كشف قرار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بخوض الحرب ضد إيران عن تناقض استراتيجي جوهري؛ إذ عززت الولايات المتحدة اعتمادها على الوقود الأحفوري، وفي الوقت نفسه أشعلت صراعاً في أحد أكثر نقاط الطاقة حساسية في العالم، وهو مضيق هرمز، الذي يمثل بؤرة ضعف مركزية في النظام العالمي، دون وجود خطة فعلية لإدارة التداعيات المترتبة على ذلك.
ترامب، وعبر مقطع فيديو، أبلغ الشعب الأمريكي بأن بلاده في حالة حرب مع إيران، وأنه يدرك تماماً أن الهجمات الأمريكية ستؤدي إلى اضطرابات في أسواق النفط العالمية، إذ لم يكن هذا الانعكاس ضمن التحليل السري لوكالة المخابرات المركزية، بل كان أي وسيط نفط يمتلك شاشة “بلومبرغ” يعلم يقيناً ما سيحدث إذا ردّت إيران بإغلاق مضيق هرمز.
السوابق التاريخية في هذا السياق واضحة؛ بدءاً من “حرب الناقلات” في الثمانينيات، حين اضطرت السفن الأمريكية لمرافقة ناقلات النفط، وصولاً إلى التهديدات الإيرانية المتكررة بتحويل جغرافيتها إلى سلاح، لذلك، فإن أي اضطراب في هذا الممر سينتقل فوراً إلى الأسواق العالمية، ما سيؤدي إلى ارتفاع جنوني في أسعار الوقود في المحطات بجميع أنحاء البلاد، ومع ذلك، أدركت واشنطن هذا الخطر، ومضت في طريقها.
لذلك، لم تكن صدمة الطاقة الراهنة محض صدفة عابرة، بل نتيجة منطقية لخيارات استراتيجية متعمدة، تتجسد اليوم في السحب السوداء الكثيفة المنبعثة من ركام منشآت النفط والغاز في الخليج كدليل حي.
اختار ترامب، تحت وطأة الإملاءات الإسرائيلية، الاندفاع نحو خيار الحرب، حتى بعد أن ألغى بنفسه جميع آليات الحماية المحلية ضد الصدمات التي كانت من شأنها تحصين البلاد ضد تقلبات الأسواق العالمية؛ بدءاً من تقويض الحوافز الضريبية للمركبات الكهربائية، ووصولاً إلى وأد استثمارات الطاقة النظيفة ومعايير الكفاءة السيادية.
واليوم، بتحركه منفرداً بعيداً عن أروقة الكونغرس، جرّد الرئيس الأمة من دروعها الحمائية، المصممة لامتصاص ارتدادات العنف الجيوسياسي على جيوب المواطنين.
وهذا يشير إلى أن الزلزال الذي ضرب العمق الأمريكي وحلفاء واشنطن على حد سواء لم يكن سوى صدمة داخلية مدمرة، تثير سؤالاً وجودياً مريراً: ما الغاية الاستراتيجية التي تبرر تكبيد البلاد هذه الأثمان الباهظة؟، وحتى هذه اللحظة، يواصل الرئيس تقديم سرديات واهنة لا تقنع أحداً سوى قاعدته الانتخابية المتصلبة، التي تغذيها الأيديولوجيا وتتجاهل الحقائق.
الزلزال الذي ضرب العمق الأمريكي وحلفاء واشنطن على حد سواء لم يكن سوى صدمة داخلية مدمرة تثير حول الغاية الاستراتيجية التي تبرر تكبيد البلاد هذه الأثمان الباهظة
استهل ترامب حقبته في يناير 2025 بعقيدة طاقية اختزلها في شعاره الكبير: “احفر بلا كلل”، لكنه لم يكتفِ بالتحفيز، بل اندفع نحو تفكيك االضوابط التنظيمية لقطاع النفط والغاز، حيث لم يمض وقت طويل بعد استقراره في المكتب البيضاوي حتى أطاح ببرامج الدعم التي أقرها سلفه، بايدن، للطاقة النظيفة، وجمّد فوراً تمويلات قانون خفض التضخم التي كانت تكفل الحوافز الضريبية للمركبات الكهربائية ومعايير كفاءة الوقود، قبل أن ينتقل إلى معركة استئصال التشريعات البيئية والمناخية.
بحلول يوليو، انقلب تشريع ترامب المسمّى “القانون الكبير والجميل” إلى أداة حاسمة قطعت مسار التحول الطاقي؛ ما دفع شركات الطاقة النظيفة إلى التراجع عن مشاريع استثمارية تُقدّر بنحو 8 مليارات دولار خلال الربع الأول من عام 2025 وحده.
اليوم، تقوم فلسفة ترامب على حلم “الهيمنة الطاقية”، عبر التوسع المفرط في ضخّ النفط، وتصدير الغاز بلا قيود، والمراهنة على كبح الأسعار من خلال إغراق السوق، غير أن هذا المنطق لا يستقيم إلا في عالم يسوده الاستقرار المطلق؛ إذ ينهار تماماً أمام واقع الحرب التي تخنق مضيق هرمز.

