تعاملت برلين مع الصين على مدى عقدين من الزمن باعتبارها حلاً اقتصادياً أكثر من كونها مشكلة جيوسياسية، إذ باعت شركات صناعة السيارات الألمانية في شنغهاي وشينزين أكثر مما باعت في شتوتغارت أو ميونيخ، وضخّت الشركات الكيميائية العملاقة مليارات الدولارات في المجمعات الصناعية الضخمة في الصين، بينما زوّدت بكين هذه الشركات بالأدوات اللازمة لتحقيق أكبر طفرة صناعية في العالم.
ولتَبْرير هذا التعامل، غطّى السياسيون هذه العلاقة بعقيدة تُعرَف باسم «التغيير عبر التجارة»، إذ كانت الفكرة السائدة أن دمج الصين في الأسواق العالمية سيجعلها أكثر ثراءً واستقراراً، وفي نهاية المطاف أكثر ليبرالية.
اليوم، لم يعد أحد في برلين يتحدث عن ذلك على نحوٍ جدي، فالصين هي الشريك التجاري الأهم لألمانيا، إذ بلغ حجم التجارة الخارجية 185.9 مليار يورو من يناير حتى سبتمبر 2025، ولا تزال سوقاً حيوية لبعض أبرز الشركات الألمانية، غير أن العلاقة المريحة التي ربطت “ورشة العالم” بالقوة الصناعية الأوروبية بدأت تتصدّع، بعدما حوّلت سياسة بكين الصناعية المدفوعة من الدولة زبوناً مربحاً إلى منافس شرس.
إضافة إلى ذلك، يبدو الاعتماد على العلاقات الاقتصادية هشاً وضعيفاً، كما أن صدمة ألمانيا بسبب الغاز الروسي -التي بلغت ذروتها بعد غزو أوكرانيا- أجبرت برلين على مواجهة سؤال جوهري: هل ارتُكب الخطأ نفسه مرتين؟.
تحاول ألمانيا الآن القيام بمهمة بالغة الصعوبة، تتمثل في تقليل انكشافها على الصين دون الإضرار بالعلاقة، أي تقليل المخاطر لا فك الارتباط، وسيحدّد مدى نجاح هذا التوازن ليس فقط مستقبل أوروبا الاقتصادي، بل أيضاً شكل التنافس الناشئ بين القوى العظمى.
تحاول ألمانيا الآن القيام بمهمة بالغة الصعوبة تتمثل في تقليل انكشافها على الصين دون الإضرار بالعلاقة
بدأت العلاقة الحديثة بتكامل بسيط وقوي، إذ كانت الصين بحاجة إلى الآلات والمواد الكيميائية والسيارات، وكانت ألمانيا متفوّقة في المجالات الثلاثة جميعها، وبعد انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001، نما حجم التجارة بين البلدين بمئات النِّسَب المئوية، وأصبحت الصين أكبر شريك تجاري لألمانيا في مجال البضائع، وفي الوقت الذي شعر فيه كثير من دول الغرب بـ”صدمة الصين”، استفاد المصدّرون الألمان من طفرة صينية هائلة.
سياسياً، بدت العلاقة شبه مثالية؛ ففي عام 2004 أعلنت برلين وبكين عن “شراكة استراتيجية”، ثم جرى ترقية هذه الشراكة بعد عقد إلى “شراكة استراتيجية شاملة”، وخلال فترة حكم أنغيلا ميركل، أصبحت المشاورات الحكومية أمراً روتينياً، وزارت الصين أكثر من أي زعيم غربي آخر، وعندما كانت تثار قضايا حقوق الإنسان أو مسألة التبت وتسبّب توترات، كان يجري التعامل معها بوصفها مضايقات محدودة لا مشكلات هيكلية.
وقد جسّدت ميركل الرؤية السائدة آنذاك، التي ترى أن التجارة والاستثمار قادران على ترويض السياسة؛ فبإدماج دولة استبدادية بعمق في نظام تجارة قائم على القواعد، اعتقدت ألمانيا أنها ستنجح تدريجياً في تكييف الصين وفق معايير هذا النظام، ولم يكن الاعتماد الاقتصادي المتبادل مربحاً فحسب، بل كان يُفترض أن يكون مُحوِّلاً.

