تمر إيران بمرحلة جديدة من التوتر، فبرغم تمكنها، عبر حملة قمع أمنية قاسية، من احتواء حدة الاحتجاجات الشعبية في العديد من المدن، يقف النظام الإيراني اليوم أمام منعطف تاريخي، ليس فقط بسبب حجم المظاهرات، بل بسبب التحول الجوهري في طبيعة الخطاب الاحتجاجي، الذي تغيّر من “المطالب” إلى “الشرعية”.
النظام الإيراني، وكعادته، تعامل مع الاحتجاجات بشكل أمني بحت وقمع صارم، أدى إلى مئات الوفيات والجرحى، ناهيك عن المعتقلين، الذين لا يعلم أحد أعدادهم أو مصيرهم، ما دفع كثيرين إلى الانسحاب من الشوارع، في ظل حملة شرسة من السلطات التي وصفت المحتجين بالإرهابيين والمدعومين من الخارج، بهدف إثارة الشغب وتقويض الأمن القومي.
على مدى ما يقارب 16 عاماً، شهد الشارع الإيراني العديد من الاحتجاجات، منها أربع موجات رئيسية، آخرها ما يزال مفتوحاً حتى اليوم، ومع كل موجة احتجاج جديدة، تغيّرت المطالب وارتفع سقفها، ومنذ بروز احتجاجات “الحركة الخضراء” عام 2009، شهدت إيران موجات متعددة من التظاهرات، كان أحدثها وما يزال مستمراً حتى الآن، وقد مثّلت احتجاجات 2017 بداية دورة احتجاجية مستدامة، بينما جاءت احتجاجات 2019 أوسع انتشاراً لكنها بقيت “مطلبية” إلى حد كبير، إذ اندلعت على خلفية ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة، وطالبت بتحسينات دون أن تتحدى صراحة نموذج الحكم أو توزيع السلطة.
في عام 2022، مرت إيران بموجة ثالثة من الاحتجاجات، تميزت بتوسع خلفيتها ومطالبها، وركّزت على الحرية وحقوق المرأة إلى جانب المطالب الاقتصادية المعروفة، وجاءت هذه الموجة عقب مقتل شابة كردية تُدعى مهسا أميني، ما وسّع القاعدة الاجتماعية للحراك وأدخل “الحرية” و”حقوق المرأة” كعناوين مركزية إلى جانب الاقتصاد، أما الاحتجاجات الأخيرة، فقد ذهبت أبعد من ذلك عبر تحدي “قدسية” موقع المرشد الأعلى نفسه والدعوة علناً لإسقاط نظامه، أو على الأقل المطالبة بإصلاحات بنيوية تعيد ضبط ميزان القوى بين مؤسسات الدولة.
الاحتجاجات الأخيرة ذهبت أبعد من ذلك عبر تحدي “قدسية” موقع المرشد الأعلى نفسه والدعوة علناً لإسقاط نظامه
ترافقت الاحتجاجات الحالية مع ضغط خارجي، مارسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عبر إرسال إشارات عديدة إلى المتظاهرين تؤكد وقوف واشنطن إلى جانبهم ودعمها لهم، إلى درجة مطالبة ترامب المحتجين بالسيطرة على المؤسسات الإيرانية، ووضعه خطاً أحمر للنظام الإيراني، يتمثل في عدم قتل المتظاهرين أو تنفيذ أحكام الإعدام بحق المعتقلين، وقد رفعت هذه الإشارات مؤقتاً الكلفة المتصوَّرة لأشد أشكال القمع، وعززت الانطباع بأن الإدارة الأمريكية، هذه المرة، لن تغضّ الطرف عن ممارسات القمع التي تنتهجها السلطات الإيرانية.

في 14 يناير 2026، وقف العالم، ولا سيما الشرق الأوسط، على قدم واحدة بانتظار الهجوم الأمريكي على إيران، وفي الوقت الذي كان الجميع يترقب فيه بدء تنفيذ الهجوم، صرّح ترامب من البيت الأبيض بأنه تلقى معلومات موثوقة تفيد بعدم وجود أي خطط لتنفيذ أحكام الإعدام بحق المحتجين، وأنه جرى إنهاء تنفيذ الأحكام التي كانت مقررة بحق أكثر من 800 شخص، وسواء كان هذا الإعلان ذا طابع رمزي أم تكتيكي، فقد أسهم في خفض مؤقت لمستوى الضغوط الخارجية، لتعود إيران مرة أخرى إلى نمطها المعتاد.
