Eagle Intelligence Reports

أزمة إيران وجيوسياسية الاحتجاجات

ايغل انتيلجنس ريبورتس • يناير 20, 2026 •

واجهت إيران أخطر تحدٍّ على مستوى البلاد منذ عقود، خلال الشهر الماضي، مع تجدد اندلاع الاحتجاجات التي عمّت عشرات المدن، وسط تصاعد مطالب المتظاهرين التي لم تعد تقتصر على تحسين الأوضاع الاقتصادية، بل هتفوا بشعارات تدعو إلى إسقاط النظام الديني الحاكم، فردّت الحكومة عليهم بالعنف والقمع الشديد إلى جانب قطع الإنترنت عنهم، ما أدى إلى تراجع مستوى الاتصال إلى نسب متدنية للغاية لا تتجاوز بضع نقاط مئوية، وفقاً لمنظمات رصد متخصصة.

وعقب حملة قمع دموية، راح ضحيتها العشرات، انحسر الحراك في عدد من المدن، لكن العوامل العميقة الكامنة وراء الاحتجاجات ما تزال دون حل، والوضع بقي على حاله، إذ أدى اعتماد طهران المتزايد على أدوات الضغط إلى إنهاك القدرة الإدارية للدولة، ودفع النظام إلى اختبار طويل الأمد لشرعيته، في مؤشر على تحوّل نوعي يميّز هذه الموجة من الاحتجاجات عن سابقاتها.

ومع ذلك، ما يميّز موجة الاحتجاجات الراهنة هو اتساعها الاجتماعي والمهني على حدّ سواء، حيث باتت المشاركة تتجاوز الطبقة الوسطى الحضرية لتشمل العمّال في قطاعات الطاقة والنقل، والتجّار المحليين، وسكّان المناطق الريفية، ونتيجة لذلك، أصبحت مراكز القوة الرمزية ومفاصل السيطرة التنفيذية للدولة واقعة تحت ضغط المظاهرات، إذ تشير تقارير متخصصة عن إرهاق وعجز بعض قوات الأمن المحلية وتآكل تدريجي في قدرة الأجهزة القمعية على فرض السيطرة.

وهذا يشير إلى أنه رغم الأدلة التي لا تزال غير مكتملة، إلا أن ديناميكيات الاحتجاجات الأخيرة توحي بالانتقال نحو أنماط أكثر تكراراً واستدامة من المعارضة، مقارنة بالموجات السابقة التي اتسمت بطابعها الموسمي أو المؤقت.

واليوم، أصبحت الأزمة الداخلية في إيران تتقاطع بشكل متزايد مع الحسابات الإقليمية والدولية، حيث يعمل صانعو القرار في واشنطن وموسكو وبكين، إلى جانب عواصم إقليمية محورية، على إعادة ضبط استراتيجياتهم مع إيران كدولة ضعيفة، لكنها لا تزال قادرة على أداء وظائفها الأساسية، إذ يؤدي تباين مواقف الأطراف الخارجية إلى تصاعد مخاطر تلاقي الاضطرابات الداخلية مع خطوط التصدّع القائمة أصلاً، ولا سيما في ملفات الانتشار النووي، وأمن الملاحة البحرية، والصراعات بالوكالة، ما يزيد من احتمالات زعزعة الاستقرار على نطاق أوسع في منطقة الشرق الأوسط.

صانعو القرار في واشنطن وموسكو وبكين وعواصم إقليمية محورية يعيدون ضبط استراتيجياتهم مع إيران كدولة ضعيفة لكنها لا تزال قادرة على أداء وظائفها

ساحة ضغط جديدة للولايات المتحدة

يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بات يستخدم الاحتجاجات الإيرانية بشكل متزايد أداةً للضغط الجيوسياسي، إذ تأتي تصريحاته العلنية واضحة وصريحة؛ حيث أعلن عن دعمه الكامل للمتظاهرين، واصفاً النظام بأنه “إجرامي”، ومهدّداً بفرض رسوم جمركية بنسبة 25% على أي دولة تتعامل تجارياً مع الجمهورية الإسلامية.