سارعت الشركات الألمانية إلى الدخول في السوق الصينية، حيث أنشأت شركات صناعة السيارات مشاريع مشتركة ومصانع للتجميع، وأقامت شركات الآلات مصانع ومراكز خدمة، وأعلنت الشركات الكيميائية عن استثمارات بمليارات اليوروهات على طول الساحل الصيني.
وبحلول أواخر العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، أصبحت الصين بهدوء مركز الثقل للصناعة الألمانية، ففي عام 2010، كان هناك نحو 1,450 شركة ألمانية فرعية تعمل في الصين، بينما ارتفع هذا الرقم إلى نحو 2,400 بحلول عام 2020، وفقاً لبيانات مؤسسة بيرتيلسمان، حيث تضاعف حجم أعمالها الإجمالي خلال نفس الفترة، من نحو 123 مليار يورو في 2010 إلى نحو 331 مليار يورو في 2020، وهو تحول سريع إلى درجة أنه مرّ في برلين دون أن يُلاحَظ، رغم أنه أعاد تشكيل أساسات الصناعة الألمانية.
حتى ذلك الحين، كان توازن المخاطر غير متكافئ، حيث كانت ألمانيا تعتمد على الصين كسوق للنمو، بينما كانت الصين تعتمد على برلين كمورّد ومصدر للتكنولوجيا، ثم عملت الصين لاحقاً على تقليل هذا الاعتماد مع مرور الوقت، وطالما شعرت العلاقة بأنها مفيدة للطرفين، لم يرغب الكثيرون في برلين في النظر عن كثب إلى هذا التفاوت.
لكن كانت هناك تحذيرات، فقد أدى فائض الإنتاج الصيني في قطاعات الصلب والألواح الشمسية وبناء السفن إلى تقويض قدرة المنتجين الأوروبيين على المنافسة، وظلت فرص وصول الشركات الأجنبية إلى السوق غير متكافئة، كما دقّ استحواذ شركة صينية للأجهزة المنزلية على شركة “كوكا” الألمانية لصناعة الروبوتات في عام 2016 ناقوس الخطر في وزارة الاقتصاد وأجهزة الاستخبارات، واستجابة لذلك، تم تشديد إجراءات التدقيق في عمليات الاستحواذ الاستراتيجية.
لكن مثل هذه الحوادث كانت تُعامل كأعطال يمكن التحكم فيها ضمن نموذج ناجح بشكل عام، وحتى عندما بدأت الجمعية الصناعية الرئيسية في البلاد بالحديث عن الصين كمنافس نظامي، استمرت المستشارة في دفع اتفاقية استثمار طموحة بين الاتحاد الأوروبي والصين، ولم يكسر هذا الشعور بالارتياح سوى تقاطع سلسلة من الصدمات.
دفعت ثلاث قوى ألمانية إلى إعادة تقييم العلاقة:
أولاً، توقفت الصين عن أداء الدور الذي خصصته لها ألمانيا، فخلال قيادة شي جين بينغ، تبنّت بكين نموذج تطوير قومي تقوده الدولة بشكل صريح، وقد وضعت خطة “صنع في الصين 2025” كاستراتيجية للهيمنة على القطاعات التكنولوجية الرئيسية: الروبوتات، والفضاء الجوي، والسيارات الكهربائية، والذكاء الاصطناعي، وهي المجالات التي برعت فيها ألمانيا لفترة طويلة، وبفضل الدعم الحكومي، وقواعد الشراء، والضغط على الشركات الأجنبية لنقل الخبرات، تمكن المنافسون الصينيون من اللحاق بالركب سريعاً، وفي مجال السيارات الكهربائية والبطاريات، حققوا قفزة نوعية.
أما شركات صناعة السيارات الألمانية، التي كانت تهيمن على السوق الصينية، فقد واجهت الآن منافسين محليين ينتجون سيارات كهربائية أرخص وأكثر تطوراً ويصدرونها إلى أوروبا، وشهدت قطاعات الاتصالات، والسكك الحديدية فائقة السرعة، ومعدات الطاقة المتجددة أنماطاً مماثلة في كل قطاع، حيث تحولت الصين من سوق موثوق للصادرات عالية القيمة إلى منافس مباشر بدأ يقوّض حصة الشركات الألمانية في السوق المحلية، والصينية، وفي دول ثالثة.
