لا تسعى تركيا إلى عرقلة التعاون بين اليونان وقبرص وإسرائيل بشكل مباشر، بل تعمل على ضمان ألّا يتحول إلى الإطار المنظِّم الذي يحدد موازين القوى في شرق البحر المتوسط، حيث يعتمد نجاحها على قدرتها في الحفاظ على حالة من التنافس السياسي والعملياتي، بما يؤدي إلى إبطاء توطيد هذا التعاون الثلاثي لأطول فترة ممكنة.
غالبًا ما يُوصف انتقاد تركيا للتعاون الثلاثي بأنه مجرد رسائل دبلوماسية، إلا أن التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية التركي هاكان فيدان تكشف أبعاداً أعمق من ذلك، فعندما وصف هذا التعاون بأنه محاولة لـ”تطويق” تركيا، واعتبر أنه “يخلق مزيداً من المشكلات” و”يقود إلى الحرب”، لم يكن يعبّر فقط عن موقفٍ معارض، بل أعاد تأطير هذا التعاون بوصفه مصدراً لعدم الاستقرار بدلاً من كونه عاملاً له، وبذلك، سعى إلى تقويض الفرضية الأساسية التي تطرحها اليونان وقبرص وإسرائيل، والقائلة إن تعاونها يسهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي.
هذا ليس سوى الجانب الظاهر من استراتيجية أنقرة، إذ تربط هذه التصريحات بين الخطاب السياسي وجهد أوسع يهدف إلى إضعاف ادعاء التعاون الثلاثي بأنه إطار يحقق الاستقرار، وعند اقترانها بالمطالبات البحرية التركية، والتحركات العسكرية البحرية، وأنشطة التنقيب في شرق البحر المتوسط، تصبح هذه الرسائل جزءاً من محاولة أشمل لمنع اليونان وقبرص وإسرائيل من تحويل تعاونها المتكرر إلى إطار إقليمي مستقر.
وفي هذا السياق، لا يمكن النظر إلى تصريحات هاكان فيدان بمعزل عن السياق الأوسع، إذ تتكامل مع الأنشطة البحرية التركية والمطالبات القانونية المصاحبة لها، والتي تسعى إلى التشكيك في شرعية هذا التحالف الثلاثي وتعقيد أجندته المتعلقة بالطاقة والأمن والبنية التحتية.
مع تعمّق التعاون الثلاثي، باتت الردود التركية تستهدف بصورة متزايدة ليس فقط المشروعات أو الاجتماعات المحددة، بل أيضاً الظروف التي قد تتيح لهذا التحالف التحول إلى إطار دائم ومستقر، ومن هذا المنطلق، لا تسعى أنقرة إلى منع التعاون بحد ذاته، بل إلى إبقاء إطار التعاون بين اليونان وقبرص وإسرائيل غير مكتمل، ومحاطاً بحالة من الجدل والتنافس، وغير قادر على فرض نفسه بوصفه الإطار المنفرد لتنظيم التفاعلات والتنسيق في شرق البحر المتوسط.
لا تسعى تركيا إلى منع التعاون بحد ذاته بل إبقاء إطاره غير مكتمل ومحاطاً بحالة من الجدل والتنافس وغير قادر على التنسيق في شرق البحر المتوسط
ومع ذلك، استمر التعاون الثلاثي، بل وتعزز على مدار عدة سنوات، وهو ما يبرز حدود المقاربة التركية وقيودها، وبالتالي، يواصل هذا الإطار الثلاثي التقدم، حتى وإن ظل توطيده معرضاً للتوترات وحالة من التنافس الاستراتيجي المستمر.
اليوم، ولِفهم ما تسعى تركيا إلى تقييده، لا بد من تتبّع كيفية تطور إطار التعاون بين اليونان وقبرص وإسرائيل، فما بدأ في الأصل كتعاون في مجال الطاقة، توسّع تدريجياً ليشمل نمطاً أوسع من التنسيق السياسي والعسكري والدبلوماسي، الأمر الذي زاد من قدرته على التحول إلى إطار إقليمي مؤثر.
