بالنسبة إلى الكرملين، لا تُعدّ الحرب الإيرانية في المقام الأول أزمةً شرق أوسطية، بل تمثّل فرصةً استراتيجية بالغة الأهمية لاستغلال حالة الاستنزاف الاستراتيجي التي يعاني منها التحالف الغربي الداعم لأوكرانيا، فرغم العلاقات الوثيقة بين موسكو وطهران، إلا أن الصراع يشكّل فرصة لاختبار قدرة الغرب على التحمّل والمواجهة، غير أن هذا الصراع يجري في ظل ظروف تتجاوز سيطرة روسيا، ما يجعل أي مكاسب استراتيجية محتملة رهناً بالتطورات وليست مضمونة.
أظهرت عملية “مشروع الحرية”، وهي محاولة واشنطن إعادة تأمين الملاحة المرافَقة عبر مضيق هرمز، مدى التكلفة الباهظة التي باتت تترتب حتى على الوصول البحري المحدود، فقبل اندلاع الحرب، كان نحو 120 سفينة تعبر يومياً، إذ شكّلت العملية اختباراً لقدرة إيران للحفاظ على قوة الردع في المضيق، ففي الرابع من مايو، أطلقت مدمرات أمريكية كانت ترافق سفناً قرب مضيق هرمز صواريخ اعتراضية للتصدي لصواريخ كروز إيرانية، في حين استهدفت القوات الأمريكية أيضاً زوارق إيرانية صغيرة.
أما بالنسبة إلى كييف، فقد مثّلت هذه الحادثة تذكيراً إضافياً بمشكلة مادية أكبر، تتمثل في أن كل صاروخ اعتراضي يُطلق في الخليج يأتي من قاعدة إنتاج تعتمد عليها أوكرانيا أيضاً، وبالنسبة إلى موسكو، كلما طال أمد أزمة الشرق الأوسط، أصبح موقعها الاستراتيجي في أوكرانيا أكثر ملاءمة.
كل صاروخ اعتراضي يُطلق في الخليج يأتي من قاعدة إنتاج تعتمد عليها أوكرانيا أيضاً وبالنسبة إلى موسكو كلما طال أمد أزمة الشرق الأوسط أصبح موقعها الاستراتيجي في أوكرانيا أكثر ملاءمة
لم تبدأ موسكو الحرب الإيرانية، كما أنها لا تسيطر على مسار الصراع، وقد حرصت على تجنّب الانخراط العسكري المباشر فيه، ومع ذلك، فإن الأزمة تحمل أهمية كبيرة بالنسبة إلى الحرب الروسية في أوكرانيا، فالكرملين يراقب عن كثب التداعيات الناتجة عنها، بما في ذلك الضغوط المتزايدة على المخزونات العسكرية الغربية، وتباطؤ عملية اتخاذ القرار في واشنطن، وارتفاع أسعار الطاقة، إضافة إلى تحوّل الأولويات الأميركية بحيث لم تعد أوكرانيا القضية الأكثر إلحاحاً على الأجندة الأمريكية.
اليوم، قدرة موسكو على تحويل هذا المكسب الاستراتيجي المؤقت إلى مكسب أكثر ديمومة تعتمد على مدى استمرار الضغط على المخزونات الغربية وعلى آليات اتخاذ القرار في الغرب، فإطالة أمد الأزمة في الخليج من شأنها أن تستنزف المزيد من الصواريخ الاعتراضية والقدرات الإنتاجية العسكرية، ما يمنح روسيا هامشاً أوسع لتصعيد ضغوطها في أوكرانيا، وفي المقابل، فإن التوصل السريع إلى حالة من الاستقرار سيمنح موسكو مكاسب مفيدة، لكنها ستظل محدودة ومؤقتة.