لم يكن تراجع ترامب تفصيلاً عابراً، فقد مثّل نهاية فترة قصيرة قيّدت فيها الضغوط الخارجية هامش مناورة النظام، ما أتاح له، مع انحسار تلك الضغوط، إعادة تفعيل كامل أدواته القمعية لسحق الاحتجاجات بأقل كلفة ممكنة على الصعيدين الدولي والسمعة السياسية.
ولم يكن هذا المشهد انعكاساً لتغيّر في سلوك الدولة، بقدر ما كشف عن قدرة النظام على امتصاص الضغوط تكتيكياً وانتظار زوالها، وسرعان ما تكررت الحلقة المألوفة: خرج المواطنون إلى الشوارع مطالبين بالحقوق والحريات، فردّت الدولة بقمع عنيف، ثم عادت الحياة تدريجياً إلى ما يُسمّى “الوضع الطبيعي”، وواصلت السلطات ممارساتها من دون أي مراجعة داخلية أو إقرار بأن إخفاق الاحتجاجات في تحقيق تغيير فوري لا يُعدّ انتصاراً للنظام.
يقول رئيس الوزراء البريطاني الراحل ونستون تشرشل: “ادرس التاريخ، فهناك تكمن أسرار الحكم”، فرغم كل التطورات والمستجدات التي يشهدها العالم، يبقى التاريخ بيت الحكمة وخلاصة التجارب، وقد يعيد نفسه مراراً وتكراراً بالأحداث ذاتها والنتائج نفسها، فالتاريخ، رغم تبدل الأزمنة، يظل مخزن خبرة تتكرر أنماطه عندما تتشابه الشروط.
ولعل ما حدث في إيران من احتجاجات قوبلت بقمع شديد ليس سوى إعادة لتاريخ قريب عاشته إيران ذاتها عام 1979، عندما أُسقط حكم الشاه محمد رضا بهلوي، ليتغير وجه إيران تماماً، وينقلب على كل ما كان قائماً قبل عودة الخميني إلى طهران قادماً من فرنسا، فما يجري اليوم من احتجاجات تُواجَه بقمع شديد، يشبه فصلاً من الماضي القريب الذي انتهى بإسقاط الشاه عام 1979، وهو ما أعاد تشكيل إيران جذرياً.
ما يجري اليوم من احتجاجات تُواجَه بقمع شديد يشبه فصلاً من الماضي القريب الذي انتهى بإسقاط الشاه عام 1979
لم تكن الثورة الإيرانية وليدة لحظة، بل بدأت إرهاصاتها منذ عام 1963، عندما أُوقدت شعلة الاحتجاجات ضد البرنامج الإصلاحي للشاه، المعروف بـ“الثورة البيضاء”، ولم تنقطع الاحتجاجات والمظاهرات على مدى 16 عاماً، رغم القمع الذي استخدمته منظمة المخابرات والأمن القومي “السافاك” ضد المتظاهرين، فقد أدرك الخميني وقياداته أهمية “الفكرة” في حشد الجماهير، وعدم الاتكاء فقط على المطالب المعيشية المرتبطة بتراجع الوضع الاقتصادي وارتفاع البطالة ومعدلات التضخم، فالثورة لم تُصنع في يوم واحد، بل تراكمت عبر احتجاجات ممتدة منذ 1963، وكان الخميني أكثر من فهم دور “الفكرة المركزية” في التعبئة، بدل الاكتفاء بالاقتصاد كرافعة وحيدة.
حملت فكرة “ولاية الفقيه” شعار حماية الشريعة والوقوف في وجه العمالة للغرب، وكانت أشرطة الكاسيت التي هرّبها أتباع الخميني إلى إيران وقوداً للثورة، وشحذاً لعزيمة المتظاهرين، حتى الوصول إلى مرحلة إسقاط النظام بأكمله، وكل ذلك جرى فيما كان الشاه جالساً على عرشه مطمئناً، دون أن يسأل نفسه السؤال الأهم: لماذا كل هذه الاحتجاجات منذ عام 1963؟ وما الذي يدفع المتظاهرين إلى الخروج، دون أن يردعهم الأمن أو تقلقهم ممارسات “السافاك” القمعية؟، ويبدو أن هذا السؤال لم يخطر على باله إلا وهو يقود طائرته “بوينغ 707” مغادراً إيران بلا عودة، فقد أصبح المنفى، لا الإصلاح، هو الردّ النهائي على أزمة أسيء فهمها طويلاً، ولم يمثّل رحيل الشاه مجرد نهاية لحكمه، بل شكّل انهيار نظام أخطأ حين اعتبر القمع مرادفاً للاستقرار.
