Eagle Intelligence Reports

التحول الصيني بشأن نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية

ايغل انتيلجنس ريبورتس • يناير 6, 2026 •

أصدرت الصين في 27 نوفمبر الماضي، أحدث كتاب أبيض لها حول ضبط التسلح بعنوان: “الحد من التسلح ونزع السلاح ومنع الانتشار في العصر الجديد”، الذي شكّل تحولاً جوهرياً عن نظيره الصادر عام 2005، عبر حذف الالتزام طويل الأمد بنزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية.

نص الكتاب الصادر عام 2005 صراحةً على أن “الصين تدعم نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية”، بينما نسخة عام 2025 استبدلت هذا الهدف المتعلق بمنع الانتشار بلغة فضفاضة تركز على الاستقرار، إذ اكتفت بالقول: “فيما يتعلق بقضية شبه الجزيرة الكورية، تتبنى الصين موقفاً محايداً وتلتزم بالنهج الصحيح المتمثل في العمل دائماً من أجل السلام والاستقرار والازدهار في شبه الجزيرة، وحل قضية شبه الجزيرة الكورية عبر الوسائل السياسية”.

كما يدعو الكتاب الأطراف المعنية، في إشارة إلى واشنطن وحلفائها، إلى الكف عن اتباع نهج قائم على الردع العدواني والضغط، واستئناف الحوار والمفاوضات، والاضطلاع بدور بنّاء في حل قضية شبه الجزيرة الكورية عبر الوسائل السياسية، وتحقيق سلام واستقرار دائمين في شبه الجزيرة.

ومن السمات البارزة الأخرى في الكتاب الأبيض الجديد إدانته لاستراتيجية الردع الموسَّع التي تنتهجها الولايات المتحدة، وهي السياسة التي تقوم على طمأنة الحلفاء والشركاء ضد هجمات الخصوم من خلال توفير مظلة أمنية تشمل استخدام الترسانات النووية، كما يدعو الكتاب ما وصفه بـ”دولة معيّنة”، في إشارة غير مباشرة إلى واشنطن، لسعيها إلى تحقيق “تفوق استراتيجي مطلق عبر التوسع المستمر في التسلح، وتعزيز الجاهزية القتالية، وإثارة المواجهات القائمة على التكتلات”.

  الكتاب الأبيض الجديد يدين استراتيجية الردع الموسَّع للولايات المتحدة التي تقوم على طمأنة الحلفاء والشركاء ضد هجمات الخصوم من خلال توفير مظلة نووية

كما ينتقد الكتاب هذه السياسات، معتبراً أنها أدت إلى “تصاعد سباقات التسلح الدولية والإقليمية، واندلاع نزاعات إقليمية في بؤر متعددة، وتسجيل مستويات قياسية متكررة في الإنفاق العسكري العالمي”، ولا سيما في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

إغفال نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية

يشكّل غياب هدف “نزع السلاح النووي” من الكتاب الأبيض الصيني لعام 2025 محطة مفصلية في سياسة بكين تجاه شبه الجزيرة الكورية، فهذا الهدف الذي ظلّ ركيزة أساسية وواضحة في وثيقة عام 2005 استُبدل بلغة تركز على تحقيق “السلام والاستقرار والازدهار في شبه الجزيرة”، وهو ما يوحي بتحول نحو قبول ضمني بكوريا الشمالية بوصفها دولةً نوويةً بحكم الأمر الواقع.

 يعكس هذا التغيير في الموقف إدراكاً بأن نزع السلاح النووي الكامل لم يعد هدفاً سياسياً قابلاً للتطبيق في المناخ الجيوسياسي الراهن، حيث اختارت الصين بدلاً من ذلك إدارة مخاطر الصراع والحفاظ على علاقاتها مع الدولة العازلة الاستراتيجية، ما يمنحها مرونة استراتيجية أكبر في ظل تصاعد التنافس الأمريكي الصيني.

 ويُرجّح أن هذا يشير إلى أن بكين قد أدركت القيمة الاستراتيجية لكوريا الشمالية في مواجهة التنافس الاستراتيجي مع واشنطن، بدلاً من بذل الجهود للضغط على بيونغ يانغ للتخلي عن أسلحتها النووية، حيث يتيح هذا التحول للصين تجنب الاحتكاك مع جارتها مع تركيز مواردها الدبلوماسية والعسكرية على التهديد الرئيسي المتوقع من الولايات المتحدة.