تحولت الصين من سوق موثوق للصادرات عالية القيمة إلى منافس مباشر بدأ يقوّض حصة الشركات الألمانية في السوق المحلية والصينية وفي دول ثالثة
ثانياً، بدأت الصين تُظهر مدى سهولة تحويل الاعتماد المتبادل إلى ورقة ضغط، فعندما سمحت ليتوانيا لتايوان بفتح مكتب تمثيلي باسم “تايوان” بدلاً من “تايبيه”، قامت الصين بخنق صادرات ليتوانيا بهدوء وعرقلت البضائع التي تحتوي على مكونات ليتوانية، ونتيجة لذلك، أدرك صانعو السياسات الأوروبيون فجأة كيف يمكن استخدام سلسلة التوريد كسلاح.
كما راقب المسؤولون الألمان بقلق متزايد كيفية قيام بكين بتقييد المواد الأساسية، مثل الغاليوم والجرمانيوم المستخدمين في أشباه الموصلات، أو تلميحها إلى قيود مستقبلية على المعادن النادرة، حيث تهيمن الصين على تكرير العديد من المعادن الحيوية للتحول الأخضر، الذي تراهن عليه ألمانيا في مستقبلها الاقتصادي، وكل قيود تصدير جديدة، أو تهديد بها، جعلت مصطلح “الأمن الاقتصادي” يبدو أقل تجريداً.
في الوقت نفسه، كانت الشركات الصينية المملوكة للدولة تشتري حصصاً في البنية التحتية الأوروبية الحيوية، بما في ذلك الموانئ، وفي ألمانيا، أثار قرار مثير للجدل بالسماح لشركة شحن صينية كبيرة بالحصول على حصة، وإن كانت مخفضة، في محطة هامبورغ جدلاً وطنياً واسعاً، واتبعت المناقشات حول دور هواوي في شبكات الجيل الخامس مساراً مشابهاً: الانفتاح المبدئي، ثم تزايد المخاوف الأمنية، وأخيراً خطوة متأخرة لاستبعاد الموردين الصينيين من البنية التحتية الأساسية.
وكان الأثر التراكمي هو تحطيم الفكرة القائلة بأن التجارة يمكن عزلها عن الجغرافيا السياسية، حيث أصبحت الروابط الاقتصادية نفسها جزءاً من ساحة المعركة الجيوسياسية.
ثالثاً، اتسعت فجوة القيم، ولاحظ الألمان ذلك، فاحتجاز الصين الجماعي للأيغور، وقضية حكم هونغ كونغ الذاتي، والخطاب والمناورات العسكرية المتزايدة العدوانية حول تايوان جعلت من الصعب التعامل مع الاختلافات السياسية على أنها مجرد ضوضاء في الخلفية.
وعدت الحكومة الائتلافية الألمانية السابقة بسياسة خارجية “مبنية على القيم”، فقد ذكر اتفاق الائتلاف تايوان بشكل إيجابي لأول مرة، وانتقدت وزيرة الخارجية السابقة أنالينا بيربوك (الحزب الأخضر) سجل الصين في حقوق الإنسان بصراحة، ووصفت شي جين بينغ بالدكتاتور.
إذا كانت سياسة ميركل تجاه الصين قد استندت إلى نظرية تغيير متفائلة، فهذا يعني أنها بُنيت أيضاً على افتراض عملي يقول: “إن الفوائد الاقتصادية للترابط تفوق المخاطر”، لكن هذا الاعتقاد تحطّم على يد فلاديمير بوتين.
عندما غزت روسيا أوكرانيا عام 2022 واستخدمت الطاقة كسلاح، وجدت ألمانيا نفسها في سباق محموم لتعويض الإمدادات واستيعاب صدمة تاريخية في الأسعار.
كان الدرس المستفاد من السياسة تجاه الصين واضحاً وقاسياً، فإذا كانت ألمانيا معرضة للخطر الشديد من دولة نفطية متوسطة الحجم، فماذا يعني أن تكون معرضة للخطر بالقدر نفسه من قبل ثاني أكبر اقتصاد في العالم؟.