وهنا يجمع محللون على أن هذا التهديد موجّه بالدرجة الأولى إلى الصين وغيرها من الشركاء التجاريين الكبار، مع ما يحمله من مخاطر ارتدادية كبيرة على الشركات الأوروبية، بينما يُصوَّر هذا التصعيد في الخطاب العام بوصفه مواجهة أخلاقية بين نظام ديني قمعي وشعب يطالب بالحرية، إلا أن استجابة ترامب الفعلية تقوم، في جوهرها، على أدوات مألوفة من الضغوط التبادلية والابتزاز القائم على المصالح.

جثث ملقاة على الأرض في مركز التشخيص الجنائي والمختبري في طهران (أ ف ب)

وعلى النقيض من ذلك، فإن اللافت في هذا السياق هو غياب المنطق الاستراتيجي والإطار المستدام، حيث تتبع مقاربة واشنطن نمطاً مألوفاً في عهد ترامب، يقوم على التصعيد السريع بهدف توليد أوراق تفاوضية، مع خطاب تصعيدي شديد يفتقر إلى تصور سياسي واضح لمآلات إيران أو لشكل النظام الإقليمي المنشود، حيث يظل دعم الاحتجاجات ذا طابع تكتيكي أكثر من أنه استراتيجية طويلة الأمد، كما يؤدي هذا الغموض الاستراتيجي إلى زيادة مخاطر سوء التقدير، سواء في طهران أو لدى شركاء الولايات المتحدة.

من جانب أخر، يواجه ترامب، خلف خطابه المتشدد، معضلةً استراتيجية حقيقية، فحتى منتصف يناير 2026، تعقّدت رسائل الردع الأمريكية بفعل قيود تتعلق بتموضع القوات، أبرزها طول فترات الغياب لحاملات الطائرات القادرة على توفير خيارات ضرب سريعة ومرنة في منطقة الخليج، لأنه في ظل غياب الحاملات، تبقى البدائل المتاحة، عبارة عن قاذفات بعيدة المدى، وطائرات متمركزة براً، وضربات محدودة بصواريخ كروز، وهي تعد أكثر تعقيداً من الناحية العملياتية، بالإضافة إلى أنها أكثر حساسية على الصعيد السياسي، وأكثر عرضة لمخاطر التصعيد.

وهذا يشير إلى أنه أي تحرك عسكري من هذا النوع سيُفسَّر على الأرجح في طهران باعتباره تهديداً وجودياً، من شأنه أن يطلق ردوداً انتقامية تستهدف القوات الأمريكية، وقواعد واشنطن في دول الخليج العربي، وكذلك حركة الملاحة البحرية في المنطقة.

لذلك يلاحظ أن الهدف الجوهري لترامب لا يتمثل في إرساء الديمقراطية في إيران، بقدر إضعافها استراتيجياً بوصفها ثقلاً موازناً إقليمياً لمحور الولايات المتحدة (إسرائيل ودول الخليج العربي)، حيث يُراد من الضغوط الاقتصادية والتهديد بفرض عقوبات ثانوية، تقويض قدرة إيران على إسقاط نفوذها عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة وشبكات الوكلاء، وفي الوقت نفسه، تختبر واشنطن أيضاً مدى استعداد أوروبا لقبول سياسة “الربط بين الملفات”، إذ يعكس لجوء ترامب المتوازي إلى أوراق التجارة والطاقة والأمن نمطاً أوسع في مقاربته للعلاقات الدولية.

وفي هذا السياق، لم تعد إيران مجرد ملف من ملفات الشرق الأوسط، بل غدت أيضاً حالة اختبار لمدى تعرّض أوروبا لضغوط أمريكية قائمة على منطق المعاملات والمقايضة، إذ يُظهر اقتراح ترامب العلني بالاستحواذ على غرينلاند من الدنمارك، سواء عبر الشراء أو باستخدام القوة العسكرية، إلى أي مدى يمكن دفع هذا النهج نحو الأمام.