 وينسحب هذا المنطق كذلك على انتقادها لمفهوم الردع الموسَّع، إذ تقدم الصين الضمانات الأمنية الأمريكية والأنشطة العسكرية المرتبطة بها، مثل المناورات المشتركة ونشر الأصول الاستراتيجية، على أنها المصادر الرئيسية لعدم الاستقرار والتصعيد في المنطقة، ومن خلال توصيف المظلة النووية الأمريكية وتعميق التحالفات مع كل من كوريا الجنوبية واليابان بوصفها عوامل مُزعزِعة للاستقرار، تقدّم الصين تبريراً علنياً لموقفها الدفاعي الخاص ولسياستها القائمة على استيعاب كوريا الشمالية.

 يعكس هذا التحول في الخطاب السياسي جهود الصين المتعمدة لإعادة تعريف بنية الأمن الإقليمي، فمن خلال قبولها الضمني، أو على الأقل استيعابها، لكوريا الشمالية المسلحة نووياً، وإدانتها في الوقت نفسه للمظلة النووية الأمريكية، تحوّل بكين تركيزها من تحدٍّ يتعلق بعدم الانتشار النووي – أسلحة بيونغ يانغ النووية – إلى تحدٍّ جيوسياسي – نظام التحالفات الأمريكية.

 وتعكس هذه المناورة الدبلوماسية أولوية الصين في مواجهة المنافسة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، مُظهرةً استعدادها لاستغلال موقفها السياسي تجاه شبه الجزيرة الكورية لتعزيز مصالحها الأمنية وتحدّي النظام القائم الذي تقوده الولايات المتحدة.

 السياسة النووية الصينية

في ظل تصاعد المواجهة بين الصين والولايات المتحدة، يُتوقع أن يشهد البرنامج النووي الصيني ومسار سياساته المستقبلية توسعاً ملحوظاً، فرغم أن الكتاب الأبيض يؤكد رسمياً التزام بكين بسياسة “عدم البدء باستخدام السلاح النووي”  (NFU) وبـ “استراتيجية نووية دفاعية” عند “الحد الأدنى اللازم للأمن القومي”، فإن هذه اللغة تتناقض مع تعهّدٍ متزامن ورد في الكتاب نفسه بتحديث القدرات في مجالات “الإنذار المبكر الاستراتيجي، والقيادة والسيطرة، واختراق أنظمة الصواريخ، وسرعة الاستجابة، فضلاً عن تعزيز قابلية البقاء”، إلى جانب النمو غير المسبوق في ترسانتها النووية.

ووفقاً لتقرير صادر عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، يُتوقع أن يتجاوز مخزون الصين من الرؤوس النووية حاجز الألف رأس بحلول نهاية العقد الحالي، وفي إطار مشروع الخطة الخمسية الخامسة عشرة التي أُقِرّت في نوفمبر، تعهّدت بكين بتعزيز قدرات الردع الاستراتيجي -وهو تعبير يُفهم عموماً على أنه يشير إلى القوات النووية- إلى جانب حماية “التوازن والاستقرار الاستراتيجيين على المستوى العالمي”، وقد يوحي ذلك بسعي الصين إلى تقليص الفجوة النووية بينها وبين كل من الولايات المتحدة وروسيا.

لكن مؤشرات الكتاب الأبيض الصيني، مع إدانته للردع الموسَّع وإغفاله لمسألة نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية، تشير إلى أن بكين تعمل على تحييد القدرات الدفاعية الصاروخية الأمريكية المتقدمة في المنطقة عبر تعزيز قدرتها على الضربة الثانية، وهذا التحرك ليس مجرد تطوير عسكري، بل استراتيجية تهدف إلى ضمان مصداقية الردع النووي الصيني، مع استيعاب كوريا الشمالية كقوة نووية، ما يزيد من تعقيد الحسابات الأمريكية في الردع النووي بمنطقة آسيا والمحيط الهادئ ويضع واشنطن أمام تحديات جديدة في الحفاظ على نفوذها الأمني الإقليمي.

