يمثل نشر الولايات المتحدة لأسطول بحري ضخم في الشرق الأوسط أداة من أدوات الدبلوماسية القسرية، التي تهدف إلى ردع أي تصعيد إيراني محتمل، وفي الوقت نفسه خلق أوراق ضغط تُستخدم في مسار التفاوض، حيث شدد الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، على ذلك عبر تأكيد رغبته في إبرام صفقة، بشكل ينسجم مع نمط اتبعه تاريخياً، يقوم على توظيف الاستعراض العلني للقوة كوسيلة للضغط والمساومة، لا كمقدمة حتمية للانخراط في حرب.
ولكن السؤال الأهم ليس حجم القوة المنتشرة، بل مدى قابليتها للتفعيل العملياتي، فتركيبة هذه القوة، كما يمكن رصدها علناً، تشير إلى وضعية مُصمَّمة أساساً لأغراض الرسائل السياسية وممارسة الإكراه القسري، حيث يبدو أن هذا الانتشار محدَّد بعناية من حيث التصميم، إذ يفتقر إلى البنية المعقّدة اللازمة لخوض حملة عسكرية ممتدة تقوم على الضرب ثم الاحتلال.
الانتشار البحري الأمريكي مصمم بعناية لأغراض الرسائل السياسية وممارسة الإكراه القسري ويفتقر إلى البنية المعقّدة اللازمة لخوض حملة عسكرية ممتدة
ورغم أن هذا الانتشار يوفّر قدرة قوية وفعّالة في اليوم الأول ضد إيران، إلا أنه يفتقر إلى العناصر الحاسمة في مجالات الإمداد اللوجستي، والاستخبارات، والحرب الإلكترونية، وهي عناصر لا غنى عنها لإدارة حملة عسكرية تمتد لأسابيع أو أشهر.
يتمتع الحشد العسكري الحالي، عن قصد، بدرجة عالية من الوضوح والعلنية، حيث يشكّل وصول حاملة الطائرات “يو إس إس أبراهام لينكولن” إلى منطقة الخليج العربي محور هذا الاستعراض المدروس للقوة، ولكن بالمقارنة مع التصريحات الرسمية بشأن توسيع الخيارات العسكرية، يولّد هذا الانتشار قدراً لا يمكن إنكاره من النفوذ القسري.
وفي هذا السياق، يخدم هذا التموضع هدفين متوازيين: أولاً، طمأنة الشركاء الإقليميين حيال التزام الولايات المتحدة، وثانياً، دفع طهران إلى مواجهة حسابات استراتيجية معقّدة، فعلى نحو متواز مع هذا الإيحاء العسكري، تسير الرسائل الدبلوماسية في المسار نفسه؛ إذ أبدت القيادة الإيرانية انفتاحاً مشروطاً على محادثات مقبولة، مع رفضها التفاوض تحت ظل التهديدات، ويُعد هذا الموقف استجابةً كلاسيكية في سياق صراع تفاوضي قائم على الضغوط.

ومع ذلك، فإن هذا التموضع العلني يتسم في جوهره بطابع دفاعي ومضبوط سياسياً، فتعزيز منظومات الدفاع الجوي والصاروخي في المنطقة، على سبيل المثال، يهدف إلى امتصاص أي ردٍّ انتقامي محتمل، لا إلى تمكين تصعيد هجومي، ويُعد ذلك خطوة ضرورية لتحقيق الجاهزية الفعلية من جهة، وتعزيز الضغط الموثوق من جهة أخرى.
وعلى النقيض من ذلك، تسهم تحذيرات الشركاء الإقليميين من مخاطر اتساع نطاق الصراع في فرض مزيد من القيود على عملية صنع القرار الأمريكي، إذ تدرك الحكومات الإقليمية أن أي رد إيراني مرجح أن يستهدف القوات الأمريكية والبنى التحتية المرتبطة بها على أراضيها، ستفرض هذه المعادلة على واشنطن موازنة قابلية استدامة أي عملية عسكرية مع درجة التماسك السياسي لتحالفها الإقليمي، ما يعزز الاستنتاج بأن التموضع الحالي يؤدي وظيفة سياسية بقدر ما هو أداة عسكرية، إن لم يكن أكثر.