ومن هنا تجد أوروبا نفسها عالقة بين التزاماتها الخطابية المعيارية وقيمها المعلنة من جهة، واعتمادها الهيكلي على الضمانات الأمنية الأمريكية من جهة أخرى، فهي تزداد انزعاجاً من أساليب ترامب، لكنها لا تزال عاجزة عن رسم مسار مستقل خاص بها.

البراغماتية الروسية المتناقضة

ومن هذا المنظور، فإن هشاشة إيران المتزايدة لا تدفع الجهات الخارجية إلى تبني سياسات التحوط بدل اتخاذ إجراءات حاسمة، حيث تتشكّل استجابة روسيا وفق منطق إدارة المخاطر البراغماتي، كما تستفيد موسكو من تركيز طهران على الداخل ومن الانشغال الذي يخلفه هذا الوضع للأجهزة الحكومية الغربية، لكن التعاون الأمني ما زال مستمراً، وربما يشمل نقل تقنيات السيطرة على الحشود والمراقبة الرقمية، رغم أن نطاق هذه المساعدة الدقيقة يبقى صعب التحقق منه.

هشاشة إيران المتزايدة تدفع الجهات الخارجية إلى تبني سياسات التحوط بدل اتخاذ إجراءات حاسمة

وعلى النقيض من ذلك، لا يُبدِي الكرملين اهتماماً بإيران قوية وذات موقف حازم قادرة على العمل باستقلالية عن الأولويات الروسية، فالنتيجة المثالية لموسكو هي إضعاف إيران بشكل مدروس ومضبوط، لأن النظام القائم، حتى وإن صمد بصعوبة، سيمتص اهتمام الغرب بينما يزداد اعتماده على الدعم الروسي، لأن الجمهورية الإسلامية العاملة، ولو كانت متضررة، تعد أداة تكتيكية في مواجهة روسيا للغرب، وشريكاً يزوّدها بالطائرات المسيّرة وتكنولوجيا الصواريخ، مع توافق دبلوماسي في المحافل الدولية.

ومع ذلك، فإن انهيار النظام سيزعزع استقرار محيط روسيا الجنوبي، ويهدد خطوط الإمداد العسكري، وسيفسح المجال أمام الجماعات الجهادية، وشبكات تهريب المخدرات، وتدفّق اللاجئين إلى منطقة القوقاز وآسيا الوسطى.

وهذا ما يشير إلى أن محور روسيا-إيران يدفع المصالح المتقاربة أكثر من كونه توافق إيديولوجي، فإيران تزود روسيا بإمكانات منخفضة التكلفة في حربها على أوكرانيا، بينما توفر روسيا الدعم اللوجستي، والطاقة الصناعية الدفاعية، والغطاء الدبلوماسي لها، ومع تغيّر ميزان القوة بين الطرفين، من المرجح أن تسعى موسكو إلى إحكام السيطرة على مجالات التعاون، لا سيما في القطاعات الحساسة تكنولوجياً وترتيبات الموارد المستدامة.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن أوراق النفوذ الروسية لم تعد قائمة على القوة الهيكلية، إذ قلصت الحرب في أوكرانيا، والعقوبات الواسعة، والاعتماد الاقتصادي المتزايد على الصين من هامش المناورة المتاح لها، وفي نفس الوقت تواصل إيران متابعة أجندتها الإقليمية الخاصة، وتنمية شراكات بديلة في آسيا والخليج، وبذلك، تظل طهران شريكاً مفيداً، لكنه يرفع سقف مطالبه، بينما يظل تأثير روسيا عليه محدوداً ومتقلصاً.