وقد نشأ هذا التعاون الثلاثي عقب اكتشافات الغاز البحرية في أوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، إذ وفّر اكتشاف حقل “ليفياثان” الإسرائيلي وحقل “أفروديت” القبرصي دوافع قوية للتعاون في مجالات الاستخراج والتخطيط للتصدير، لذلك، ركّزت المناقشات الأولى على مشاريع البنية التحتية، ولا سيما مشروع خط أنابيب “إيست ميد”.

منذ عام 2016، أصبح هذا الإطار أكثر انتظاماً واستمرارية، إذ أسهمت القمم التي جمعت قادة أثينا ونيقوسيا وتل أبيب في إنشاء آلية متكررة للتشاور السياسي بين الأطراف الثلاثة، وتعزز هذا المسار عام 2019 من خلال صيغة “3+1” بمشاركة الولايات المتحدة، ما أدى إلى توسيع أجندة التعاون لتشمل أمن الطاقة والبنية التحتية والاستقرار الإقليمي.
وخلال السنوات الخمس التالية، عززت مبادرات موازية هذا التعاون بصورة أكبر، فقد منح منتدى غاز شرق المتوسط التعاون القائم في مجال الطاقة طابعاً مؤسسياُ أكثر وضوحاُ، كما توسعت المناورات العسكرية، مثل: نوبل دينا، من حيث النطاق والأهمية، في حين عمّقت اليونان وإسرائيل علاقاتهما الدفاعية عبر اتفاق مركز التدريب في كالاماتا عام 2021.
ومع تعمّق هذا التعاون ، أصبح تأطيره السياسي أكثر وضوحاً وصراحة، فقد باتت اليونان وقبرص وإسرائيل تقدّم هذا التعاون الثلاثي باعتباره هيكلاً يرسّخ الاستقرار في شرق البحر المتوسط، واصفةً إياه بأنه “محور استراتيجي قوي” وعنصر داعم للاستقرار الإقليمي، مع العمل على تكريسه بوصفه إطاراً شرعياً للتعاون في مجالات الطاقة والبنية التحتية والأمن.
ورغم أن هذا التعاون الثلاثي لا يُعدّ تحالفاً رسمياً، إلا أنه أرسى تفاعلات متكررة في مجالات الطاقة والدبلوماسية والدفاع، ما منحه وزناً متزايداً في تشكيل نمط التعاون في شرق البحر المتوسط، وهذا تحديداً ما تسعى تركيا إلى منازعته والطعن فيه.
تعكس الاستجابة التركية سعي أنقرة إلى الحفاظ على استقلاليتها بين مراكز القوى الغربية وغيرها، فهي لا تزال عضواً في حلف شمال الأطلسي “الناتو”، وتحافظ في الوقت نفسه على علاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا، بينما تتعاون أيضاً مع روسيا في ملفات مثل سوريا والطاقة، حيث يتيح هذا التموضع لتركيا أن تتحرك كقطب مستقل نسبياً، بدلاً من كونها فاعلاً مندمجاً بالكامل في محور واحد.
وخلال حرب أوكرانيا، حافظت أنقرة على علاقاتها مع كييف وموسكو، وساهمت في تسهيل اتفاقيات مثل مبادرة حبوب البحر الأسود، وتجنبت الانحياز الكامل للعقوبات الغربية، حيث تُظهر هذه الخيارات نمطاً ثابتاً من تعدد التدخلات، يهدف إلى الحفاظ على النفوذ عبر الكتل المتنافسة بدلاً من الالتزام الكامل بأحدها.