بشكل أو بآخر، يعكس الوضع الراهن قيوداً سياسية وتحالفية ملزمة تحدّ من قدرة الولايات المتحدة على تحويل قدراتها العسكرية الخام إلى عمل عسكري مستدام، إذ يخضع الوصول إلى القواعد العسكرية الإقليمية لاعتبارات سياسية، كما تواجه الحكومات المضيفة مخاطر داخلية واقتصادية في حال أدى أي تصعيد إلى رد إيراني.
من جانب آخر، لا تزال أسواق الطاقة شديدة الحساسية تجاه خطر عدم الاستقرار في الخليج، في حين أن أي اضطرابات في حركة الملاحة البحرية ستفرض تكاليف اقتصادية عالمية ستضطر واشنطن إلى التعامل معها.
وفي هذا السياق، يبدو أن الحشد العسكري العلني صُمِّم عمداً ضمن حدود معينة؛ فهو كبير بما يكفي لفرض مخاطر حقيقية وإظهار العزم، لكنه مضبوط بعناية لتجنّب دفع الشركاء إلى التزامات مبكرة بصراع طويل لم يختاروه، وعليه، يُفهم هذا التموضع على الأرجح بوصفه مقيداً بحكم التصميم، لا مجرد مرحلة انتقالية.
الحشد العسكري يبدو أنه صُمِّم ضمن حدود معينة فهو كبير بما يكفي لفرض مخاطر حقيقية لكنه مضبوط بعناية لتجنّب الشركاء صراعاً طويلاً لم يختاروه
تتطلب القدرة الضاربة الموثوقة أكثر بكثير من مجرد سفن حربية وطائرات؛ فهي تعتمد على بنية معقدة من الأنظمة والعوامل المساعدة، الغائبة بشكل واضح عن السجلات العامة، وسواء كان الهدف ضربة عقابية محدودة، أو حملة إضعاف مستدامة، أو جهداً لمكافحة الانتشار ضد أهداف محصنة، فإن كل ذلك يتوقف على ثلاثة مجالات حاسمة يبدو أن الوضع الأمريكي الحالي يعاني من قصور فيها:
أولاً، تبرز فجوة واضحة في تكامل أنظمة القيادة والسيطرة والاستخبارات، حيث اختبر تمرين جاهزية أُجري مؤخراً في المنطقة قدرة نشر القوة الجوية وتوزيعها واستدامتها، غير أن ذلك يشير بدرجة أكبر إلى استعدادات دفاعية، لا إلى تكامل هجومي متقدّم، فالتموضع الجاهز لعمل وشيك يتطلب أعداداً كبيرة ومكرَّسة من طائرات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، تُخصَّص لتطوير بنك الأهداف، وتحليل أنماط النشاط، والتخطيط لتقييم أضرار المعركة.
ولكن، رغم وصول بعض منصات الاستطلاع المتخصصة، إلا أن هذه الانتشارات لا ترقى حتى الآن إلى المستوى الكمي والنوعي اللازم لإدارة حملة جوية معقّدة ومتعددة الأيام ضد منظومات الدفاع الجوي الإيرانية والأهداف ذات الأهمية العملياتية.
ثانياً، تفتقر القوة الأمريكية المنتشرة إلى العمق اللوجستي اللازم لشنّ هجوم مستدام، حيث تُعد قدرة التزوّد بالوقود جواً المؤشر الأكثر أهمية ودلالة في هذا السياق؛ فطائرات الحاملات تتمتع بمدى وحمولة محدودين من دون دعم طائرات التزوّد بالوقود، وأي عملية جوية مستمرة ضد إيران ستعتمد بدرجة كبيرة على حشد كثيف لطائرات التزوّد بالوقود جواً.
وفي ظل غياب تقارير عن نشر أعداد كبيرة من هذه الطائرات في المنطقة، تبقى القدرة الأمريكية الضاربة محصورة في طلعات قصيرة الأمد، لا في عمليات جوية ممتدة، وعلى نحو مماثل، لا توجد أدلة علنية على تهيئة مخزون متقدم من الذخائر المتخصصة اللازمة لمهاجمة الأهداف المحصّنة أو المدفونة، بما في ذلك المنشآت المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني أو ملاجئ قيادة النظام.