حماية الصين الهادئة لنفوذها

أما على صعيد الصين فهي تتابع الاحتجاجات الإيرانية بحذر وانفعال منضبط، حيث تشدد بياناتها الرسمية على احترام السيادة ورفض أي تدخل خارجي، مع تجنّب أي ذكر أو انتقاد مباشر لكيفية تعامل طهران مع الاحتجاجات، لأن وراء هذا الموقف المحايد تكمن أولويات واضحة لبكين، فالاهتمام الأساسي لها لا يكمن في طبيعة النظام الإيراني بقدر ما يتركز على استمرارية دولة قادرة على الوفاء بالتزامات مستدامة في مجالات الطاقة والبنية التحتية.

وهذا يشير إلى أن إيران تعد ركيزةً محورية في جهود الصين لتنويع استراتيجياتها بعيداً عن نقاط الاختناق البحرية والأنظمة المالية التي يسيطر عليها الغرب، وما يدلل على ذلك اتفاق التعاون الممتد لـ25 عاماً، الذي وُقّع في 2021، حيث منح الشركات الصينية وصولاً تفضيلياً إلى مشاريع النفط والغاز، وممرات النقل، والبنية التحتية الحيوية، ويضاف إلى ذلك أن دخول إيران في مبادرة الحزام والطريق وعضويتها الكاملة في منظمة شنغهاي للتعاون يعزز من مكانتها ضمن رؤية بكين لنظام بديل للربط والاتصال العالمي.

ولكن في المقابل إن انهيار مفاجئ للدولة في إيران سيؤدي إلى تهديد هذه المشاريع، وتعطيل إمدادات الطاقة، وتقويض الرواية الصينية التي تقدّم شراكات قائمة على الاستقرار في دول الجنوب العالمي، وبمعنى أخر، أن هذه الأزمة بالنسبة لبكين تعد تذكيراً بهشاشة الشركاء السلطويين الذين يتعرّضون لضغوط داخلية وخارجية في وقت واحد، فإيران ضمن قائمة واسعة من الدول في إفريقيا وآسيا الوسطى، التي شهدت أنظمتها القائمة على القمع والدعم الخارجي تراجعاً في قدرتها على الصمود الداخلي.

واليوم لا يُعد هذا أزمةً نظامية لنموذج الشراكة الصيني، لكنه يرفع من التكاليف والمخاطر السياسية طويلة الأمد المرتبطة بالتحالف الوثيق مع أنظمة هشة وضعيفة، ونتيجة لذلك، من المرجح أن تتبع بكين سياسة التحوط، عبر دعم طهران دبلوماسياً ضد الضغوط الغربية، وفي الوقت نفسه بناء شبكة احتياطية صامتة في مجالات الطاقة والبنية التحتية الإقليمية.

احتواء القوى الإقليمية

رغم أن القوى العالمية إلى حد كبير على الخطاب الخارجي حول الاحتجاجات في إيران، إلا أن المخاطر المباشرة لتداعياتها تقع على عاتق القوى الإقليمية المتوسطة من إسرائيل وتركيا والسعودية والإمارات، التي تُقيّم كلٌّ منها الأزمة الإيرانية من منظور بقاء النظام، والتوازن الإقليمي، ومدى تأثرها الداخلي بهذه الاضطرابات، فرغم اختلاف أدواتها السياسية، إلا أن أهدافها الاستراتيجية تتفق على أن لا أحد منها يرغب في تحمّل مسؤولية تغيير النظام بشكل غير مُسيطر عليه.