كما يُشكّل هذا المنطق إطاراً لفهم رؤية أنقرة تجاه شرق البحر المتوسط، فالتحالف بين اليونان وقبرص وإسرائيل وشركاء غربيين لا يُنظر إليه باعتباره تنسيقاً محايداً، بل بوصفه اصطفافاً قد يحدّ من هامش حركة تركيا في نزاعات الحدود البحرية وتخطيط الطاقة والأمن الإقليمي.
ولا تكمن الإشكالية في الإقصاء الرسمي، إذ إن هذا الإطار الثلاثي ليس مؤسسة مغلقة، بل إن مصدر القلق التركي يتمثل في التراكم التدريجي للتأثير، فالتكرار المستمر للقمم والمناورات العسكرية ومبادرات البنية التحتية قد يؤدي إلى ترسيخ ممارسات إقليمية مستقرة حتى في غياب الطابع المؤسسي الرسم، وإذا ما استقر هذا الإطار، فقد يؤثر في تصورات الشرعية وقابلية التطبيق العملي للتعاون الإقليمي، حتى دون مشاركة تركيا فيه.
لذلك، لا يتمثل هدف تركيا في مجرد معارضة المبادرات الفردية، بل في منع إطار التعاون بين اليونان وقبرص وإسرائيل من اكتساب سلطة أو مصداقية بوصفه إطاراً إقليمياً قد يقيّد استقلالية أنقرة، وغالباً ما تأتي الرسائل التركية كردّ فعل بعد المناورات العسكرية أو اتفاقيات الدفاع أو القمم، بحيث ترتبط خطابات أنقرة بتطورات ملموسة بدلاً من معارضة دبلوماسية عامة.
لا يتمثل هدف تركيا في مجرد معارضة المبادرات الفردية بل في منع إطار التعاون بين اليونان وقبرص وإسرائيل من اكتساب سلطة أو مصداقية
وفي أبريل 2026، انتقد هاكان فيدان هذا الإطار في أعقاب تصاعد التعاون الدفاعي بين اليونان وإسرائيل، واعتبر أن هذا التعاون يحمل دلالات استراتيجية مهمة، وقد تكرّر نمط مشابه عام 2020 خلال النقاشات حول مشروع خط أنابيب “إيست ميد”، حيث وصف مسؤولون أتراك المشروع بأنه ذو طابع إقصائي.
في كلتا الحالتين، ردّت أنقرة على التقدّم الملموس في التعاون الثلاثي عبر الطعن في دلالاته ومعانيه، حيث لم يكن الهدف وقف هذا التحالف بشكل فوري، بل إعادة تشكيل طريقة فهم المبادرات المختلفة لدى الجمهور الأوسع، فالنشاطات التي تعرضها اليونان وقبرص وإسرائيل بوصفها إجراءات تقنية أو اقتصادية أو عوامل استقرار، تعيد تركيا تأطيرها بوصفها ذات طابع سياسي في المقام الأول.
كما أن توقيت التصريحات التركية يحمل أهمية خاصة، إذ تستهدف رسائل أنقرة اللحظات التي يكتسب فيها إطار اليونان-قبرص-إسرائيل مزيداً من الظهور أو الثقل الاستراتيجي، وبهذا، تعمل هذه الرسائل على إضعاف شرعية هذا الإطار قبل أن تتحول مبادراته إلى أمر طبيعي ومقبول إقليمياً.
إضافة إلى ذلك، تسعى أنقرة إلى منع انضمام دول أخرى إلى هذا التعاون، بما يحدّ من احتمالات توسّعه وتوطيده كهيكل إقليمي أوسع.
تتعزّز الرسائل التركية عبر إجراءات تؤثر في عملية التنفيذ الفعلي على الأرض، فقد أسّس الاتفاق البحري بين تركيا وليبيا عام 2019 ممراً يمتد عبر شرق البحر المتوسط، ويتقاطع مع المواقف اليونانية والقبرصية ومع مسارات الطاقة المقترحة في المنطقة، ما أدخل إطاراً بحرياً منافساً أثّر في عمليات التخطيط الإقليمي.
