رسخت غانا على مدار العقود الماضية سمعتها الدولية، كواحدة من أكثر الديمقراطيات استقراراً في القارة الأفريقية، جامعةً بين ثبات مؤسساتها الداخلية وسياسة خارجية تتسم بالبراغماتية وضبط النفس والمصداقية الأخلاقية، مبرهنة على صواب موقفها بعد خلافها الدبلوماسي الأخير مع إسرائيل التي تحتفظ بعلاقات معها منذ الاستقلال، وذلك إثر تعرض برلمانيين غانيين لسوء معاملة وترحيل مع ممثلين من القطاع الخاص في مطار بن غوريون الإسرائيلي.
الحادثة لم تمر مرور الكرام، ولاقت غضباً شعبياً في الداخل، دفع السلطات حينها إلى استدعاء سفير تل أبيب لديها، وترحيل مواطنين إسرائيليين في خطوة وصفها المسؤولون الغانيون بأنها رد دبلوماسي مماثل، ورغم أن الواقعة بدت وكأنها مفاجئة، إلا أنها سرعان ما أثارت تساؤلات عدة، حول رد فعل أكرا، هل كان عاطفياً تجاه حادثة دبلوماسية محدودة أم كان يُشير إلى تحول أعمق في سياستها الخارجية في ظل نظام عالمي يزداد استقطاباً؟.
يجيب إيمانويل كواسي بيدزراه، رئيس جمعية الصداقة البرلمانية الغانية-الإسرائيلية، بأن الخلاف ليس أيديولوجياً ولا هيكلياً، بل سوء فهم دبلوماسي محدود تصاعد بسبب التوقيت والرمزية والضغوط السياسية الداخلية.
ويقول بيدزراه لـ “إيغل إنتيلجنس ريبورتس”:”تربطنا مع إسرائيل علاقة مستمرة منذ أكثر من 60 عاماً، تعود إلى عهد أول رئيس لغانا، كوامي نكروما، عندما ساهمت الخبرة الإسرائيلية بدعم وبناء مؤسسات الدولة في البدايات بعد الاستقلال”، مضيفاً: “إن ما حصل بعد حادثة مطار بن غوريون لم يكن عداءً، بل سوء فهم تم تسيسه”.
الخلاف الغاني-الإسرائيلي ليس أيديولوجياً ولا هيكلياً بل سوء فهم تم تسيسه وتصاعد بسبب التوقيت والرمزية والضغوط السياسية الداخلية
العلاقة بين غانا وإسرائيل لها امتداد تاريخي طويل، بحسب بيدزراه، متحدثاً عن تعاون وثيق يعود إلى عهد أول رئيس لغانا، وأن الخلاف الحالي مع إسرائيل لا يقوم على أساس عداء أيديولوجي.
ويضيف في معرض سرده للواقعة كما حصلت: “بعض النواب الغانيين وممثلي القطاع الخاص سافروا إلى إسرائيل لحضور مؤتمر عن الأمن السيبراني، وعند وصولهم مطار بن غوريون تم احتجاز عدداً منهم وترحيلهم بعد التحقيق معهم”، ويتابع: “عندما وصلت القضية إلى غانا، كان هناك بعض الإسرائيليين يزورون أكرا في نفس الوقت، فتحول الحدث إلى قضية دبلوماسية، بعد أن جاء الرد الغاني بالمثل”.
الأزمة الدبلوماسية بين البلدين، تزامنت مع اندلع حرب إسرائيل على غزة عقب هجوم 7 أكتوبر 2023، الذي أحدث انقساماً داخلياً بين الدول الأفريقية، حيث دعت غانا حينها إلى ضبط النفس وحماية المدنيين، في لغة دبلوماسية كانت أقرب إلى الموقف السائد للاتحاد الأفريقي، ولم تعمد إلى قطع العلاقات مع إسرائيل أو تبني موقف تصادمي كما حصل في دول أخرى داخل القارة.
ولكن واقعة مطار بن غوريون كانت على غير حسابات تل أبيب، فجاء رد الدولة الأفريقية يحمل ثقل كبير على السياسة الخارجية لإسرائيل، منحرف عن الأسلوب الدبلوماسي المعتاد لأكرا، لكنه تضمن رد فعل حازم وصارم هذه المرة من وجهة نظر الغانيين.
ويدعم هذا الموقف ما جاء على لسان وزير خارجية غانا، صموئيل أوكودزيتو أبلّاكُو، في حديث إعلامي سابق، يقول فيه: «قلنا لهم بوضوح (أي لإسرائيل): إذا تم ترحيل عشرة غانيين، سنرحل عشرة إسرائيليين، إذا رحلتم عشرين، سنرحل عشرين، لن نقبل بهذا أبداً”، تصريح يعكس موقفاً حازماً وجريئاً، لم تعتاده تل أبيب من قبل، ويضع غانا على جبهة دبلوماسية جديدة لم يشهدها العالم من قبل أيضاً.