جاءت الاستجابة في مفهومين مترابطين يهيمنان اليوم على النقاشات الأوروبية: الأمن الاقتصادي وتقليل المخاطر، وعلى خلاف الخطاب الأميركي الذي يتحدث عن “فكّ الارتباط”، فإن تقليل المخاطر يقرّ بأن الصين ستظل فاعلاً لا غنى عنه في الاقتصاد العالمي، فالهدف ليس قطع العلاقات بالكامل، بل الحدّ من الاعتماد المفرط، مع تحصين القطاعات الحيوية، مثل التكنولوجيا المتقدمة، والمدخلات المرتبطة بالدفاع، والبنية التحتية الأساسية، والمواد الخام الاستراتيجية.
اعتمدت ألمانيا أول استراتيجية لها للأمن القومي، وكذلك أول استراتيجية مخصّصة للصين، اللتان تصفان بكين في آنٍ واحد بوصفها شريكاً ومنافساً وخصماً نظامياً، غير أنهما تؤكدان أن المنافسة والخصومة أصبحتا السمتين الغالبتين في العلاقة، كما تتعهدان بتشديد ضوابط التصدير، وتعزيز آليات تدقيق الاستثمارات، وإعادة توجيه أدوات تشجيع التجارة بما يحدّ من الانكشاف المفرط على أي دولة بعينها.
عملياً، ترجم ذلك إلى وضع حد أقصى للضمانات الحكومية للاستثمارات في الصين، في إشارة واضحة إلى الشركات بأن الدولة لم تعد مستعدة لتغطية توسّع غير محدود هناك، كما شمل ذلك دعم أدوات على مستوى الاتحاد الأوروبي لمواجهة الضغط الاقتصادي، والمساندة لمبادرات في مجالي البنية التحتية والمواد الخام تهدف إلى تقليص الاعتماد على الموردين الصينيين، وخلف هذا الخطاب، يبرز تحوّل واضح: ألمانيا تنتقل من التشجيع والتحفيز إلى إدارة المخاطر.
تُظهر الأرقام بالفعل هذا الاتجاه بوضوح، فرغم أن الصين، كما ذُكر سابقاً، استعادت موقعها بوصفها أكبر شريك تجاري لألمانيا متقدمةً على الولايات المتحدة، إلا أن جوهر المسألة يكمن في التفاصيل، فمن جهة، قفزت الواردات الألمانية من الصين إلى نحو 124.5 مليار يورو، مدفوعةً بالسلع الكهربائية والآلات.
ومن جهة أخرى، تراجعت الصادرات الألمانية إلى الصين بشكل حاد لتبلغ قرابة 61.4 مليار يورو، مسجّلة انخفاضاً نسبته 12%، ونتيجة لذلك، باتت ألمانيا تعاني عجزاً تجارياً ملحوظاً مع الصين، رغم أن حجم التبادل التجاري بين البلدين لا يزال ضخماً.
ألمانيا باتت تعاني عجزاً تجارياً ملحوظاً مع الصين رغم أن حجم التبادل التجاري بين البلدين لا يزال ضخماً
ما كان يُعدّ محركاً متنامياً للصادرات الألمانية، ألا وهو الطلب الصيني على الآلات والسيارات والسلع الصناعية الألمانية، قد توقف إلى حد كبير، حيث تراجع النمو، وتضاعفت التحديات التنظيمية، وأدت المنافسة من المنتجين المحليين الصينيين إلى تقويض الديناميكية السابقة، وفي الوقت نفسه، تستمر الواردات الصينية الرخيصة في غزو الأسواق الألمانية، بدءاً من الإلكترونيات الاستهلاكية وصولاً إلى مكونات السلع الرأسمالية، ما يخلّ بالتوازن بطريقة تبدو وكأنها عملية تراجع صناعي متزايدة.
بالنسبة للعديد من الشركات الألمانية، وخاصة في قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة، فقد تغيرت الحسابات لديها، حيث تضاءلت آمال التصدير، وازدادت أعباء الامتثال، وأصبح من الصعب تبرير المخاطر السياسية للتعامل التجاري مع بكين، وفي الوقت نفسه، لا تزال حفنة من المجموعات التجارية الكبرى، كشركات صناعة السيارات وعمالقة الكيماويات، تتعامل مع الصين كسوق رئيسية، وتعيد استثمار أرباحها وتدافع عن مواقعها، أما بالنسبة للاقتصاد الألماني ككل، فإن قصة التكامل المتزايد باستمرار تحل محلها حالة من التوازن الحذر: فالتجارة مع الصين لا تزال حيوية، لكن التكاليف والمخاطر الاستراتيجية تتزايد.