وبسبب ذلك، اضطرت مشاريع البنية التحتية والطاقة المرتبطة بالتعاون الثلاثي إلى أخذ عوامل مثل تداخل ادعاءات السيادة، وعدم اليقين القانوني، واحتمال النشاط العملياتي التركي بعين الاعتبار.
وعزّزت تركيا هذا الموقف على المستوى البحري، ففي عام 2020، أجرت سفينة “أوروتش رئيس” مسوحات زلزالية بالقرب من جزيرة كاستيلوريزو، بمرافقة وحدات من البحرية التركية، حيث أظهرت هذه العملية كيف يمكن أن يتحول الخلاف القانوني إلى ضغط عملياتي على الأرض وفي البحر، كما عملت سفن الحفر التركية مثل ياووز وفاتح في مناطق منحت تراخيصها جمهورية قبرص، بينما تعتبرها تركيا مناطق متنازعاً عليها.
ومع ذلك، فإن هذه الإجراءات لم توقف التعاون بين اليونان وقبرص وإسرائيل، بل أدت فقط إلى تغيير الظروف التي يمكن أن تتقدم فيها المشاريع، حيث استمرت المبادرات في مجالات الطاقة والبنية التحتية والملاحة البحرية، لكنها لم تعد تُنفّذ بوصفها عمليات تقنية بحتة أو خالية من الجدل.
وبهذا المعنى، تمنح الإجراءات المادية التركية وزناً عملياً لرسائلها السياسية، إذ تسهم في تقليص قدرة المبادرات الثلاثية على التحول إلى نتائج إقليمية مستقرة من دون أخذ المعارضة التركية الصريحة في الاعتبار.
لم يعد نطاق هذا التعاون يقتصر على تطوير الطاقة أو التخطيط للبنية التحتية أو التنسيق الدبلوماسي، إذ إن دور إسرائيل يضيف وزناً استراتيجياً أكبر لهذا الإطار الثلاثي، من خلال ربطه بسياقات الصراع الإقليمي المستمر.
وفي ظل تصاعد المواجهة مع إيران في عام 2026، أصبح شرق البحر المتوسط أكثر ارتباطاً بالديناميكيات الأمنية الفاعلة في الشرق الأوسط الأوسع، ما جعل هذا التعاون جزءاً من مشهد إقليمي أكثر تعقيداً وترابطاً.
ويكتسب هذا التحول أهمية بالغة كون إسرائيل تُدخل إلى هذا الإطار قدرات عسكرية ومتطلبات عملياتية وأولويات أمنية، وبالتالي، أصبح التعاون مع اليونان وقبرص يتقاطع مع قضايا مثل الوصول اللوجستي، والاستجابة للأزمات، والردع.
ومن منظور تركيا، يرفع هذا التطور من مستوى الرهانات، فالإطار الذي يرتبط بالاحتياجات الأمنية الإسرائيلية، والنشاط الأمريكي، وديناميكيات الصراع الإقليمي، يكتسب أهمية عملياتية أكبر، ويصبح أكثر حساسية في الحسابات الاستراتيجية لأنقرة.
ومع ازدياد ارتباط هذا التعاون الثلاثي بقضايا الأمن، تصبح الرسائل التركية أكثر تأثيراً وأهمية، حيث يعكس توصيف فيدان لهذا الإطار بأنه عامل مزعزع للاستقرار قلق أنقرة من احتمال تحوله إلى بنية إقليمية ذات طابع أمني أكثر رسوخاً.
مع ازدياد ارتباط التعاون الثلاثي بقضايا الأمن تصبح الرسائل التركية أكثر تأثيراً وأهمي حيث يعكس توصيف فيدان لهذا الإطار بأنه عامل مزعزع للاستقرار
كما أن البعد العسكري الإسرائيلي يعزّز المنطق الذي تقوم عليه الاستجابة التركية، فكلما ازداد ارتباط هذا التعاون بالتطورات الأمنية الفعلية، ازدادت حوافز أنقرة للطعن في شرعيته والحد من ترسيخه، بما يمنع تحوله إلى إطار إقليمي مستقر ومؤثر دون مشاركة تركيا.