وهذا ما يشير إلى أن جمهورية غانا منذ استقلالها، تجنبت حشر نفسها ضمن تحالفات جامدة، مفضلةً المرونة السياسية التي تمكنها من الدفاع عن مصالحها الوطنية مع الحفاظ على الحوار والدبلوماسية عبر الانقسامات الأيديولوجية، حيث يفسر المحللون هذا التقليد بالسبب المنطقي وراء رد أكرا على إسرائيل الحازم، والذي كان من وجهة نظرهم محسوباً وشدياً لكن من دون تصعيد أو استفزاز.
على النقيض من ذلك، ووسط هذه المعطيات، وتفاقم الأزمة بين البلدين، يطرح السؤال: هل يعكس تصرف غانا انحرافاً عن نهج سياستها الخارجية؟، يجيب إيمانويل كواسي بيدزراه، بأن غانا حافظت على موقفها غير المنحاز طوال هذه الفترة كعضو في الاتحاد الأفريقي، موضحاً ذلك: “أن المصلحة الوطنية تظل العامل الأساسي”، ويؤكد أن الحادثة هي “إعادة ضبط تكتيكية أكثر منها إعادة ترتيب استراتيجية”.
ويستدرك النائب الغاني، بيدزراه، ما بدأ بالحديث عنه، مذكراً أن قنوات الدبلوماسية مستمرة والتعاون البرلماني متواصل بالتزامن مع جهود تبذل من الطرفين لإدارة التوترات بعيداً عن تفكيك التعاون القائم، ويقول: “الحادثة انتهت لكن العلاقات عادت إلى سابق عهدها”.
ومع ذلك، تبنت وسائل الإعلام الغانية وجهة نظر مغايرة إذ رحبت بتصريح وزير الخارجية باعتباره دليلاً على أن غانا لن تتهاون في مسائل الكرامة واحترام السيادة، وناصرهم في ذلك خبراء تمت مقابلتهم في برامج إخبارية متلفز مؤكدين أن التحرك السريع يمكن أن يعزز نفوذ الدولة الصغيرة في العلاقات الثنائية، لا سيما أمام الرأي العام المحلي.
شكلت الاعتبارات السياسية الداخلية منعطفاً حاسماً، في تصاعد هذه القضية وتطورها على الصعد المختلفة، وتحويلها كذلك إلى قضية سياسية وطنية، خاصة مع تدخل أعضاء البرلمان الحاليين، فاليوم البيئة الديموقراطية لغانا تحمل انطباعاً مغايراً، فالقادة الذين يفشلون في الدفاع عن مواطنيهم في الخارج سيدفعون ثمناً سياسياً باهظاً، وهذا ما يؤكده رئيس جمعية الصداقة البرلمانية الغانية-الإسرائيلية، قائلاً: “المشرعون الآن أقرب إلى الرأي العام من الدبلوماسيين”، مضيفاً: “أعضاء البرلمان هم ممثلون منتخبون عن الشعب، ولهم اتصال مباشر به، فنحن نستمع إلى الشعب، ونفهم ما يقوله”.
البيئة الديموقراطية لغانا تحمل انطباعاً مغايراً فالقادة الذين يفشلون في الدفاع عن مواطنيهم في الخارج سيدفعون ثمناً سياسياً باهظاً
وهذا ما يفسر حساسية القضية ويعلل رد أكرا الحازم في وجه إسرائيل، حتى مع إشارتها إلى رغبتها في تهدئة الموقف، شددت على كرامة مواطنيها ومبدأ المعاملة بالمثل، إذ يُرجع صاموئيل أبو جينبور، العضو البارز في لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان، ذلك إلى دبلوماسية هادئة واستراتيجية متزنة تتبعها غانا لمنع التصعيد، محذراً من التصريحات العلنية المفرطة التي قد تُؤجج التوترات.
وفي هذا السياق، يؤكد مجدداً ضرورة الاهتمام بحماية المواطنين في الخارج، لكنه يدعو إلى توخي الحذر للحفاظ على مصداقية غانا الدبلوماسية على نطاق أوسع، مضيفاً: “من المهم أن يتبع وزير الخارجية نهج الدبلوماسية الهادئة والاستراتيجية في التعامل مع هذه المسائل”.
