعمل الفاعلون الخارجيون اليوم ضمن إطار من القيود الهيكلية المشتركة، إذ لا يبدو أن أياً منهم مستعد لتمويل إعادة الإعمار أو لتحمل المسؤولية السياسية الشاملة لحكم سوريا، ومع ذلك، يحتفظ العديد منهم بالقدرة والحافز لعرقلة النتائج التي يعتبرونها غير مقبولة استراتيجياً، ما أسفر عن توازن مدار خارجياً يتميز بالتأثير دون امتلاك كامل لمسؤولية الاستقرار، إذ يعطي الفاعلون الأولوية لاحتواء المخاطر، واستخدام النفوذ الانتقائي، والتموضع الاستراتيجي، بدلاً من السعي إلى تسوية سياسية حاسمة.

وبالتالي، لا يزال المشهد السياسي المتطور في سوريا يتشكل بفعل أشكال متباينة من التدخل الخارجي، فبينما تشترك الجهات الفاعلة في مصلحة منع التصعيد الخارج عن السيطرة أو الانهيار النظامي، تتباين أولوياتها وعتبات المخاطر وأدوات نفوذها، ما يخلق بيئة جيوسياسية تقيد الاستقرار وفي الوقت نفسه تدعم هياكل السلطة المجزأة.

في هذا السياق، تواصل روسيا إعطاء الأولوية للوصول الاستراتيجي، والحضور الجيوسياسي، والقدرة على ممارسة النفوذ الدبلوماسي، كما يظل الحفاظ على البنية التحتية العسكرية والمصداقية الإقليمية محور موقف موسكو، ومع ذلك، تحدّ القيود المادية والانخراطات الاستراتيجية المتنافسة من قدرة روسيا على الاستثمار المستدام اقتصادياً أو عسكرياً، ويعكس نهجها بشكل متزايد سعيها للحفاظ على النفوذ بتكلفة يمكن التحكم فيها، بدلاً من قيادة جهود الاستقرار.

الولايات المتحدة، رغم عملها وفق أولويات مختلفة، تتبنى نهجاً حذراً مشابهاً، فهي تحافظ على وجود انتقائي يركز على مكافحة الإرهاب، والردع الإقليمي، ومنع ترسخ الفاعلين المعادين، كما تحتفظ بنفوذها من خلال سياسة العقوبات، والتموضع العسكري، والتنسيق الدبلوماسي، لكنها تظهر رغبة محدودة في الانخراط السياسي العميق، حيث يساهم هذا الموقف المرتكز على الاحتواء في التخفيف من المخاطر الفورية، بينما تظل الأسئلة الأوسع المتعلقة بالحكم بلا حل.

على صعيد أخر، يواجه الفاعلون الإقليميون انكشافاً مباشراً على عدم الاستقرار السوري، ما يُشكّل مجموعة متميزة من الحسابات السياسية، حيث تبقى تركيا منخرطة بعمق نظراُ لمخاوف أمن الحدود، وضغوط اللاجئين، والديناميكيات السياسية الكردية، وطموحات النفوذ الإقليمي، كما تجمع أنقرة بين الوجود العسكري، والمشاركة الاقتصادية، والتفاوض السياسي، إلا أن القيود الاقتصادية الداخلية وتغير الأولويات الإقليمية تحدّ من رغبتها في اتباع استراتيجيات استقرار شاملة.

وعلى النقيض من ذلك، يعكس انخراط إيران استمرارية في السياسات إلى جانب تزايد القيود، حيث تبقى سوريا مهمة استراتيجياً بالنسبة لطهران من حيث الربط الإقليمي وشبكات الردع، إلا أن الضغوط الاقتصادية والتنافس الإقليمي تحدّ من قدرتها على توسيع نفوذها بشكل كبير، ويزداد تركيز السياسة الإيرانية على الحفاظ على الشبكات القائمة بدلاً من السعي للتوسع فيها.

بعيدًا عن هؤلاء الفاعلين الرئيسيين، تشكّل مجموعة أوسع من الجهات تأثيراً على بيئة سوريا بطرق غير مباشرة، لكنها ذات أثر كبير، حيث تستكشف دول الخليج، لا سيما المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، الانخراط الدبلوماسي والاقتصادي بحذر، مدفوعة أساساً باعتبارات الاستقرار العملية أكثر من الانحياز الأيديولوجي.