إسرائيل وتركيا والسعودية والإمارات يقيمون الأزمة الإيرانية من منظور بقاء النظام والتوازن الإقليمي ومدى تأثرها الداخلي بالاضطرابات

بالنسبة لإسرائيل، فإن الأزمة تمثّل معضلة استراتيجية حقيقية، لأن انهيار النظام في طهران قد يقضي على أخطر خصومها، خصوصاً فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، وترسانته الصاروخية، ودعمه لوكلاء مثل حزب الله، وحماس، وميليشيات شيعية أخرى، لكن تجارب العراق وسوريا وليبيا تظهر أن انهيار الأنظمة الاستبدادية غالباً ما يؤدي إلى حروب طويلة الأمد واضطرابات مستمرة، لذلك، جمعت تل أبيب بين ضبط العمليات ميدانياً وبين تقديم دعم خطابي قوي للمتظاهرين، إلى جانب مساعدة سرية عبر الفضاء الإلكتروني والاستخبارات لشبكات معارضة للنظام، مع تجنبها التحركات العسكرية الواضحة التي قد تثير ردود فعل انتقامية من طهران.

وعلى النقيض من ذلك، فإن إسرائيل لا تهدف  على المدى الطويل إلى تغيير النظام بأي ثمن، بل إلى إضعاف نفوذ إيران الإقليمي بشكل مستدام دون التسبب بانهيار الدولة، وهذا سيترك طهران أكثر تقييداً، وأضعف تكنولوجياً، ومنعزلة عن أجزاء رئيسية من الهلال الشيعي، لكنها تظل قادرة على أداء وظائف الحكم الأساسية.

أما أنقرة، فإن موقفها يتسم بالغموض المتعمد، حيث أدارت مع طهران على مدار السنوات الماضية علاقة تقوم على التنافس المسيطر عليه والتعاون الانتقائي،  في مجالات نقل الطاقة واحتواء الجماعات المسلحة الكردية، بينما يتنافسان على النفوذ في العراق وجنوب القوقاز، ومع تزايد الاهتمام، في آسيا الوسطى أيضاً.

وهذا يشير إلى أن انهيار إيران يشكل مخاطر واضحة على تركيا، بما في ذلك تدفقات اللاجئين، وظهور فراغات أمنية، واحتمال امتداد الاضطرابات إلى مناطقها الكردية، ومع ذلك، فإن إيران الضعيفة ستتيح لأنقرة مجالاً لتوسيع وجودها العسكري، وتشكيل مسارات التجارة والطاقة عبر شمال العراق والمنطقة، إذ تشير العمليات التركية المستمرة في دهوك وأربيل وسنجار بالفعل إلى استعداد أنقرة للتحرك بسرعة حال تراجع النفوذ الإيراني.

أما على صعيد السعودية والإمارات فإنهما تتعاملان مع أزمة إيران من منظور براغماتي حذر، حيث حوّلت الرياض استراتيجيتها من المواجهة المفتوحة إلى إدارة المخاطر منذ هجمات 2019 على بنيتها التحتية النفطية وما تلاها من انفراج في العلاقة مع طهران، إذ ترحب المملكة بتقليص قدرات إيران الصاروخية والطائرات المسيّرة، وبالتخفيف من سيطرتها الإقليمية، لكنها تبقى حذرة من العواقب التي قد يترتب عليها فراغ في السلطة، بالإضافة إلى أن الثقافة الاستراتيجية السعودية، المتشكّلة بفعل تداعيات الثورات العربية، تميل إلى تفضيل جار مستبد على أخر مفكك.

وتشاركها الإمارات هذا التفضيل للاستقرار، إلا أنها تتبع نهجاً أكثر مرونة، يجمع بين الانخراط الاقتصادي والدبلوماسية عبر القنوات الخلفية، إلى جانب الاستثمارات الأمنية الصارمة في مجالات الدفاع الصاروخي، والقدرات السيبرانية، والسيطرة على الممرات البحرية الحيوية في الخليج والبحر الأحمر.

وهذا يشير إلى أن هذه القوى الإقليمية المتوسطة تمارس معاً سياسة الاحتواء الموزون، أي أنها تسعى إلى الحد من نفوذ إيران، وتشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة، والاستعداد للطوارئ، مع تجنّب أي إجراءات قد تؤدي إلى انهيار الجمهورية الإسلامية، ومع ذلك، فإنه في حال حدوث انهيار أو تصعيد عسكري، قد تتحوّل هذه السياسة الحذرة بسرعة إلى إدارة أزمة غير منسقة وتنافسية أيضاً.