وعلى النقيض من ذلك، يعكس التوتر القائم بين الدفاع عن المواطنين وضرورة ضبط النفس الاستراتيجي، ضغوط السياسة الداخلية التي يتعرض لها ساسة الجمهورية الديمقراطية، فمع مشاركة البرلمانيين بشكل مباشر، كان الرأي العام في غانا عاملاً أساسياً في تحديد موقف الحكومة، حتى مع سعي أكرا إلى تجنب قطيعة طويلة الأمد مع إسرائيل.

بذلت تل أبيب قصارى جهدها على مدى العقود الماضية لتوسيع نفوذها في أفريقيا عبر شراكات تكنولوجية، وتعاون أمني، والدبلوماسية، حيث تُعدّ غانا أحد الشركاء الرئيسيين لها، بفضل استقرارها النسبي ونفوذها الدبلوماسي، إلا أن الأزمة الأخيرة كانت بمثابة تحذير لاستراتيجية إسرائيل في أفريقيا، خاصة مع تنامي توجه الدول الأفريقية إلى ربط التعاون الثنائي بالمخاوف الأوسع المرتبطة بالسلوك الدولي، فحتى الدول التي تربطها علاقات تاريخية عميقة تفترض أن يعكس التعاون الاحترام والشفافية ومراعاة الواقع السياسي الداخلي.
ومع ذلك، تُظهر تجربة غانا حدود التوتر أو الانقطاع الكامل، فالقنوات البرلمانية لا تزال نشطة، إذ يكشف بيدزراه عن خطط لزيارات متبادلة قادمة بين البلدين، ويضيف: “قد نزور إسرائيل هذا العام كجمعية لتعزيز العلاقة أكثر، ومن المتوقع ان يزور النواب الإسرائيليين غانا بالمقابل”.
وفي هذا الإطار تأتي حسابات الاتحاد الأفريقي، حيث يعكس نهج غانا ديناميكيات الاتحاد الأوسع، عبر تبني موقف أخلاقي مشترك دون التخلي عن الحوار، إذ تتماشى تحركات أكرا مع دعوات الاتحاد الأفريقي لوقف إطلاق النار واحترام القانون الدولي، ما يعزز صورة غانا كعضو فاعل في الاتحاد القاري لا كطرف منفرد.
ويصف بيدزراه عضو برلمان المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، موقف غانا بأنه جزء من الحذر الأفريقي الجماعي، ويقول: “نحن دائماً في حالة تأهب كدولة غير منحازة، جنباً إلى جنب مع إخواننا الأفارقة”.
جوهر التوتر في قضية غانا وإسرائيل يكمن في الدعوة الأخلاقية والمصلحة العملية، إذ يتوافق استنكار غانا لمعاناة المدنيين مع قيمها ورأيها العام، لكن يظل قادتها مدركين للفوائد المرجوة من التعاون في مجالات الزراعة والأمن والتكنولوجيا، حيث يؤكد بدزراه هذا التوازن، بالقول: إن “مصلحة غانا هي الأهم، وأي شيء من شأنه أن يقوض مصالحنا كدولة ذات سيادة سيخضع لإعادة النظر فيه”.
واليوم بدلاً من الاختيار بين الأخلاق والمصلحة الوطنية، يبدو أن أكرا عازمة على مراعاة كليهما، بالتشديد على الكرامة مع الحفاظ على مساحة للتعاون، وحالياً قد خفت حدة هذا التوتر وإسرائيل، بدورها التزمت الصمت دون أي مؤشرات على العداء، بحسب النائب الغاني بدزراه.
بالمحصلة، يكشف الخلاف بين غانا وإسرائيل، أن الدول الأفريقية تعيد تعريف قدرتها على التأثير في السياسة العالمية، إذ لم تعد مكتفية بأن تكون ساحات سلبية للتنافسات الخارجية، بل بدأت دول مثل غانا تتبنى مواقف دقيقة ومتوازنة مستندة إلى التاريخ، والرأي العام، والتضامن القاري، إذ كان رد غانا حازماً لكنه محسوب، وواضحاً لكنه قابل للتراجع، وهو يعكس تقليداً في السياسة الخارجية يقاوم التطرف، حتى في عالم تُفرض فيه الضغوط على الحياد ذاته.
الخلاف بين غانا وإسرائيل يكشف أن الدول الأفريقية تعيد تعريف قدرتها على التأثير في السياسة العالمية
وفي ظل تعمق الاستقطاب العالمي، قد يوفر التوازن الذي اعتمدته غانا نموذجاً للدبلوماسية الأفريقية، يقوم على: مبدئية دون تطرف، وحزم دون تهور، ووعي دائم بأن المصداقية الداخلية لا تقل أهمية عن النفوذ الخارجي.