وعليه، من المرجح أن تتجه السياسة النووية الصينية المستقبلية نحو الانتقال من عقيدة “الردع الأدنى” البسيطة إلى عقيدة “الردع المضاد المضمون”، ولتقويض الردع الموسَّع الأميركي بصورة ذات مصداقية، تواجه الصين حاجة متزايدة إلى تطوير قوة نووية أكبر حجماً، وأكثر تطوراً، وأعلى قدرة على الصمود، بما يمكّنها من تجاوز أنظمة الدفاع الصاروخي لدى الحلفاء وتهديد الأراضي الأمريكية تهديداً ذا مصداقية.

وبالتالي، يعمل الكتاب الأبيض بمثابة بيان سياسي خارجي يدعم واجباً عسكرياً داخلياً، فهو يسعى لتسريع بناء ترسانة نووية كبيرة ومتقدمة بما يكفي لجعل الضمانات الأمنية الأمريكية لحلفائها أقل مصداقية في حال الأزمات، وبالتالي تحويل ميزان القوى الاستراتيجي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

الكتاب بمثابة بيان سياسي خارجي يدعم واجباً عسكرياً يسعى لتسريع بناء ترسانة نووية كبيرة ومتقدمة لجعل الضمانات الأمنية الأمريكية لحلفائها أقل مصداقية في حال الأزمات

 ومن هنا، يرسّخ الكتاب الأبيض لعام 2025 موقفاً استراتيجياً صينياً جديداً وأكثر حزماً، ويمكن النظر إلى التكيف الضمني مع كوريا الشمالية النووية كجزء من خطوة تكتيكية لتعقيد البنية الأمنية الإقليمية الأمريكية، بينما توفّر الإدانة الصريحة للردع الموسَّع المبرر الأيديولوجي لتحديث الصين النووي الهائل.

 يؤكد هذا التحوّل أن الدافع الرئيسي وراء السياسة النووية الصينية هو تصاعد التنافس الجيوسياسي مع الولايات المتحدة، ما يرسّخ مساراً نحو بناء ترسانة نووية أكبر وأكثر تطوراً، تهدف إلى إسقاط النفوذ وإحكام الاستقرار الاستراتيجي وفق رؤية بكين الخاصة، ويتجلى ذلك في استعراض عسكري أقيم في سبتمبر، حيث عرض خلاله أحدث الصواريخ الباليستية العابرة للقارات   DF-61 وDF-31BJ وDF-5C   حيث يُظهر سعي الصين لتحديث قواتها النووية كجهد لإعادة تعريف الاستقرار الاستراتيجي والحفاظ عليه وفق شروطها الخاصة، ويعمل هذا التحديث أيضاً كرادع ضروري ضد أي تدخل محتمل للولايات المتحدة في النزاعات الإقليمية، لا سيما حول تايوان، ويحد من أي تصور لتفوق نووي أمريكي محتمل لحماية مصالحها الوطنية الأساسية.

كوريا الشمالية وروسيا

يوضح الكتاب الأبيض أن بيونغ يانغ أصبحت متغيراً فاعلاً يشكّل التنافس الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين والنظام الأمني الإقليمي، فمن خلال إجبار الصين على حذف بند “نزع السلاح النووي”، انتقلت كوريا الشمالية من حالة الدولة المنبوذة والمقيدة بالعقوبات إلى كونها أصلاً استراتيجياً لا غنى عنه في البنية الإقليمية للصين.

يعطي هذا التحوّل زعيم كوريا الشمالية، كيم جونغأون، مساحة للاستفادة من موقفه التفاوضي، في ظل محاولات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتكررة لإحياء الحوار الثنائي الذي بدأه خلال فترته الأولى، كما تعزز أهمية كوريا الشمالية في النظرة الاستراتيجية لبكين موقف كيم لتجنب أي حوار يتركّز حول نزع السلاح، مع تركيز الضغط على واشنطن للاعتراف بكوريا الشمالية كدولة نووية، وإضعاف التحالف الأمريكي-الكوري الجنوبي، من خلال تعديل المناورات العسكرية المشتركة أو تحديث القوات الأمريكية في شبه الجزيرة الكورية، ما يمنح قوات الولايات المتحدة في كوريا مرونة استراتيجية لنشرها في مناطق أخرى من منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

كما يضع هذا الوضع عبئاً أكبر على الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لتنسيق استراتيجياتهما في مواجهة التحدي الكوري الشمالي، مع مراعاة التعقيدات الأوسع للتنافس بين القوى العظمى بين واشنطن وبكين.