لا يزال المنطق الاقتصادي يعارض القطيعة التامة، فألمانيا لا تستطيع تحقيق أهدافها المناخية دون استيراد كميات هائلة من الألواح الشمسية والبطاريات والمعادن الحيوية، وهي قطاعات تهيمن عليها الصين، ولا تزال الصين تستفيد من الهندسة الألمانية والبرمجيات الصناعية وبعض الآلات المتطورة، كما أن عشرات الآلاف من الوظائف الألمانية مرتبطة بالأعمال التجارية في الصين، ولا يزال المستهلكون الصينيون يفضلون السيارات والسلع الفاخرة الألمانية.
إذن، كيف ستبدو علاقة مُدارة قائمة على المعاملات؟
يعد المناخ والتكنولوجيا الخضراء أبرز الركائز الأساسية في هذا الإطار، فكلا البلدين يملكان أهدافاً طويلة المدى لخفض الانبعاثات الكربونية، فألمانيا بحاجة إلى معدات بأسعار معقولة، بينما تحتاج الصين إلى الأسواق والخبرة التقنية، ويتعاون المهندسون الألمان والصينيون في مجالات الهيدروجين، وإدارة الشبكات الكهربائية، وتقنيات كفاءة الطاقة.
إذا كانت برلين، تحت حكومة فريدريش ميرتس الحالية، جادة في سياسة تقليل المخاطر، فسوف تستثمر في موردين بديلين والإنتاج المحلي، ومع ذلك، ستظل الصين، في المستقبل المنظور، شريكاً مهيمناً في العديد من سلاسل الإمداد الخضراء، حيث تخلق هذه الحقيقة دافعاً للحفاظ على استقرار هذا الجزء من العلاقة، حتى عندما تكون مجالات أخرى محل خلاف.
يوفّر التنويع الانتقائي لسلاسل الإمداد خياراً وسطاً آخر، فبدلاً من محاولة استبعاد الصين من كل حلقة في السلسلة، يمكن للشركات الألمانية تقليل الاعتماد على دولة واحدة في النقاط الحيوية، مع إبقاء الصين كأحد الموردين ضمن عدة خيارات في المجالات الأقل حساسية، على سبيل المثال، قد تضيف شركة تصنيع سيارات في المكسيك أو جنوب شرق آسيا، لكنها تستمر في الحصول على بعض المكوّنات من الصين، وبالمثل، قد تؤمّن شركة كيماويات الليثيوم من أستراليا، مع الاستمرار في بيع المواد الكيميائية المتخصصة في السوق الصينية.
بالنسبة للصين أيضاً، يفرض المنطق الاقتصادي تجنب المواجهة غير الضرورية، فالأسواق الغربية لا تزال ذات أهمية بالغة، ويُخشى أن يُنظر إليها كمورد غير موثوق به، ما قد يُسرّع من وتيرة الانفصال الذي تسعى بكين جاهدةً لتجنبه.
وأخيراً، لا يزال هناك مجال للدبلوماسية المستمرة والتعاون المتقطع، فما زالت ألمانيا والصين تُنسّقان في محافل متعددة الأطراف بشأن قضايا مثل تمويل المناخ، والصحة العالمية، والاستقرار المالي، وتستمر التبادلات الأكاديمية والثقافية، وإن كانت تخضع لمزيد من التدقيق، كما تُساهم شراكات المدن، وحركة الطلاب، وشبكات الأعمال في خلق قواعد شعبية لدى الجانبين تُولي اهتمامًا كبيرًا لتجنب القطيعة التامة.