كما لا ينفي هذا الغياب إمكانية استخدام أصول بعيدة المدى، مثل قاذفات الشبح من طراز B‑2، القادرة على تنفيذ مهمة هجومية تمتد لنحو 37 ساعة ذهاباً وإياباً من ولاية ميزوري إلى إيران، غير أن ذلك يسلّط الضوء على نقص واضح في الأصول المُهيّأة لخوض قتال مستدام وطويل الأمد.
ثالثاً، يبدو أن التموضع الحالي يفتقر إلى عوامل تمكين هجومية متخصصة؛ فأي ضربة تتجاوز مجرد إطلاق رمزي للصواريخ البعيدة المدى ستتطلب حزمة مخصصة لقمع وتدمير الدفاعات الجوية المعادية، المعروفة باسم «SEAD» و«DEAD»، بهدف تحييد منظومات الدفاع الجوي الإيرانية المتكاملة.
وعلى الرغم من وجود بعض الأصول في مجال الحرب الإلكترونية، فإن أي حملة جوية رئيسية ستحتاج إلى نشر طائرات EA‑18G Growler وF‑16 Wild Weasel منذ اليوم الأول، فبدون هذه المجموعة المخصصة، ستكون مخاطر تعرّض طواقم الطيران الأمريكية والحليفة مرتفعة، ما يجعل شنّ هجوم واسع النطاق ينطوي على مخاطرة عالية للغاية.
الحشد الأمريكي في المنطقة يعاني من قصور واضح في ثلاثة مجالات هي فجوة في تكامل أنظمة القيادة والسيطرة والاستخبارات ونقص العمق اللوجستي وغياب عوامل التمكين الهجومية المتخصصة
وعلى النقيض من ذلك، من المرجّح أن يتخذ الردّ الإيراني ثلاثة مسارات رئيسية، يحمل كلٌّ منها تداعيات مباشرة على العمليات الأميركية:
أولاً، الردود العسكرية المباشرة، بما في ذلك هجمات بالصواريخ الباليستية وصواريخ كروز على القواعد والبنى التحتية الإقليمية، من شأنها اختبار قدرات حماية القوات الأمريكية واستنزاف هامش تحمّل الدول المضيفة لاستمرار العمليات على أراضيها.
ثانياً، التحركات غير المباشرة وعبر الوكلاء، التي قد تتراوح بين هجمات الميليشيات والعمليات السيبرانية، وصولاً إلى المضايقات البحرية باستخدام الطائرات المسيّرة والألغام، حيث ستُنشئ بؤر احتكاك إقليمية جديدة وتفرض كلفاً متراكمة.
ثالثاً، ممارسة ضغط اقتصادي إقليمي عبر تعطيل حركة الشحن البحري وتصعيد منخفض الوتيرة، لكنه طويل الأمد، ما يشكّل عبئاً صعب الاحتواء على واشنطن وشركائها.
وهذا يشير إلى أن كلاً من هذه المسارات يستغل مواطن الهشاشة داخل التحالف، لا نقاط الضعف التكتيكية في القدرات العسكرية الأمريكية نفسها، وهو ما يعزّز الاستنتاج بأن قابلية الاستدامة والتماسك السياسي لا تقل حسماً من الناحية العملياتية عن حزمة الضربات العسكرية ذاتها.
لكنّ التفاوت الأهم يكمن في القدرة على التحمّل، إذ تتحمّل الولايات المتحدة تكاليف سياسية واقتصادية وإدارية تحالفية أعلى مع تفاقم الأزمة، لا سيما إذا بقيت القواعد الإقليمية وخطوط الملاحة تحت تهديدٍ مستمر.
وعلى النقيض من ذلك، أظهرت إيران تاريخياً قدرة أكبر على تحمل الضغوط المطوَّلة والاضطرابات الاقتصادية والنزاعات غير المباشرة، إذ يحفّز هذا الاختلال طهران على تمديد الأزمات بدلاً من حلها بسرعة، ما يفرض على واشنطن ضغطاً استراتيجياً وسياسياً متراكماً من خلال إبقاء المواجهة دون حل.