يُبرز التقدم الأخير الذي أحرزته كوريا الشمالية في قدراتها النووية خلال السنوات الماضية محاولتها التلاعب بالتنافس الأمريكي-الصيني لصالحها، حيث يُشير الكشف عن صاروخ هواسونغ-20 العابر للقارات خلال العرض العسكري الذي أُقيم في أكتوبر في بيونغ يانغ أمام رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ، إلى أن بيونغ يانغ تُكثّف جهودها لتطوير أسلحتها النووية في إطار مساعيها للضغط على كلٍ من بكين وواشنطن للاعتراف بوضعها كدولة نووية، ما يُوحي بأن بيونغ يانغ تعتزم استخدام ترسانتها ليس للدفاع فحسب، بل كأداة دبلوماسية لضمان شرعية النظام الدائمة ورفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها.

أدى ترسيخ الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين روسيا وكوريا الشمالية إلى توسيع البرنامج النووي الكوري الشمالي وقدرته على النفوذ الاستراتيجي بشكل جوهري، مع إعادة إحياء سياسة بيونغ يانغ الخارجية التي تعود لعهد الحرب الباردة، القائمة على التذبذب بين بكين وموسكو لتعزيز موقعها الاستراتيجي.

وتتيح هذه التنسيقات المتنامية لكوريا الشمالية، تبادل الذخائر التقليدية والكوادر مقابل التكنولوجيا الروسية الحساسة في مجال الأسلحة المتقدمة، وبينما تظل الصين حذرة من التأثير المزعزع للاستقرار لموسكو على شبه الجزيرة الكورية، فقد اضطرت إلى تبني تقارب منسّق بين موسكو وبيونغ يانغ، مع إعطاء الأولوية للحفاظ على منطقة عازلة استراتيجية على حساب منع الانتشار النووي.

الصين اضطرت إلى تبني تقارب منسّق بين موسكو وبيونغ يانغ مع إعطاء الأولوية للحفاظ على منطقة عازلة استراتيجية على حساب منع الانتشار النووي

استراتيجية الأمن القومي الأمريكية  

تشكل التحولات الاستراتيجية المجمعة الصادرة عن الصين والولايات المتحدة عامل تغيير جوهري في المشهد الأمني لكل من كوريا الجنوبية واليابان، ما يدفع كلا البلدين نحو تعزيز قدراتهما الدفاعية بشكل كبير وربما إعادة إشعال النقاش حول التسلح النووي.

وبالتزامن مع صدور الكتاب الأبيض الصيني الجديد، شهدت استراتيجية الأمن القومي الأمريكية في عهد إدارة ترامب غياباً ملحوظاً، إذ لم تذكر أياً من مسألة نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية أو كوريا الشمالية للمرة الأولى منذ التسعينيات، ما أثار تساؤلات عميقة حول التزام واشنطن طويل المدى بهذه القضية.

تُولي استراتيجية الأمن القومي الأمريكية (NSS) أهمية قصوى لنصف الكرة الغربي باعتباره أحد أهم شواغل الأمن القومي، داعيةً إلى إعادة تأكيد وتطبيق “ملحق ترامب” لمبدأ مونرو، حيث يتزامن هذا التوجه نحو نصف الكرة الغربي مع نهج أكثر تركيزاً على منطقة المحيطين الهندي والهادئ، يتمحور حول سلسلة الجزر الأولى، خط الدفاع الممتد من اليابان عبر تايوان والفلبين.

 وتؤكد الاستراتيجية ضرورة الحفاظ على قوة ردع قوية ووجود عسكري أمريكي في سلسلة الجزر الأولى لمواجهة تنامي القوة العسكرية الصينية ومنع أي تغيير أحادي الجانب للوضع الراهن في مضيق تايوان، مع التركيز على منع الصين من إلحاق الضرر بالاقتصاد الأمريكي، والحفاظ على حرية الملاحة في الممرات البحرية الحيوية، وضمان الوصول إلى سلاسل الإمداد ما يُخفف من حدة المنافسة الاستراتيجية مع الصين، ويركز على توازن القوى بدلًا من الهيمنة.