لا تزال أوكرانيا تمثّل الأولوية المركزية بالنسبة إلى موسكو، إذ تكمن فائدة الصراع مع إيران، من وجهة النظر الروسية، في أنه يفرض تكاليف كبيرة على الغرب من دون أن يحمّل روسيا أعباءً تُذكر، وفي اليوم الذي بدأت فيه الضربات، قال مسؤولون حكوميون في موسكو: إن الولايات المتحدة ستنشغل بإيران و”تنسى” أوكرانيا، وهو ما يبدو أقرب إلى توقعات الكرملين الفعلية من أي مظاهر رسمية للتضامن مع طهران.
ومنذ ذلك الحين، اتبع السلوك الروسي هذا المنطق، حيث أدانت موسكو الضربات الأمريكية-الإسرائيلية، بينما أشارت تقارير إلى أنها دعمت إيران ببيانات أقمار صناعية تتعلق بتحركات الجيش الأمريكي، وكذلك، لم تبذل روسيا جهداً يُذكر لنفي التقارير التي تحدثت عن احتمال نقل طائرات مسيّرة إلى إيران.
وفي الوقت نفسه، تجنبت موسكو تقديم التزامات قد تستنزف مواردها بعيداً عن الحرب في أوكرانيا، كما ينسجم امتناعها عن التصويت في مجلس الأمن الدولي على مشروع قرار يدين الهجمات الإيرانية على دول الخليج مع هذا النهج.
ويخدم هذا التوازن الروسي غرضاً عملياً، إذ سمح لموسكو بالاستفادة من تمدد الالتزامات الأمريكية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على هامش للتفاوض مع واشنطن بشأن أوكرانيا، حيث ربط وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بين الساحتين بشكل صريح في 5 مارس، عندما قال إن الولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان إلى جرّ دول الخليج إلى الصراع، “تماماً كما يدّعي الغرب أنه جرّ أوكرانيا إلى الصراع مع روسيا”، ولم يكن ذلك مجرد خطاب دعائي، بل محاولة لدمج أزمة الخليج ضمن الرواية الروسية الأوسع التي تعتبر أن السياسات الأمريكية تخلق النزاعات ثم تعجز عن إدارتها.
ومن شأن تحقيق نجاح سريع للصراع الإسرائيلي الأمريكي أن يعيد تركيز الاهتمام الغربي نحو أوكرانيا، كما أن إضعاف إيران بشكل كبير سيقلل من قيمة أحد شركاء روسيا خلال الحرب، إذ قدر “معهد دراسة الحرب” أن الحرب الروسية في أوكرانيا تقيد بشكل مباشر قدرة موسكو على تقديم دعم عسكري لإيران.
ورغم أن موسكو أصدرت إدانات رسمية للضربات، إلا أنها لم تتمكن من حماية شريكها الإيراني منها، وهو اختلال في التوازن يصعب على طهران تجاهله على الأرجح، كما يتيج لروسيا الاستفادة من أزمة لم تصنعها، لكن ذلك يعني أيضاً أن الكرملين لا يسيطر على الظروف التي تعمل لصالحه، ما يجعل أي مكاسب محتملة غير مستقرة.
رغم إدانة موسكو للضربات على إيران إلا أنها لم تتمكن من حمايتها وهو اختلال في التوازن يصعب على طهران تجاهله على الأرجح
من الجانب الاقتصادي، تتمثل الفائدة المباشرة لروسيا في أن عائدات صادرات النفط الروسية بلغت نحو 760 مليون دولار يومياً بعد اندلاع الأعمال القتالية، كما كان من المتوقع أن ترتفع مبيعات النفط والغاز الشهرية بشكل ملحوظ، إذ تجاوزت أسعار خام الأورال بكثير مستوى 59 دولاراً للبرميل الذي بُنيت عليه موازنة موسكو لعام 2026، واستحوذت الصين والهند على نحو 90% من صادرات روسيا من النفط الخام في مارس 2026، كما أن الفتح الانتقائي لمضيق هرمز أمام السفن القادمة من الصين وروسيا والهند والعراق وباكستان قلّل من المخاطر المباشرة على التجارة المرتبطة بروسيا.