أظهرت إيران تاريخياً قدرة أكبر على تحمل الضغوط المطوَّلة والاضطرابات الاقتصادية والنزاعات غير المباشرة
يكمن الفرق بين التموضع القسري الحالي والتحرك الفعلي نحو عمل عسكري واسع في غياب العوامل التمكينية الأساسية أو ظهورها المفاجئ، فالمؤشرات المرصودة حتى الآن، من الحركات البحرية العلنية وتعزيز الدفاعات والتمارين العسكرية الموجهة نحو الجاهزية، تتوافق جميعها مع استراتيجية الردع، وفي أفضل الأحوال مع توجيه ضربات عقابية محدودة ضد أهداف مرتبطة بالنظام الإيراني.

كما يولد الانتشار الحالي للقوات الأميركية في المنطقة تهديداً عسكرياً موثوقاً، يولّد أوراق ضغط دبلوماسية مع الحفاظ على مسارات للتهدئة وخفض التصعيد.
ومن هنا، فإن أي إعادة تقييم جدّية للنية الأميركية ستتطلب حدوث ما لا يقل عن أربعة تغييرات حاسمة في التموضع العسكري:
أولاً، إن حشداً واسعاً لطائرات التزوّد بالوقود جواً ونشرها في المنطقة سيشكّل إشارة واضحة إلى إنشاء البنية العملياتية اللازمة لدعم عمليات جوية تتجاوز الإطار الزمني القصير.
ثانياً، تدل زيادة كبيرة في أصول الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع على انتقال من مجرّد الرصد والمتابعة إلى الإعداد الفعلي لحملة عسكرية.
ثالثاً، يعكس الدمج العلني لمنصات متخصصة في الحرب الإلكترونية استعدادات منهجية لتفكيك منظومات الدفاع الجوي الإيرانية وعُقد القيادة والسيطرة، تمهيداً لتنفيذ سيناريو ضربة محدد المعالم.
وأخيراً، فإن تحركات يمكن رصدها لذخائر متخصصة ستسهم في توضيح النيات والأهداف، وتُميّز بوضوح بين ضربة عقابية محدودة وحملة أكثر طموحاً تهدف إلى إضعاف وتدمير عدد كبير من مواقع النظام الأساسية.
لا يعني هذا التقييم انخفاض المخاطر؛ فالمواقف القسرية بهذا الحجم تُسرّع عملية اتخاذ القرار، وتزيد من احتمالات سوء الفهم، وتُفاقم خطر التصعيد غير المقصود، حتى عندما لا تكون الحرب هي النتيجة المرجوّة، لذلك، فإن غياب العوامل التمكينية الرئيسية اليوم لا يمنع إمكانية نشرها سريعاً في الغد.
علاوة على ذلك، تؤثر الإشارات في كيفية تفسير الخصوم للنوايا واختيارهم لسبل الرد، ولذلك، ينبغي فهم الحشد الحالي بوصفه أداة ضغط تُلوّح بعقاب محتمل، إذ يكمن التحذير في أن هذا الضغط، إذا أُسيء فهمه، قد يتحول إلى اندلاع أعمال عدائية خارجة عن السيطرة بوتيرة أسرع مما توحي به النوايا السياسية.
بالمحصلة، وحتى تتحقق هذه المؤشرات، يبقى الحشد العسكري الأمريكي استعراضاً للقوة لا مقدمة لحرب وشيكة، فهو يمثل أداة ضغط سياسي، وليس بعدُ قوة عسكرية مصممة لخوض صراع طويل الأمد، فقد احتفظت واشنطن بخيارات متعددة ووجهت إنذاراً رسمياً لطهران، لكن العناصر الأساسية لحملة عسكرية فعّالة ومستدامة لا تزال بعيدة المنال، والأسطول الأمريكي يوجّه رسالة، لكنه غير مهيأ لخوض حرب كبرى.
العناصر الأساسية لحملة عسكرية فعّالة ومستدامة لا تزال بعيدة المنال والأسطول الأمريكي يوجّه رسالة لكنه غير مهيأ لخوض حرب كبرى