كما تؤثر جهات خارجية أخرى على المشهد السوري بشكل رئيسي عبر إدارة الأمن أو التموضع الاقتصادي، فإسرائيل تظل فاعلاً يركز على الأمن، مع إعطاء الأولوية للردع واحتواء التمركز العسكري الإيراني، بينما تعمل الجهات الأوروبية بشكل أساسي من خلال المساعدات الإنسانية، ونظم العقوبات، وإدارة الهجرة، والانخراط الدبلوماسي، حيث تمثل الصين فاعلاً اقتصادياً محتملًا على المدى الطويل، لكنها تتسم بالحذر، مفضلة استقرار المنطقة قبل الانخراط الأعمق.

يؤدي هذا الوضع، الذي يُدار خارجياً ولكنه غير مكتمل، إلى خلق حالة من عدم الاستقرار الهيكلي، حيث يستمر النفوذ الخارجي دون تحمل المسؤولية الكاملة، ما يزيد من احتمالية تحول التوترات المحلية إلى مخاطر أمنية أوسع، إذ تتجلى هذه الديناميكيات بوضوح في أنماط التصعيد التي لا تزال تُشكل المشهد الأمني المجزأ في سوريا.

الوضع السوري الذي يُدار خارجياً يؤدي إلى خلق حالة من عدم الاستقرار الهيكلي حيث يستمر النفوذ الخارجي دون تحمل المسؤولية الكاملة

 ديناميكيات التصعيد والمخاطر  

في ظل هذه المعطيات، يُؤدي تشتت السلطة إلى مخاطر تصعيد مستمرة، فقد تتصاعد الاشتباكات المحلية بين الميليشيات والقوات المدعومة من الخارج في غياب رقابة سياسية واضحة، حتى في حال عدم سعي أي طرف إلى مواجهة أوسع، حيث تُهيئ شبكات الميليشيات المتداخلة، وهياكل القيادة غير المتكافئة، والجهات الراعية الخارجية المتنافسة، والترتيبات الإقليمية غير المحسومة، بيئةً يمكن أن تتصاعد فيها الحوادث المحلية بشكل غير متوقع.

هنا، توضح نقاط التوتر هذه الديناميكية بوضوح، فمناطق الاحتكاك بين القوات المعارضة المدعومة من تركيا والقوات الديمقراطية السورية التي يقودها الأكراد في شمال سوريا تولد بشكل دوري مواجهات محلية وإشارات انتقامية، وبالمثل، تعكس عمليات الردع الإسرائيلية التي تستهدف البنية التحتية العسكرية المرتبطة بإيران في جنوب وغرب سوريا نمطاً متكرراً آخر من التصعيد، خصوصاً في المناطق التي تسعى فيها الشبكات الموالية لطهران للحفاظ على وجود لوجستي.

أما في شرق سوريا، فقد شهدت المناطق الواقعة على طول ممر العبور بين العراق وسوريا توترات تاريخية تشمل شبكات الميليشيات وقوات التحالف والفاعلين المسلحين المحليين، ما يخلق مسارات تصعيد إضافية تتشكل بفعل غموض المسؤولية وضيق أطر الزمن للرد.

تتقاطع هذه الديناميكيات مع النشاط المتطرف المتبقي، فرغم ضعف هذا النشاط بشكل كبير مقارنة بمراحل النزاع السابقة، إلا أنه يساهم في استمرار حالة عدم الاستقرار المزمن، ويعقد التنسيق الأمني بين الفاعلين المحليين والخارجيين، كما يستمر في تقديم مبرر لبقاء الوجود العسكري الأجنبي في سوريا.

تظل الديناميكيات الحدودية حساسة بشكل خاص في هذا السياق، فالتفاعلات بين تركيا، وإسرائيل، والفاعلين الموالين لإيران، والقوات الكردية، والميليشيات المحلية تخلق مسارات تصعيد متعددة، خصوصاً في المناطق التي تظل فيها الحدود التشغيلية محل نزاع، ويزيد غموض تحديد المسؤولية، وضيق أطر الزمن لاتخاذ القرار، وتداخل مواقع الردع، من احتمال وقوع سوء تقدير، حتى عندما لا يكون التصعيد مقصوداً استراتيجياً.