ومع ذلك، في خضمّ هذه الزلازل الجيوسياسية، تغدو أرقام الإنتاج المحلي مجرد تفاصيل هامشية؛ فالمستهلك الأمريكي لا يعيش في سوق وطنية معزولة، بل يظلّ رهينة لمنظومة عالمية متشابكة، وحين تشتعل الأسعار في الأسواق العالمية، يكتوي الداخل الأمريكي بلهيبها لا محالة، لذلك، تقوم نظرية “الهيمنة” التي يبشّر بها ترامب على مغالطة كبرى، مفادها بأن الاقتصاد الأمريكي محصّن بـ”جدار عازل” يقيه ارتدادات الانفجارات السياسية في الشرق الأوسط.
في الثامن من مارس، قفز خام برنت متجاوزاً عتبة 100 دولار للبرميل، للمرة الأولى منذ أربع سنوات، قبل أن يواصل صعوده الجامح ليلامس 120 دولاراً مع توقف حركة الناقلات في مضيق هرمز، وأدى ذلك إلى اشتعال أسعار الوقود في المحطات الأمريكية، لتقترب من 4 دولارات للغالون، ما دفع المجلس الوطني للهيمنة على الطاقة إلى ضخ 172 مليون برميل من الاحتياطي الاستراتيجي في محاولة يائسة لاحتواء الارتفاع المتسارع، غير أن هذا الاحتياطي لا يمثل سوى حل مؤقت، لا استراتيجية بعيدة المدى لمواجهة أزمات بهذا الحجم.
وفي هذا السياق المجهول، حذر رئيس وكالة الطاقة الدولية من أن هذه الحرب ستفجر أزمة طاقة هي الأعنف في التاريخ، متجاوزة في قسوتها صدمتي عامي 1973 و1979 مجتمعتين، حيث كان من شأن الانتقال الفعلي نحو الطاقة النظيفة، وتعزيز انتشار المركبات الكهربائية، ورفع معايير كفاءة الوقود؛ أن يخفف من وطأة هذه الكارثة ويجعلها أقل ضراوة.
وعلى النقيض من ذلك، جمع ترامب بين استراتيجية طاقية يراهن نجاحها على استقرار الأسواق العالمية، وقرار عسكري نسف هذا الاستقرار من جذوره، ما أحدث ثغرات قاتلة في “بوليصة تأمين” الطاقة الوطنية، قبل أن يطالب لاحقاً بالتعويض عن كارثة صنعها بيده.
لم تكن الرشقات الصاروخية التي طالت مدينة رأس لفان الصناعية في قطر ليلة 18 مارس مجرد فعلٍ عسكري عابر؛ بل كانت البرهان الحقيقي على الكيفية التي تحول بها الحربُ الحساباتِ الخاطئة إلى انتحارٍ استراتيجي.
ومنذ انطلاق شرارة عملية “الغضب الملحمي”، لم تكف طهران عن وضع البنية التحتية للطاقة في الخليج تحت مقصلة التهديد؛ ورداً على هجمات القصف الأمريكي-الإسرائيلي التي دكت مدنها، حيث ضربت إيران “رأس لفان” في قطر الحليف الاستراتيجي المحوري لواشنطن وهي القلب النابض لأكبر منشآت الغاز المسال في العالم؛ ما أدى إلى شللٍ تام في خطوط الإنتاج ومنصات تسييل الغاز.
تهاوى الإنتاج للمرة الأولى تحت وقع ضربات المسيّرات الإيرانية، ما دفع الدوحة إلى رفع صوت التنديد، واصفةً ذلك بـ”تصعيد وجودي”، كما أقدمت على طرد الملحق العسكري الإيراني، غير أن ضربة 18 مارس شكّلت “الزلزال الأكبر”، إذ اقتطعت جزءاً سيادياً من القدرات التصديرية لقطر، مع تقديرات بخسائر فادحة تراوحت بين 15 و20% من إجمالي الإمدادات، وبتكلفة تقترب من 20 مليار دولار سنوياً، حيث وجدت شركة قطر للطاقة نفسها عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها التعاقدية تجاه عواصم كبرى، مثل روما وبروكسل وسيول وبكين.
يُشار هنا إلى أن قطر كانت تؤمّن خُمس احتياجات العالم من الغاز المسال؛ فقبل اندلاع هذه الحرب، كان غازها يشكّل عصباً حيوياُ للمنازل والمصانع من أوروبا إلى آسيا، فأوروبا، التي لا تزال تترنح تحت وطأة صدمة الانفصال عن الطاقة الروسية، وجدت في قطر ملاذها شبه الوحيد، فيما صاغت عمالقة آسيا، مثل اليابان وكوريا وتايوان، استراتيجياتها القومية استنادًا إلى التدفق القطري.