إيران اليوم ليست بعيدة عن تلك اللحظة، فمنذ سنوات، والاحتجاجات المطلبية المنددة بالفساد وسوء الأوضاع الاقتصادية والبطالة مستمرة، فيما يزداد النظام توحشاً وخبرة في قمع المتظاهرين، وفي كل مرة تُخمَد التظاهرات، يعود النظام إلى نمط الحكم ذاته، كأن شيئاً لم يحدث.
إلا أن الوضع الآن قد يكون مختلفاً كلياً، فالمظاهرات التي اشتعلت عام 2022 وجدت “الفكرة”، إذ لم تكن مرتبطة بمطالب معيشية فقط، بل تغذت على حالة الغضب بعد مقتل الشابة الكردية مهسا أميني، فالاحتجاجات لم تكن فقط موجة جديدة، بل لحظة تبلورت فيها “الفكرة الجامعة” على نحو جعل المطالب تتجاوز الاقتصاد إلى معنى أوسع للحرية والكرامة.
وينسحب ذلك على الاحتجاجات الأخيرة، إذ لا تحرك الناس المطالب الاقتصادية وحدها، بل رفضهم الواضح لنمط الحكم ونظام ولاية الفقيه، ويؤكد ذلك انخراط فئات واسعة من الشعب في الاحتجاجات، وصولاً إلى طرح فكرة إسقاط النظام والثورة على ما يفرضه حكم المرشد، بحجة حماية الدين والأخلاق، فكما جاء الخميني بفكرة حماية الشريعة لخلع الشاه، قد يعيد التاريخ نفسه في مطالب المتظاهرين بخلع المرشد، دفاعاً عن الحقوق والحريات الشخصية.

على مدى 16 عاماً، لم يتراجع المتظاهرون الإيرانيون، فمع إخماد كل احتجاج، يعود الحراك أقوى وأكثر انتشاراً واتساعاً جغرافياً، تعبيراً عن سخط الناس ورفضهم لنظام يفرض الأخلاق والقيم والتقاليد بما يخدم مصالحه، دون مراعاة حقهم في العيش وفق معتقداتهم وأفكارهم، وكما كان الخميني يرسل أشرطة الكاسيت دفاعاً عما ادّعى أنه حماية للشريعة، يواجه النظام اليوم أدوات حديثة يمتلكها الشباب، يعلنون عبرها رفضهم للنظام برمته، ويستقطبون فئات وشرائح اجتماعية جديدة.
تأخر الشاه 16 عاماً قبل أن يواجه الحقيقة ويسأل نفسه السؤال الأهم: لماذا يخرج الناس ضد حكمه؟ وكانت النتيجة خسارة عرشه، والمرشد اليوم متأخر كثيراً في طرح السؤال ذاته، فيما يواصل النظام الإيراني الغرور الأمني نفسه الذي اطمأن له الشاه قبل عقود، وقد لا يحتاج الوضع الحالي إلى سنوات طويلة ليصل المرشد إلى لحظة “طائرة اللاعودة” الخاصة به.
يواصل النظام الإيراني الغرور الأمني نفسه الذي اطمأن له الشاه قبل عقود وقد لا يحتاج الوضع الحالي إلى سنوات طويلة ليصل المرشد إلى لحظة “طائرة اللاعودة” الخاصة به
التاريخ يعيد نفسه، فكما وفّرت دعوة الخميني إلى حماية الشريعة الإسلامية ومقاومة النفوذ الغربي الدافعَ الأيديولوجي لإسقاط الشاه، فإن تركيز الحركة الاحتجاجية الحالية على الحرية الفردية قد يفعل الشيء نفسه، إذا استمر النظام في تفضيل القسر على التكيّف، مؤدياً إلى إسقاط ولاية الفقيه.
ورغم كل التعويل على الدعم الخارجي والحشود العسكرية التي ترسلها الإدارة الأمريكية إلى المنطقة، سواء لضبط سلوك النظام الإيراني أو توجيه ضربة حاسمة له، فإن شرارة سقوطه بدأت فعلياً عام 2017، فالتاريخ يعيد نفسه عندما ترفض الأنظمة التعلم من دروسه، وعقد ونصف من الاحتجاجات كفيل، في النهاية، بتحطيم هيبة سلطة المرشد ونظامه، مهما عُقدت من صفقات أو تفاهمات مع العالم.
وبالمحصلة، ربما يكون فشل إدراك النخبة الحاكمة للواقع مكلفاً بقدر زخم الاحتجاجات، حين تختار العنف بدل التكيف، فتتكرر النتائج ذاتها عندما تُهمل دروس التاريخ.