لا يزال هناك مجال للدبلوماسية المستمرة والتعاون فما زالت ألمانيا والصين تُنسّقان في محافل متعددة الأطراف بشأن قضايا مثل تمويل المناخ
هذه رؤية أكثر تواضعاً بكثير من التوقعات المتفائلة التي سادت قبل عقد من الزمن، فهي لا تعتمد على وهم تحرير التجارة في الصين، بل تقبل التنافس والاختلاف في العديد من المجالات، ومع ذلك، تسعى جاهدةً للحفاظ على علاقة عمل في تلك المجالات التي لا تزال المصالح فيها متداخلة، والسؤال المطروح هو: هل هذا المسار الضيق مستدام سياسياً؟.
هناك قوى عدة تعيق إمكانية إقامة علاقة مستقرة ومبنية على المنفعة المتبادلة، وأول هذه القوى هي الإيديولوجيا، فالفجوة بين الصين ذات الحزب الواحد، والتي تتجه نحو المزيد من القمع، وألمانيا لن تُغلق، فكل حملة قمع جديدة، أو احتجاز رهائن، أو محاكمات استعراضية تستهدف الأجانب أو مزدوجي الجنسية، وكل تصعيد حول تايوان، يجعل من الصعب على القادة الألمان تبرير استمرار الانخراط مع بكين.
أما الثاني فهو الصراع بين التنافس الأمريكي-الصيني والثقافة الاستراتيجية الألمانية، فدفاع ألمانيا، حتى يومنا هذا، يعتمد على حلف شمال الأطلسي، وتستمر سياستها الخارجية في التوجه بشكل تلقائي نحو التوافق عبر الأطلسي، وإن كان ذلك أحياناً بتأخير، ومع تصاعد حدة المواجهة بين واشنطن وبكين، تتعرض برلين ضغوطاً متزايدة للتوافق بشكل أوضح مع المواقف الأمريكية بشأن ضوابط التكنولوجيا، والعقوبات، والقضايا الأمنية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
مع تصاعد حدة المواجهة بين واشنطن وبكين تتعرض برلين لضغوط متزايدة للتوافق بشكل أوضح مع المواقف الأمريكية
تُعدّ تايوان السيناريو الأكثر خطورة، فإذا شنت الصين هجوماً عسكرياً على الجزيرة وردّت الولايات المتحدة بفرض عقوبات وقيود على الصادرات، فهل ستحاول ألمانيا حقاً الحفاظ على علاقاتها التجارية المعتادة مع بكين؟.
حتى في غياب الحرب، فإن تشديد الولايات المتحدة لضوابط تصدير أشباه الموصلات والتكنولوجيا المتقدمة سيجبر الشركات الألمانية بشكل متزايد على الاختيار بين الوصول إلى السوق الصينية أو الوصول إلى التكنولوجيا والتمويل الأمريكيين. وبالنسبة لمعظمها، الخيار واضح، أما بالنسبة لبرلين، فإن كل قيد جديد يُفرض بالاشتراك مع واشنطن يُقلص مساحة التعاون الاقتصادي المتوازن مع الصين.
أما العامل الثالث فهو زخم الأحداث، ففك الارتباط ليس فعلاً منفرداً، بل هو عملية متراكمة، أي كل استثمار يذهب إلى الولايات المتحدة أو الهند بدلاً من الصين، وكل مصنع يُنقل من دلتا نهر اللؤلؤ إلى فيتنام، وكل شراكة بحثية تُلغى بهدوء، وكل مراجعة أمنية جديدة تمنع استحواذاً صينياً، وكلها قرارات أحادية الاتجاه.
إن عكس هذه القرارات لاحقاً سيتطلب أكثر من مجرد حسن النية؛ سيتطلب إقناع الشركات بالتراجع عن إعادة الهيكلة المكلفة، وإقناع الناخبين بقبول الاعتماد المتجدد على دولة تعلموا عدم الثقة بها.
تتبنى بكين نسختها الخاصة من استراتيجية الحد من المخاطر، من خلال استراتيجية التداول المزدوج التي تركز على الطلب والابتكار المحليين، حيث يتحدث صناع السياسات الصينيون علناً عن الاستعداد لبيئة خارجية معادية، فمن الناحية العملية، يعني ذلك تقليل الاعتماد على التكنولوجيا والأسواق الغربية قدر الإمكان، وهكذا تتعارض محاولة ألمانيا للحد من المخاطر الصينية مع جهود بكين لتقليل النفوذ الغربي.