ومع ذلك، لا تزال روسيا تبيع النفط بأسعار مخفضة، كما أن لوجستيات “أسطول الظل” تبقى مكلفة، في حين تستمر العقوبات في تقليص هوامش صافي الربح، علاوة على ذلك، فإن جزءاً كبيراً من المكاسب يعتمد على ظروف لا تملك موسكو التحكم بها، مثل اضطرابات الخليج، والطلب الآسيوي، والتراخي المؤقت في تطبيق العقوبات الغربية، حيث تجعل الإيرادات الأعلى من السهل على الرئيس فلاديمير بوتين الاستمرار في استراتيجية الاستنزاف التي تهدف إلى تجاوز الإرادة السياسية الغربية، ما يمنح موسكو ثقة أكبر في قدرتها على مواصلة الضغط.
لكن هذه المكاسب لا تلغي القيود العميقة التي تواجهها روسيا، بما في ذلك تكاليف القوى البشرية، والضغط على الذخائر الدقيقة، وحدود القدرة على استبدال الواردات على نطاق واسع.
يتجلى هذا الضغط بشكل أوضح في منظومات الدفاع الجوي، حيث استنزفت الحرب مع إيران المخزونات بوتيرة تُفاقم مشكلة تخصيص الموارد الخاصة بأوكرانيا، فقد أفادت وسائل إعلام أمريكية في أوائل مايو بأن الولايات المتحدة ربما استهلكت ما يصل إلى نصف مخزونها المقدر بـ 2,300 صاروخ اعتراضي من طراز “باتريوت” منذ 28 فبراير.
وقدّرت الباحثة في كلية كينيدي بجامعة هارفارد، ليندا بيلمز، أن الولايات المتحدة أطلقت عدداً من صواريخ “باتريوت” خلال الأيام الأربعة الأولى من الحرب مع إيران يفوق ما قدمته لأوكرانيا خلال أربع سنوات، كما أدعى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن عدد الصواريخ الاعتراضية المستخدمة خلال ثلاثة أيام من القتال في الشرق الأوسط تجاوز ما تلقته أوكرانيا منذ 2022.
ولا يمكن للإنتاج مواكبة هذا الاستهلاك السريع، فقد أنتجت شركة “لوكهيد مارتن” نحو 620 صاروخاً من طراز” PAC-3 MSE ” في 2025، وأعلنت عن خطة تمتد لسبع سنوات لرفع الإنتاج السنوي إلى نحو 2000 صاروخ.
ورغم أهمية هذا التوسع، إلا أنه لا يعالج مشكلة النقص الفوري، كما أن تسليمات صواريخ ” GEM-T ” الأوروبية من منشأة “شروبنهاوزن” فلن تصل على نطاق واسع قبل 2028، كما يُقدّر إنتاج شركة ” MBDA ” من صواريخ ” Aster 30 ” الخاصة بنظام ” SAMP/T ” بنحو 300 صاروخ سنوياً، مقابل حاجة أوروبية معلنة تصل إلى 2000 صاروخ.
وتعمل حملة الضربات الروسية بالفعل على استغلال هذا الضعف، فقد أظهرت دراسة لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ” CSIS” أن حزم الضربات الروسية باتت تعتمد على رشقات جماعية تتجاوز 700 هدف في كل مرة، وغالباً ما تتكرر خلال أيام قليلة فقط.
وفي منتصف أبريل، أطلقت القوات الروسية 659 طائرة مسيّرة و44 صاروخاً خلال فترة لا تتجاوز 24 ساعة، حيث تشير تقديرات الاستخبارات الأوكرانية إلى أن وتيرة الهجمات واسعة النطاق وصلت إلى سبع هجمات شهرياً.
وفي الوقت نفسه، تراجع معدل اعتراض الصواريخ الباليستية إلى نحو 25%، كما يجبر كل هجوم أوكرانيا على تخصيص أفضل صواريخها الاعتراضية لأخطر التهديدات، ما يترك أهدافاً أخرى أكثر عرضة للاستهداف.