أوروبا في حالة جمود استراتيجي

وضمن هذا السياق، يظل الموقف الأوروبي إلى حد كبير في إطار ردّ الفعل، بينما تتخذ واشنطن وموسكو وبكين سياسات التحوط، وتتخذ الجهات الإقليمية وضعية الاستعداد تحسباً للارتدادات، فالقارة تواجه قيوداً ناجمة عن الانقسام المؤسسي وغياب إطار موحد لاتخاذ القرارات الأمنية، لذا فإن سياساتها تجاه إيران تبقى مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بخيارات واشنطن، حتى في الوقت الذي تتأثر فيه مصالح أوروبا، ومستوى تعرضها، وتكاليف التصعيد مباشرةً بما يحدث في الخليج وبلاد الشام.

بينما تتخذ واشنطن وموسكو وبكين سياسات التحوط وتضع الجهات الإقليمية نفسها استعداداً للارتدادات تظل أوروبا إلى حد كبير في موقف ردّ فعل

وهذا ما يشير إلى أن تفعيل الدول الأوروبية الثلاث (E3) للعقوبات المفروضة من الأمم المتحدة، مع الإجراءات الأوروبية الخاصة بحقوق الإنسان والطائرات المسيّرة، ليست بلا تأثير، ومع ذلك، لم تسفر هذه الخطوات عن دور أمني متماسك، إذ تفتقر أوروبا إلى هيكل قيادة وإطار موثوق للتصعيد والردع في مواجهة أزمات متصاعدة مع إيران.

وفي العلن، أدان الاتحاد الأوروبي حملة القمع، حيث شددت الممثلة العليا للاتحاد كايا كالاس على أن أي عنف ضد المتظاهرين السلميين غير مقبول، وانتقدت ردّ قوات الأمن الذي اتسم بالعنف المفرط.

وأضافت رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين: أدين بشكل قاطع الاستخدام المفرط للقوة واستمرار تقييد الحريات، ومع ذلك، لم يعكس هذا الموقف المؤسسي المحايد إلى حد كبير أي خطاب وطني أكثر تصادمية، مثل تصريح المستشار الألماني فريدرش ميرتس العلني بأن النظام قد فقد كل شرعيته وقد يكون في أيامه وأسابيعه الأخيرة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الاتحاد الأوروبي يعمل تدريجياً على توسيع العقوبات  المفروضة على المسؤولين عن القمع، والأنشطة المستمرة التي تتجاوز حدود الاتفاق النووي، بما في ذلك توسيع نطاق تخصيب اليورانيوم وفرض قيود على إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وصادرات الطائرات المسيّرة إلى روسيا.

ومع ذلك، تبقى هذه الأدوات منفصلة عن استراتيجية جيوسياسية أوسع نطاقاً من شأنها دمج اعتبارات حقوق الإنسان، والأمن البحري في البحر الأحمر والخليج، وسلامة أسواق الطاقة، والاستقرار الإقليمي، حيث تُجسّد عملية “أسبيدس” البحرية، التي شُنّت لحماية الملاحة من هجمات الحوثيين، إمكانات القوة الأوروبية وحدودها، إذ يستطيع الاتحاد الأوروبي تأمين الممرات البحرية الرئيسية، لكنه يفعل ذلك على هامش أزمة يُحدّد فيها الآخرون الإيقاع الاستراتيجي.