كما أن تراجع الجهود الأمريكية في ردع الصراع مع الصين خارج مضيق تايوان يضع التركيز على زيادة “تقاسم الأعباء” من قبل الحلفاء، مع ذكر خاص لكوريا الجنوبية واليابان، وتشير استراتيجية الأمن القومي إلى أن واشنطن يجب أن تحثّ هذين البلدين على زيادة إنفاقهما الدفاعي، مع التركيز على اكتساب القدرات اللازمة لردع الخصوم وحماية السلسلة الأولى للجزر.

يشير تجاهل شبه الجزيرة الكورية في استراتيجية الأمن القومي الأمريكية، إلى جانب التركيز على السلسلة البحرية الأولى للجزر، إلى أن الولايات المتحدة تعترف بمجالات النفوذ الخاصة بكل من بكين وواشنطن، وهو ما يثير القلق لدى صانعي السياسات في سيؤول بشأن التزام واشنطن المتراجع تجاه نزع السلاح النووي من كوريا الشمالية، بينما يُطالبان بالمساهمة في الدفاع عن السلسلة الأولى للجزر.

ويعيد هذا المطلب تعريف أدوار كل من سيؤول وطوكيو، إذ لم تعد مهمتهما تقتصر على الاعتماد بشكل أساسي على الولايات المتحدة لاحتواء تهديد كوريا الشمالية، بل يُتوقع منهما الإسهام بشكل كبير في جدول الأمن البحري الأوسع المتركز على مضيق تايوان، بينما تتحمل كوريا الجنوبية قيادة الدفاع التقليدي ضد كوريا الشمالية في شبه الجزيرة الكورية.

وهذه التحولات الجوهرية في أولويات الأمن القومي الأميركي ستزيد من المخاوف بشأن موثوقية التزام الولايات المتحدة بالردع الموسَّع تجاه كوريا الجنوبية واليابان، إذ يؤدي التآكل المتزامن في التزام الصين بمنع الانتشار النووي والطبيعة المشروطة للضمان الأمني الأميركي إلى خلق فراغ أمني حرج.

بالنسبة لكوريا الجنوبية، فإن هذا التلاقي للأحداث يزيد من الدفع المحلي نحو امتلاك قدرات نووية مستقلة، إذ تتجاوز نسبة الرأي العام المؤيد لامتلاك الأسلحة النووية المحلية 70%، مدفوعةً بواقع البرنامج النووي الكوري الشمالي غير المنضبط وفقدان الثقة في أن الولايات المتحدة ستخاطر بنيويورك للدفاع عن سيؤول، وإن القبول الضمني للصين وإغفال واشنطن مناقشة الأسلحة النووية لكوريا الشمالية يؤكد المخاوف من أن أمن كوريا الجنوبية أصبح الآن تابعاً للتنافس الأمريكي-الصيني، ما يجعل اقتناء رادع نووي محلي خياراً مفضلاً بشدة لضمان السيادة وتحقيق تكافؤ بحكم الواقع.

أمن كوريا الجنوبية أصبح الآن تابعاً للتنافس الأمريكي-الصيني ما يجعل اقتناء رادع نووي محلي خياراً مفضلاً بشدة لضمان السيادة وتحقيق تكافؤ بحكم الواقع

رغم التزام اليابان الراسخ بمبدأ عدم امتلاك أسلحة نووية، إلا أنها تواجه معضلة مماثلة مع تزايد التهديد النووي من الصين وكوريا الشمالية، ما يدفعها إلى تغيير سياستها الدفاعية، حيث التزمت اليابان بالفعل برفع إنفاقها الدفاعي إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي، واكتساب قدرات هجومية مضادة بعيدة المدى، وإذا أدت القدرات الصينية المعززة إلى إضعاف فعالية الردع الأمريكي، إلى جانب تلميحات واشنطن بتقليص التزاماتها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، فقد يصبح الضغط الاستراتيجي لكسر المحظور النووي واقعاً ملموساً.