ولا تحتاج موسكو إلى تحقيق أعلى معدلات اختراق في كل ضربة، إذ يمكنها أيضاً تحقيق مكاسب عبر دفع أوكرانيا إلى خيارات استنزاف مرهقة في توزيع الموارد، فالصاروخ الباليستي الموجه ضد بنية تحتية حيوية قد يستهلك صواريخ اعتراض تبلغ قيمتها عدة ملايين من الدولارات لكل واحد منها، ومع استمرار هذا النمط، تصبح حتى عملية الدفاع الناجحة مكلفة بشكل مفرط، وكلما اضطرت أوكرانيا إلى اتخاذ مثل هذه القرارات بشكل متكرر، ازداد وضع الدفاع الجوي سوءاً.
ومع مرور الوقت، يزداد الضغط الإجمالي داخل المنظومة، فكل صاروخ اعتراضي يُستخدم ضد هجوم بصواريخ باليستية يصبح غير متاح للدفاع ضد الصواريخ المجنحة التي تستهدف البنية التحتية للطاقة أو مراكز الخدمات اللوجستية.
وإذا رفعت موسكو وتيرة الضربات الباليستية من هجمات متقطعة إلى مستمرة، فإن مشكلة توزيع الموارد ستتفاقم عبر عدة طبقات دفاعية في الوقت نفسه، ولا يتطلب هذا النهج تحقيق اختراق نوعي بقدر ما يعتمد على استمرار الضغط لإضعاف منظومة الدفاع الجوي الأوكرانية، كما أن أوروبا لا تستطيع سد هذه الفجوة بسرعة، ففي مارس، سلمت ألمانيا وعدد من شركاء الناتو 35 صاروخاً اعتراضياً من طراز” PAC-3 ” إلى أوكرانيا، مقابل تقدير لاحتياج أدنى يتجاوز 60 صاروخاً شهرياً من الطراز نفسه، فالإرادة السياسية لدعم أوكرانيا قائمة، لكن القاعدة الإنتاجية الأوروبية غير قادرة على توفير الإمدادات بالوتيرة المطلوبة.
الإرادة السياسية الأوروبية لدعم أوكرانيا قائمة لكن القاعدة الإنتاجية غير قادرة على توفير الإمدادات بالوتيرة المطلوبة
يُعد اختناق منظومة الدفاع الجوي المثال الأوضح على هذا الضغط، لكن روسيا وسّعت أيضاً نطاق أهدافها، فمنذ خريف 2025، دُمّر أو تضرر أو خضع للاحتلال جزء كبير من قدرة أوكرانيا على توليد الطاقة، حيث يقدّر مسؤولون عسكريون غربيون هذه النسبة بنحو الثلثين، وقد استهدفت الضربات الأخيرة محطات الكهرباء والمحطات الفرعية وبنية الشبكة الكهربائية في عدة مناطق أوكرانية.
ومنذ أبريل، توسعت عمليات الاستهداف الروسية لتشمل أيضاً أنظمة المياه والبنية التحتية للسكك الحديدية، ولم يكن توقيت ذلك عشوائياً، إذ تصبح عمليات الإصلاح أصعب، ويزداد الضغط على المدنيين، وتصبح اللوجستيات العسكرية أكثر هشاشة.
ويتراكم أثر هذه الضربات عبر قطاعات متعددة، فالأضرار في قطاع الطاقة تُرهق المدن والصناعة، بينما يضعف تعطّل شبكات المياه قدرة السكان على الصمود، كما تؤثر الهجمات على السكك الحديدية في حركة القوات العسكرية ودورات الإصلاح وتوزيع الإمدادات الحيوية، ولا يحتاج أي من هذه التأثيرات إلى أن يكون حاسماً بمفرده، لكنها مجتمعة ترفع كلفة الصمود على خطوط المواجهة.
كما تسهم الطائرات المسيّرة الأوكرانية المنتجة محلياً في مواجهة التهديدات منخفضة المستوى، كما تكشف حجم الاعتماد المتبقي على الخارج، إلا أن الفجوة الأصعب لا تزال في قدرات الاعتراض المتقدمة، وهي تحديداً المجال الذي تتنافس فيه الحرب في الخليج حالياً على الإمدادات.