يسهم الفاعلون الخارجيون في تعزيز الثقل الاستراتيجي للتعاون بين اليونان وقبرص وإسرائيل، إذ إن انخراط الولايات المتحدة عبر صيغة “3+1” يمنح هذا التحالف دعماً سياسياً، ويربطه بعمليات التخطيط الغربية الأوسع في شرق البحر المتوسط.
وفي ضوء حرب أوكرانيا، يضيف الدعم الأوروبي لسياسات تنويع مصادر الطاقة وما يرتبط بها من مشاريع البنية التحتية طبقة إضافية من الأهمية لهذا التحالف، كما تسهم أطراف أخرى في توسيع نطاقه؛ إذ عززت فرنسا انخراطها عبر التعاون الدفاعي مع اليونان وقبرص، بينما تلعب مصر دوراً في تنسيق ملفات الطاقة والدبلوماسية الإقليمية، ولا سيما ضمن إطار منتدى غاز شرق المتوسط.
وبذلك، تتجاوز هذه الروابط حدود الترتيب الثلاثي الضيق، لتمنحه امتداداً أوسع ضمن شبكة إقليمية ودولية أكثر تعقيداً.
بالنسبة لتركيا، يغيّر التدخل الخارجي طريقة فهم هذا الإطار، فلم يعد التعاون الثلاثي يبدو مبادرة إقليمية محدودة، بل أصبح جزءاً من اصطفاف أوسع يضم فاعلين غربيين وإقليميين، وهو ما يعزز من مصداقيته، لكنه في الوقت نفسه يرفع من مستوى حساسيته الاستراتيجية من منظور أنقرة.
وبالتالي، فإن الدعم الخارجي لهذا التعاون الثلاثي ينتج أثراً مزدوجاً: فهو من جهة يقوّي الأهمية السياسية والعملياتية للتحالف، ومن جهة أخرى يجعله هدفاً أكثر مباشرة للردود التركية، وكلما ازداد عدد الأطراف المنخرطة فيه، ازدادت حوافز أنقرة للطعن في شرعيته والحد من ترسيخه.
تتطور هذه الديناميكيات في بيئة تتداخل فيها النزاعات القانونية مع النشاط العسكري وتطوير مشاريع الطاقة، ففي شرق البحر المتوسط وبحر إيجه، يمكن للإجراءات الروتينية أن تكتسب دلالات استراتيجية لأنها تحدث داخل فضاءات متنازع عليها.
في بحر إيجه، تقوم الطائرات اليونانية والتركية بعمليات اعتراض بشكل متكرر حول جزر مثل ليسبوس وخيوس ورودس، وعلى المستوى البحري، تعمل الوحدات البحرية في مناطق متقاربة ضمن مساحات تعتبرها تركيا محل نزاع.
ورغم أن هذه التفاعلات لا تنجم مباشرة عن التعاون الثلاثي، إلا أنها تشكّل البيئة الأوسع التي تتم فيها عملية الاعتراض التركي على هذا الإطار، وتؤثر في طبيعة التنافس الاستراتيجي في المنطقة.
في جنوب قبرص، تتولى شركات دولية عمليات استكشاف الطاقة بدعم من أطراف خارجية، وفي المقابل، تؤدي العمليات التركية في مناطق منحت تراخيصها جمهورية قبرص إلى زيادة حالة عدم اليقين وتعزيز التنازع على الادعاءات السيادية المتضاربة، ونتيجة لذلك، يظل تطوير مشاريع الطاقة معرضاً لكل من الخلاف السياسي والمخاطر العملياتية.