 وعلى النقيض من ذلك، وعلى مدار العقدين الماضيين، لم تُحقق سياسة أوروبا تجاه إيران، بدءاً من الاتفاق النووي ومحاولات الانخراط الاقتصادي وصولاً إلى التحول الأخير نحو العقوبات الصارمة، سوى عوائد استراتيجية محدودة، حيث صمد نظام قمعي في الداخل ومراجعة للأوضاع في الخارج أمام حسن النية الأوروبية، وانتقل الاتحاد الأوروبي من تقديم الحوافز إلى إدارة المخاطر، وهذا يؤكد أن إعادة فرض العقوبات الفورية وإدراجه تباعاً لأسماء مسؤولين وكيانات إيرانية على قوائم العقوبات هذا التحول، إلا أن ذلك لم يُغير من التفاوت الجوهري بين انكشاف أوروبا ونفوذها.

 وهذا يشير إلى أن إعادة صياغة استراتيجية لسياسة أوروبا تجاه إيران باتت ضرورة ملحة، ويتطلب ذلك، من الاتحاد الأوروبي توضيح مصالحه كحد أدنى، التي تتراوح بين منع انتشار الأسلحة النووية والهجمات الصاروخية، وحماية الممرات البحرية، ومنع تدفقات الهجرة واللاجئين، إذ يمكنه حين ذلك تحديد الأدوات المناسبة، كالعقوبات المدروسة، ودعم تدفق المعلومات المستقلة إلى إيران، ودبلوماسية الأزمات مع القوى الإقليمية، وتقديم مساهمة متواضعة ولكن ذات مصداقية في الردع وتعزيز القدرة على الصمود في جواره الجنوبي، إلا أنه حتى الآن، لا يوجد ما يدل على أن هذه تعد عملية لإعادة التوجيه قد بدأت تتبلور؛ فأوروبا لا تزال عالقة بين التزامات خطابية معيارية واعتماد هيكلي على الضمانات الأمنية الأمريكية.

تجمع لأشخاص في مسيرة مؤيدة للحكومة في طهران (أ ف ب)
 المعارضة الإيرانية الضعيفة

الجانب المهم في ذلك، المعارضة الإيرانية، التي رغم اتساع نطاقها واستمرارها، إلا أنها لا تزال تعاني من ضعف تنظيمي وسياسي، ففي الداخل، تتسم حركات الاحتجاج باللامركزية إلى حد كبير، وتفتقر إلى قيادة معترف بها، وبرنامج مشترك لها، واستمرارية مؤسسية، حيث  يتيح هذا الهيكل الأفقي مرونة تكتيكية وتعبئة محلية، ولكنه يحدّ أيضاً من القدرة على صياغة بديل سياسي قابل للتطبيق أو المطالبة بتمثيل وطني.

لقد كشفت الأزمة بشكل أكبر عن عجز المعسكر الإصلاحي الرسمي في إيران، حيث تم تجاوز وعود الرئيس مسعود بيزِشكيان الأولية بالاعتراف بمطالب المتظاهرين والحد من الانتهاكات بسرعة من قبل الأجهزة الأمنية، حيث عزز ذلك الانطباع السائد بأن التغيير داخل الإطار الدستوري القائم مجرد وهم، وأنه نتيجة لذلك، تحولت التوقعات السياسية نحو الشخصيات المنفية والفاعلين الشعبيين بشكل أوسع، والذين لم يتمكن أيّ منهم بعد من تحويل الغضب الشعبي إلى مشروع انتقال سياسي متماسك.

وفي المقابل، انخرطت جهات دولية فاعلة، بما فيها الولايات المتحدة وبعض دول الاتحاد الأوروبي، بشكل انتقائي مع شخصيات المعارضة، لكن دون تنسيق استراتيجي أو دعم مؤسسي مستدام، إذ يتردد صناع السياسات الغربيون في تأييد أي شخصية قيادية أو حركة بعينها، مشيرين إلى مخاوف بشأن ضعف المعارضة، وردود فعل النظام الانتقامية، ومحدودية تأثيرها على الرأي العام الإيراني.