من غير المرجّح أن تدفع حرب إيران روسيا إلى تصعيد كبير يتجاوز نمطها الحالي، فموسكو لا تزال تمتلك هامشاً لتكثيف عملياتها في أوكرانيا، لكن قيودها الذاتية تبقى واضحة. إذ تُستخدم الذخائر الدقيقة بوتيرة مرتفعة، فيما أصبحت القوى البشرية أكثر كلفة وأقل وفرة. كما أن الإنتاج الدفاعي قادر على دعم مجهود الحرب الحالي، لكنه غير كافٍ لتوسيع غير محدود في جميع المجالات.
وقد أدت سياسات إحلال الواردات إلى تقليص بعض نقاط الضعف، ولكن غالباً بتكلفة أعلى وجودة أقل، وكان اعتراف نائب رئيس مجلس الأمن دميتري ميدفيديف في 23 فبراير بأن “ثمن النصر مهم” لافتاً، للنظر في نظام يصر عادة على الحديث عن إرادة غير محدودة، ما عكس إدراكاً للتكلفة الاجتماعية حتى إن لم يغيّر ذلك مسار الكرملين.
أما المسار الأكثر ترجيحاً فهو زيادة تدريجية في الضغط عبر ضربات أوسع ومتعددة الطبقات، واستهداف متكرر للبنية التحتية للطاقة والمياه، واستمرار اختبار ثغرات الدفاع الجوي، إلى جانب حملة إعلامية أقوى حول ما تعتبره موسكو استنزافاً غربياً، حيث يتماشى هذا النهج مع موقع روسيا الحالي، إذ لا تحتاج موسكو إلى اختراق حاسم طالما أن كلفة الدفاع الأوكراني تزداد شهراً بعد آخر، كما يتسق هجوم “أوريشنك” على لفيف في يناير مع هذا النمط، فبينما كانت قيمته العسكرية محدودة، فإن قيمته السياسية تمثلت في الإيحاء بأن لدى روسيا احتياطياً من قدرات التصعيد، وتستخدم موسكو مثل هذه الضربات لتشكيل التصورات، مع إبقاء الحرب ضمن إطار الاستنزاف الطويل.
أدت حرب إيران إلى تعطيل البيئة الدبلوماسية المحيطة بأوكرانيا، فقد بدا أن محادثات أبوظبي الثلاثية في يناير 2026 قد فقدت زخمها مع انتقال اهتمام واشنطن إلى أزمة الخليج، وهي أول تقدم ملموس بوساطة أمريكية منذ الأشهر الأولى للحرب، رغم أن المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف أكد أن موسكو لا تزال “مهتمة” بالمحادثات التي يتوسط فيها ترامب، في محاولة للحفاظ على موقف الانفتاح الدبلوماسي رغم تراجع ظروف التفاوض.
وبحلول مارس، غيّر المسؤول الروسي تشيبا نبرته، مشيراً إلى أن العمليات في إيران “من غير المرجح أن تعرقل المفاوضات بالكامل”، لكنه اعتبر في الوقت نفسه أن واشنطن لم تعد تُعد وسيطاً “محايداً وصادقاً”.
أدّت حرب إيران إلى تعطيل البيئة الدبلوماسية المحيطة بأوكرانيا وبدا أن محادثات أبوظبي الثلاثية في يناير 2026 قد فقدت زخمها مع انتقال اهتمام واشنطن إلى أزمة الخليج
ولم تنسحب موسكو من المسار الدبلوماسي رسمياً، لكنها عملت خطابياً على تقويض مصداقية الوسيط، كما عززت التصريحات الصادرة من واشنطن قراءة الكرملين للموقف، فقد هدد ترامب في أواخر مارس بوقف الإمدادات العسكرية إلى أوروبا ما لم تنضم إلى تحالف لإعادة فتح مضيق هرمز، كما أعلن نائب الرئيس جي دي فانس في منتصف أبريل أن إنهاء تحويل أموال دافعي الضرائب مباشرة لتسليح أوكرانيا كان من بين الإجراءات التي يفخر بها البيت الأبيض.