صواريخ DF-31BJ الباليستية العابرة للقارات خلال عرض عسكري في ميدان تيانانمن ببكين (أ ف ب)

 يشكّل التحوّل في السياسة النووية الصينية والمتطلبات التبادلية لإدارة ترامب قوتين تدفعان كوريا الجنوبية واليابان نحو تعزيز قدراتهما النووية، فبتغاضي الصين عن ترسانة كوريا الشمالية، فإنها عززت بشكل غير مقصود المبرر الأمني لجيرانها لامتلاك الأسلحة النووية، ما يدفع الحليفين الرئيسيين للولايات المتحدة نحو مزيد من الاستقلال العسكري وربما يؤدي إلى انتشار نووي في شمال شرق آسيا وهي النتيجة ذاتها التي سعت كل من الولايات المتحدة والصين منذ زمن طويل إلى منعها.

السيناريو الأول: تسارع التسلح النووي

إن قبول الصين بوجود كوريا شمالية نووية، وما يُنظر إليه على أنه ردع أمريكي موسع ذو طابع تبادلي، يؤدي إلى تحول سريع في الأمن الكوري الجنوبي والياباني، حيث تواجه سيؤول ضغوطاً لامتلاك قوة ردع نووية محلية، معلنةً عن نيتها امتلاك أسلحة نووية، في الوقت نفسه، تُسرّع طوكيو من تطوير صواريخ مضادة بعيدة المدى، وتعيد تقييم مبادئها غير النووية، ما يُشير إلى توجه نحو مزيد من الاستقلال العسكري، واحتمالية نشوب سباق تسلح نووي إقليمي، مُبرراً بتوسع الترسانة الصينية وتراجع الالتزام الأمريكي.

 السيناريو 2: التكيف الاستراتيجي

تتنازل سياسة بكين الجديدة ضمنياً عن نزع السلاح النووي، ما يشكل تحولاً جيوسياسياً تعترف به الولايات المتحدة وهي توجه اهتمامها نحو الأمريكيتين والسلسلة الأولى للجزر، حيث يؤدي ذلك إلى تسوية استراتيجية تفاوضية، وتؤمن الصين شبه الجزيرة الكورية كمجال نفوذ خاص بها، مع إدارة كوريا الشمالية والحد من الوجود العسكري الأمريكي خارج مضيق تايوان، كما تتحمل كوريا الجنوبية دور القيادة في الدفاع عن شبه الجزيرة الكورية بشكل غير طوعي، بينما تُدمج قواتها الجوية والبحرية ضمن الدفاع عن السلسلة الأولى للجزر بقيادة الولايات المتحدة.

السيناريو الثالث: قمة من أجل الاستقرار

بسبب تفضيل ترامب للدبلوماسية المركزية وإغفال “نزع السلاح النووي” في استراتيجية الأمن القومي، من المقرر عقد قمة رابعة مع كيم جونغ أون خلال ولايته الثانية، وسيركز الاجتماع على “التعايش السلمي” و”خفض المخاطر” بدلاً من نزع السلاح النووي الكامل، وقد يُفضي الاتفاق الناتج إلى تجميد التجارب النووية مقابل تخفيف محدود ومؤقت للعقوبات، وبينما ترحب بكين بهذا الاتفاق لما له من أثر إيجابي على استقرار شبه الجزيرة الكورية، قد تخشى سيؤول وطوكيو من أن يُضفي ذلك شرعية على الترسانة النووية الحالية لكوريا الشمالية.

بالمحصلة، غيّرت الصين طريقة إدراكها لشبه الجزيرة الكورية، وكذلك أسلوب تعاملها مع مصالحها الأمنية هناك، مع استمرار تعمّق المنافسة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وفي الوقت الذي تطوّر فيه الصين قدراتها في مجال الأسلحة النووية، فإنها تقدّم أيضاً دعماً لكوريا الشمالية في تطوير قدراتها النووية الخاصة، وسيؤدي ذلك إلى ظهور أسلوب جديد في تطبيق الردع في المنطقة.

وفي نهاية المطاف، يُرجَّح أن تسهم هذه التحولات في تقويض مصداقية الردع الموسّع الذي تقدمه الولايات المتحدة، وخلق ضغوط إضافية طويلة الأمد تدفع نحو انتشار الأسلحة النووية في شمال شرق آسيا.