وهذا يشير إلى أن النتيجة المنطقية، هي فراغ في التمثيل السياسي المنظم وضعف المعارضة، رغم تآكل شرعية النظام، أن أي سيناريو ديمقراطي ذي مصداقية يتطلب وجود معارضة قادرة على تجاوز القيود الهيكلية وصياغة رؤية محددة لمرحلة ما بعد النظام، فبدون هذا التحول، من المرجح أن تظل ديناميكية الاحتجاجات مجرد ردّ فعل ومنفصلة استراتيجياً عن التحول السياسي.

من المرجح أن تظل ديناميكية الاحتجاجات في إيران مجرد رد فعل ومنفصلة استراتيجياً عن التحول السياسي

السيناريوهات المحتملة

بالنظر إلى كل المعطيات السابقة، في الجمع بين الهشاشة الداخلية، والمعارضة الضعيفة، والتحوط الخارجي، تتشكل أربعة سيناريوهات متنوعة وممكنة، ولكل منها مخاطر وعواقب جيوسياسية مختلفة عن الأخر:

أولاً، التصعيد: تُكثّف الولايات المتحدة ضغوطها على إيران؛ فترد طهران على القوات الأمريكية أو حلفائها الإقليميين؛ وتتدخل إسرائيل عسكرياً، وتكون النتيجة المرجحة ليست حرباً شاملة فورية، بل تصعيداً متصاعداً يشمل ضربات صاروخية وحوادث بحرية وهجمات بالوكالة، مع آثار مزعزعة للاستقرار في جميع أنحاء الشرق الأوسط.

ثانياً، عودة الحكم الاستبدادي (الوضع الراهن): ينجو النظام الإيراني من موجة الاحتجاجات، ويعيد تثبيت السلطة، ويسمح بإجراء تعديلات تكنوقراطية محدودة، بينما يرسخ نفسه بشكل أعمق ضمن بنية أمنية مدعومة من روسيا والصين، حيث يبقى الطابع الأساسي للنظام سليماً، ولكن على حساب زيادة الاعتماد على الضغط وتآكل شرعيته بشكل أكبر.

ثالثاً، الانهيار غير المنضبط: تتفكك سلطة الدولة؛ وتملأ الميليشيات المحلية ورجال السلطة الفراغ؛ وتظهر مراكز سلطة متنافسة؛ وتحاول جهات خارجية، مثل: الصين وروسيا وإسرائيل وتركيا والدول العربية وجماعات غير حكومية، تشكيل المشهد الجديد، ومن المرجح أن يؤدي ذلك إلى عنف شديد وانقسام وتداعيات إقليمية واسعة النطاق.

رابعاً، الديمقراطية المتدرجة: يتطلب هذا السيناريو إضعافاً مُراقَباً للجهاز الأمني الإيراني، ومعارضة أكثر تماسكاً قادرة على صياغة برنامج انتقالي بأبسط الأحوال، ودعماً دولياً يركّز على المؤسسات بدل الأفراد، وحتى في ظل الظروف الراهنة، سيكون هذا المسار هشاً ومتأرجحاً، لكن لا يمكن استبعاده مسبقاً.

بالمحصلة، على المدى القريب، من المرجح أن يستمر التوتر الاستراتيجي دون تصعيد فوري واسع النطاق، أما على المدى المتوسط، فيمكن أن يزداد خطر سوء التقدير الخارجي، لا سيما إذا استمرت واشنطن في الاعتماد على الضغط والإشارة دون أهداف محددة بوضوح أو خيارات عسكرية واقعية، وباستثناء حرب إقليمية كبرى، فإن النتيجة الأكثر ترجيحاً هي شكل من أشكال عودة الحكم الاستبدادي، ولكن يبقى الانهيار غير المنضبط سيناريو ذا تأثير كبير ولكنه ذو احتمالية منخفضة مع تداعيات إقليمية واسعة النطاق، أما التحول الديمقراطي، فرغم إمكانية تصوره من الناحية الهيكلية، إلا أنه يبقى النتيجة الأقل ترجيحاً في الوقت الراهن.