وأبلغ مسؤول السياسات في البنتاغون إلبريدج كولبي داعمي أوكرانيا أن المساعدات الأمريكية “يجب ألا تعتمد على موارد أمريكية كبيرة”، أما وزير الخارجية ماركو روبيو فكان الأكثر وضوحاً بقوله: “إذا احتجنا شيئاً لأمريكا، فسنحتفظ به لأمريكا أولاً”، وبالنسبة إلى موسكو، تؤكد مثل هذه التصريحات افتراضاً راسخاً لديها، وهو أن الدعم الغربي ليس محدوداً مادياً فحسب، بل سياسياً أيضاً.

قد تكون موسكو تبالغ في تفسير الاختلال المؤقت في موازين القوى، فمن الممكن أن تستقر الحرب في الخليج بوتيرة أسرع مما يتوقعه الكرملين، أو أن تدفع الأزمة واشنطن إلى إعطاء أولوية أكبر لإعادة ملء مخزوناتها العسكرية، كما قد تتمكن أوروبا من توحيد قدراتها الدفاعية الجوية، وتسريع عمليات الشراء المشتركة، وتقليص حالة التشتت التي أعاقت استجابتها حتى الآن، وكذلك، قد تنجح أوكرانيا في توسيع بدائلها المحلية بوتيرة أسرع من المتوقع. ولا يلغي أي من ذلك الضغوط الفورية التي تواجه كييف، لكنه يحد من قدرة موسكو على البناء بثقة على معطيات المرحلة الأولى من الأزمة.
وفي المقابل، قد ينعكس إضعاف إيران سلباً على موسكو أيضاً، فقد كانت طهران شريكاً مفيداً لروسيا، سواء من خلال توفير قدرات عسكرية، أو عبر فتح جبهة ضغط إضافية على الغرب، أو تعقيد الحسابات الغربية، فإذا خرجت إيران من الحرب وهي في وضع متدهور بشدة، فإن روسيا ستفقد جزءاً من هذا الضغط الخارجي، صحيح أنها ستستفيد من انشغال الغرب على المدى القصير، لكن أحد شركائها الإقليميين سيصبح أقل قيمة.
وقد يؤدي الضغط المتزامن الناتج عن الحرب الروسية-الأوكرانية وأزمة الخليج إلى دفع الحكومات الغربية نحو إعطاء الأولوية للتصنيع العسكري، وهو ما كانت تؤجله سابقاً، فما تراه موسكو استنزافاً غربياً قد يقود مع مرور الوقت إلى دورات شراء أسرع، وزيادة إنتاج الصواريخ، واستجابة أوروبية أكثر تكاملاً على مستوى الصناعات الدفاعية، وإذا تحولت الأزمة إلى دليل واضح على قصور القدرات الصناعية، فسيصبح من الأسهل سياسياً الدفع باتجاه إعادة التسلح.
في الوقت الراهن، تبدو نافذة الفرصة أمام الكرملين حقيقية، فموسكو قادرة على استغلال الاختلال القائم ما دام مستمراً، لكنها ليست في موقع يسمح لها بالتأثير المباشر في مدة استمراره، وروسيا لا تحتاج إلى انتصار إيران في الخليج، بل تحتاج فقط إلى مستوى كاف من الاستنزاف الغربي يجعل أوكرانيا تدفع الثمن، ففي حروب الاستنزاف، يصبح الزمن بحد ذاته مورداً استراتيجياً، وحتى الآن، لا يزال بوتين يعتقد أن الوقت يعمل لصالحه.
روسيا لا تبحث عن انتصار إيران في الخليج بل تحتاج إلى مستوى كافٍ من الاستنزاف الغربي يجعل أوكرانيا تدفع الثمن