بمرور الوقت، قد يظهر مجالان اقتصاديان منفصلان جزئياً، أحدهما يتمحور حول الولايات المتحدة وحلفائها، والآخر حول الصين وشركائها، وستجد ألمانيا، التي كانت بمثابة جسر بينهما، صعوبة متزايدة في تجاوز هذه الفجوة.

لن يكون أيٌّ من هذا بلا ثمن، إذ سيؤثر تقليص العلاقات الاقتصادية مع الصين بشكل كبير على النمو الألماني، في وقت يُعاني فيه أكبر اقتصاد في أوروبا وأهمها بالفعل، حيث ستحتاج القطاعات المُوجَّهة للتصدير إلى وقت لإيجاد أسواق بديلة، إذ يُعدُّ تنويع سلاسل التوريد ومضاعفة الطاقة الإنتاجية أمراً مُكلفاً، كما سيدفع المستهلكون المزيد مقابل السلع التي كانت تُورَّد سابقاً بأسعار زهيدة من الصين، وقد تُصبح سياسة المناخ أكثر تكلفة إذا أصرّت أوروبا على توطين الإنتاج بدلاً من الاعتماد على الإنتاج الصيني الضخم.
لم يُعد النقاش الألماني حول الصين مجرد فصل آخر في السجل الطويل من القلق الأوروبي بشأن العولمة، بل هو مؤشر مهم على أمر أوسع، وهو كيف ستتكيّف الديمقراطيات الليبرالية مع عالم يكون فيه شركاؤها الاقتصاديون الرئيسيون أيضاً خصومها النظاميون الرئيسيون.
لم تراهن أي دولة غربية على فكرة أن التجارة يمكن أن تغيّر الصين بقدر ما راهنت ألمانيا، ولا يوجد اقتصاد أوروبي كبير مرتبط بالصناعة الصينية بعمق مماثل لما هو عليه الحال في ألمانيا، وإذا استنتجت برلين أنها لا تستطيع إدارة هذا الاعتماد بأمان، فسيكون لذلك صدى وتأثير على باقي الدول.
لم تراهن أي دولة غربية على فكرة أن التجارة يمكن أن تغيّر الصين بقدر ما راهنت ألمانيا ولا يوجد اقتصاد أوروبي كبير مرتبط بالصناعة الصينية بعمق مماثل لما هو عليه الحال في ألمانيا
النتيجة المرجحة ليست انفصالاً جذرياً، بل تدريجياً وغير متكافئ، إذ سيستلزم ذلك إعادة تنظيم جزئية، وإن كانت معقدة، للعلاقات الاقتصادية، مع استمرار التجارة، لا سيما في القطاعات غير الاستراتيجية، وستواصل بعض الشركات الألمانية تحقيق أرباح طائلة في الصين، وستعمل بعض الشركات الصينية على مواصلة الاستثمار في أوروبا، حيث سيبقى التعاون المناخي ضرورياً وجذاباً في آن واحد.
لكن يبدو أن العصر الذي كانت فيه ألمانيا تتحدث عن الصين كشريك لا غنى عنه، وتتعامل مع الخلافات السياسية كضجيج في الخلفية، قد ولّى، لقد تغيرت المصطلحات: من التغيير عبر التجارة إلى التنافس المنهجي، والأمن الاقتصادي، وتقليل المخاطر.
يشير ذلك إلى نهاية حقبة كان يُفترض فيها أن الترابط الاقتصادي يُحقق الاستقرار بطبيعته، فقد اكتشفت ألمانيا، متأخرةً، أنه في عالم تهيمن عليه القوى العظمى الاستبدادية، يمكن للتكامل الاقتصادي أن يُضاعف المخاطر بقدر ما يوزع المكاسب.
بالمحصلة، إن قدرة برلين وبكين على التفاوض للوصول إلى توازن جديد، وعلاقة أكثر هدوءاً وشروطاً لكنها لا تزال مثمرة، أو الانزلاق نحو قطيعة أعمق، ستعتمد على خيارات لم تُتخذ بعد، وسيتوقف ذلك على كيفية تعامل الصين مع جيرانها ومواطنيها، وكيفية إدارة الولايات المتحدة لتنافسها مع بكين، ومدى استعداد المجتمع الألماني لتحمل الأعباء الاقتصادية باسم الأمن والقيم.