اليوم، تمنح هذه البيئة الرسائل التركية أثراً عملياً ملموساً، إذ تُستخدم التصريحات السياسية لتأطير التعاون الثلاثي بوصفه عاملاً مزعزعاً للاستقرار، بينما تؤثر الأنشطة البحرية والعمليات العسكرية في التنفيذ الفعلي للمشاريع.
والنتيجة هي تكرار لنمط مألوف: يستمر التعاون بين اليونان وقبرص وإسرائيل في التقدم، لكن الردود التركية تمنع هذا التقدم من أن يتم دون منازعة أو اعتراض مستمر.

أنتجت المقاربة التركية آثاراً محدودة لكنها ملموسة، إذ توسّع التعاون بين اليونان وقبرص وإسرائيل ليشمل مجالات الطاقة والدبلوماسية والدفاع، لكنه لم يستقر بعد في إطار قادر على إنتاج نتائج غير محلّ نزاع، حيث تظل المشاريع عرضة للتوترات العملياتية والمعارضة التركية.
من جهة أخرى، لم تنجح تركيا في وقف هذا التحالف الثلاثي، وهو ما يكشف حداً واضحاً في الاستراتيجية الحالية لأنقرة، فعلى الرغم من جهودها، يستمر هذا التعاون في التعمّق بمرور الوقت، كما أن مشاركة الفاعلين الخارجيين زادت من وزنه السياسي، وفي الوقت نفسه، أثّرت أنقرة في الظروف التي يتطور ضمنها هذا التحالف، بما جعل مسار توطيده أكثر تعقيداً وأقل استقراراً.
في هذا السياق، لا يعني النجاح منع التعاون بشكل كامل، بل يتمثل في فرض قيود عملياتية وسياسية تُعقّد عملية تحويل التفاعل المتكرر إلى سلطة مستقرة قادرة على وضع القواعد في شرق البحر المتوسط.
ومن المرجح أن يتجه المسار المستقبلي نحو استمرار التفاعل، لكن ضمن تعاون تحكمه ضغوط متنافسة بدلاً من عملية ترسيخ خطية ومباشرة، ومع تعمّق التعاون الثلاثي، يُتوقع أن تستمر الردود التركية عبر الخطاب السياسي، والمطالبات البحرية، والتحركات العملياتية، ومع ذلك، فإن هذه الردود وحدها لن تكون العامل الحاسم في تحديد ما إذا كان هذا التعاون الثلاثي سيتحول إلى بنية إقليمية مستقرة وراسخة أم لا.
مع تعمّق التعاون الثلاثي يُتوقع أن تستمر الردود التركية لكنها لن تكون العامل الحاسم في تحديد ما إذا كان هذا الإطار سيتحول إلى بنية إقليمية مستقرة أم لا
قد يؤدي تعزيز الدعم الأمريكي إلى زيادة الوزن السياسي للتحالف الثلاثي وتسهيل تعميق التنسيق بين أطرافه، لكن من منظور واقعي، من المرجح أن يؤدي ارتفاع مستوى الانخراط الأمريكي إلى تعزيز إدراك تركيا لهذا الإطار باعتباره اصطفافاً موازناً يستهدف تقليص هامش حركتها، ومن شأن ذلك أن يفاقم حالة التنافس، إذ يُتوقع أن ترد أنقرة بإجراءات مضادة على المستويين السياسي والعملياتي.
في المحصلة، من المرجح أن يظل شرق البحر المتوسط ساحة يترافق فيها استمرار التعاون بين اليونان وقبرص وإسرائيل مع استمرار الاعتراض التركي، وقد يتعمّق هذا التحالف الثلاثي، لا سيما في مجالي الدفاع والبنية التحتية، لكنه سيظل يواجه قيودًا سياسية وعملياتية تمنع تحوله إلى الإطار المهيمن الذي يحدد شكل النظام الإقليمي في شرق المتوسط.