ومن المهم هنا الإشارة إلى أن مخاطر التصعيد غالباً ما تنشأ عن ضغوط تراكمية، وليس عن قرارات استراتيجية مقصودة، فالتدهور الاقتصادي، والتنافس بين الميليشيات، والإشارات الجيوسياسية يمكن أن تتفاعل بطرق تضغط على آليات الفصل غير الرسمية القائمة، وتسارع ديناميكيات الأزمة بما يتجاوز قدرة السيطرة السياسية.

تشير هذه الديناميكيات مجتمعةً إلى أن مسار سوريا من المرجح أن يتطور عبر أنماط متغيرة من الصمود أو التذبذب أو التصعيد المتقطع، بدلاً من انتقال خطي واحد نحو الاستقرار أو التوطيد، وهذا ما يجعل من الضروري دراسة المسارات الهيكلية التي يمكن من خلالها إدارة عدم الاستقرار، أو إطالته، أو تكثيفه بمرور الوقت.

تشير الديناميكيات مجتمعةً إلى أن مسار سوريا من المرجح أن يتطور عبر أنماط متغيرة من الصمود أو التذبذب أو التصعيد المتقطع

 المسارات الهيكلية والإنذار المبكر

يتضمن مسار التفكك المُدار، استقراراً نسبياً لمناطق الحكم المحلي، وتنسيقاً غير رسمي بين الجهات الخارجية الفاعلة، وانتعاشاً اقتصادياً تدريجياً وإن كان متفاوتاً، وتشمل المؤشرات المبكرة على هذا المسار الالتزام المستمر بوقف إطلاق النار، والتطبيع الاقتصادي التدريجي، واستقرار مواقع الجهات الخارجية الفاعلة.

يعكس مسار الجمود المزمن استمرار ضعف الحكم، وتراجع الأداء الاقتصادي، وظهور حالات عدم استقرار محلية متكررة دون تصعيد كبير، حيث تشمل مؤشرات هذا المسار استمرار استقلالية الميليشيات، وتوقف تمويل إعادة الإعمار، ووقوع حوادث أمنية عرضية دون انهيار نظامي شامل.

وقد ينشأ مسار التصعيد إذا تفاقمت الضغوط الاقتصادية، أو ازداد التنافس بين الميليشيات، أو تغيرت الديناميكيات الجيوسياسية الخارجية، حيث تشمل مؤشرات هذا المسار انهيار ترتيبات الفصل بين الأطراف، وتصاعد الحوادث عبر الحدود، أو تدهور اقتصادي كبير.

كل هذه المسارات تتسم بالمرونة وليست حصرية، إذ قد تنتقل سوريا بينها تبعاً للضغوط الداخلية، والديناميكيات الإقليمية، والحسابات المتغيرة للجهات الفاعلة الخارجية، حيث يُعدّ فهم هذه المرونة أمراً بالغ الأهمية للتقييم التحليلي، ولصياغة استجابات سياسية خارجية واقعية.

في ظل هذا النطاق من المسارات المحتملة، يشير التوازن الحالي للحوافز إلى أن النظام السياسي المنقسم في سوريا من المرجح أن يستمر، بدلاً من أن يتحول سريعاً نحو إعادة التكامل السياسي، وسيواصل الفاعلون الخارجيون إعطاء الأولوية للنفوذ دون تحمل مسؤولية الاستقرار، بينما تظل هياكل الحكم المحلية معتمدة اقتصادياً ومؤسسياً على ترتيبات السلطة المحلية.

وفي مجمل هذه الديناميكيات، يتضح أن الانقسام أصبح يعكس بشكل متزايد توازناً سياسياً تكيفياً، وليس مجرد اضطراب ما بعد النزاع، ومن المرجح أن تتطلب أي عملية توطيد كبيرة إما دعماً خارجياً مستمراً، أو تحولاً جوهرياً في ديناميكيات الأمن الإقليمي، وهو ما لا يبدو وشيكاً في الوقت الحالي.

مركبة قتال مدرعة أمريكية تسير على طريق سريع خارج مدينة القامشلي في شمال شرق سوريا (أ ف ب)
التداعيات السياسية والاعتبارات الاستراتيجية

في ظل هذا السياق، تزداد حاجة سوريا إلى إطار لإدارة المخاطر، بدلاً من الاعتماد على توقعات الاستقرار السريع، فمن المرجح أن يستمر الانقسام كحالة سياسية وظيفية، بدلاً من أن يكون اضطراباً مؤقتاً.

 تزداد حاجة سوريا إلى إطار لإدارة المخاطر بدلاً من الاعتماد على توقعات الاستقرار السريع

وضمن هذا الإطار، فإن السياسات التي تركز حصرياً على إعادة الإعمار أو احتواء الأمن تخاطر بتجاهل التفاعل بين انقسام الحكم، والضغوط الاقتصادية، والتنافس الخارجي، ومن المرجح أن يتطلب الانخراط الأكثر فاعلية اعتماد نهج منسّق يجمع بين الاستقرار الاقتصادي، والفصل الأمني بين الأطراف، والمرونة السياسية، والتنسيق الدبلوماسي الإقليمي المستمر.

على المستوى الإقليمي، يجب على الفاعلين مراعاة مخاطر الانسداد أو التداعيات العابرة للحدود، بما في ذلك ضغوط الهجرة، والتدفقات الاقتصادية غير المشروعة، وديناميكيات التنافس عبر الوكلاء، حيث تشير هذه العوامل إلى أن مسار سوريا سيستمر في تشكيل حسابات الأمن الإقليمي، حتى في غياب تصعيد كبير، وبشكل عام، تعزز هذه الاعتبارات احتمال استمرار النظام السياسي السوري بوصفه أقل تأثراً بالانتقال، وأكثر تمركزاً حول الصمود المُدار تحت ضغوط داخلية وخارجية مستمرة.

الصمود بلا حل

الآن، من غير المرجح أن تشهد سوريا بعد الأسد إعادة بناء الدولة بسرعة أو استقراراً حاسماً، فبدلاً من ذلك، يشير النمط الناشئ إلى صمود بلا حل، يتميز بالسلطة المقسمة، والاستقرار الانتقائي، واستمرار التدخل الخارجي دون تحمل ملكية كاملة، إذ تعتمد متانة هذا الوضع على ما إذا كانت ترتيبات الحكم المؤقتة ستكتسب شرعية تدريجية، وما إذا كانت الضغوط الاقتصادية ستتصاعد أم تستقر، وما إذا كان الفاعلون الخارجيون سيستمرون في ضبط النفس رغم المصالح الاستراتيجية المتنافسة.

أكثر المسارات احتمالية على المدى القريب ليست الاستقرار السريع، ولا الانهيار النظامي، بل مرحلة مطوّلة من الانقسام المُدار هيكلياً، فعلى المدى المتوسط، قد يؤدي هذا الديناميك إلى ترسيخ شكل من أشكال الانقسام المُدار، حيث يتعايش الاستقرار النسبي في مناطق معينة مع ضعف مؤسسي، وتوترات دورية، وتأثير خارجي مستمر، دون وجود مسار واضح نحو إعادة التكامل السياسي الكامل.

وتتمثل المخاطرة المركزية في احتمال تلاقي الضغوط الاقتصادية، والأمنية، والجيوسياسية المتراكمة بطريقة تتجاوز الآليات غير الرسمية القائمة للحفاظ على الاستقرار.

بالمحصلة، يتطلب فهم مسار سوريا تجاوز السرديات المرتكزة على الأزمات، والاعتراف بأن التفكك ليس مجرد اضطراب مؤقت، بل قد يشكّل حالة سياسية مستمرة محتملة، وبوجه عام، يبدو أن سوريا ستظل على الأرجح في مرحلة من الانقسام المُدار، حيث يظل الاستقرار جزئياً، ومشروطاً بتأثيرات خارجية، ومعرضاً لأزمات دورية، مع تداعيات كبيرة على مستقبل بيئة الأمن الإقليمي.

يبدو أن سوريا ستظل على الأرجح في مرحلة من الانقسام المُدار حيث يظل الاستقرار جزئياً ومشروطاً بتأثيرات خارجية