واليوم، يقرع المحللون أجراس الخطر؛ فالهجوم لم يستهدف مجرد منشآت في الصحراء، بل وضع القارة العجوز وجهًا لوجه أمام خطر “أزمة الطاقة” في الشتاء القادم.
لم تتوقف آثار الحرب عند حدود القارة العجوز، بل امتدت ارتداداتها لتعرّض الأمن الغذائي العالمي للخطر، إذ يشير “معهد الأسمدة” إلى أن نحو 50% من الإمدادات الدولية لليوريا والكبريت، الركيزة الأساسية لصناعة الأسمدة، ومصدرها الشرق الأوسط أو تمر عبر مضيق هرمز، قد خلقت فجوة تموينية حادة تصادفت مع ذروة موسم البذر والزراعة في أمريكا وبقية أنحاء العالم.
وفي هذا السياق، أطلق برنامج الأغذية العالمي صرخة تحذير من تضخمٍ غذائي قادم؛ فالحرب التي شُنّت لتدمير طموحات إيران النووية، باتت اليوم تقوض ركائز العيش من شرق أفريقيا إلى جنوب آسيا، ناهيك عن قفزات الأسعار التي تكتوي بها الأمة الأمريكية وبقية الدول.
اليوم، ما تكشفه حروب الطاقة المعاصرة هو حقيقةٌ ظاهرة للعيان، بأن ضربة صاروخية واحدة لمنشأة غاز سيادية في الخليج، كفيلةٌ بقطع شرايين التدفئة عن أوروبا لنصف عقدٍ من الزمان؛ فالمنشأة لم تكن مجرد هدفٍ عسكري، بل كانت نقطة ارتكاز في هجومٍ اقتصادي عنيف حقق غايته بدقة؛ إذ خلّف دماراً هيكلياً قد تعجز آثارُه عن المحي حتى بعد أن تضع الحرب أوزارها.
ما تكشفه حروب الطاقة المعاصرة حقيقةٌ ظاهرة للعيان بأن ضربة صاروخية واحدة لمنشأة غاز سيادية في الخليج، كفيلةٌ بقطع شرايين التدفئة عن أوروبا لنصف عقدٍ من الزمان
في غضون ذلك، صبّ ترامب غضبه على حلفاء واشنطن لترددهم في التدخل بجهود تأمين الملاحة في مضيق هرمز، زاعماً أن مبعوثيه خاضوا مفاوضات بالغة الصعوبة مع “شخصية رفيعة” في طهران؛ بيد أنه أحجم عن تسمية ذلك الطرف، بينما سارعت إيران لنفي أي أنباء عن حدوث تقدم، واصفةً إياها بالادعاءات الجوفاء التي لا صحة لها من الواقع.”
وعلى النقيض من ذلك، لم يكن إنذار ترامب لطهران في 22 مارس بضرب بنيتها التحتية، ثم تمديده المهلة من 48 ساعة إلى خمسة أيام بذريعة المفاوضات؛ إلا تجسيداً لارتجالٍ سياسي يفتقر إلى الحد الأدنى من عقيدة الحسم، حيث يكشف هذا التذبذب بين الوعيد والتراجع عن ثغرة استراتيجية تتمثل في غياب خطة قتالية لإدارة التبعات المزلزلة لإغلاق مضيق هرمز، فالمواعيد النهائية التي تُعدّل، والتهديدات التي تُطوّع، لا تعكس دبلوماسيةً مرنة، بل تعكس تخبطاً في تعريف “النصر” وتجنباً مكشوفاً لمواجهة الكلفة الحقيقية للتصعيد.
في الوقت الحالي، تكمن المعضلة في احتمال حدوث “انقلاب استراتيجي” للأهداف؛ فالحرب التي شُنّت أساساً لتقويض المشروع النووي الإيراني لم تُخطط يوماً للتفاوض حول حرية الملاحة، ومع ذلك، إذا أفضى المسار الراهن إلى اتفاق يمنح طهران صلاحية إدارة حركة العبور بالمضيق، فستكون واشنطن قد منيت بـ”هزيمة مقنعة”، حينها، تكون الولايات المتحدة قد دخلت الصراع لاستئصال تهديد قائم، لكنه انتهى بشرعنة ذلك التهديد وتثبيته كجزء أصيل من النظام الأمني الذي سعت لتأمينه، وهو مآل لا يكرس الاستقرار، بل يعيد صياغة مفهوم السيطرة لصالح الخصوم.
وفي مشهدٍ يجسد العزلة الأمريكية، جاء رفض الحلفاء الانخراط في قوة المهام لفتح المضيق بمثابة “شهادة وفاة” لانتهاء التحالف عبر الأطلسي؛ فمن ذا الذي يقامر بأصوله البحرية في حربٍ أعلنها ترامب منفرداً عبر “منشور” في منصات التواصل الاجتماعي عند الثانية فجراً؟، فموقف العواصم الأوروبية لم يكن مجرد تحفظٍ دبلوماسي، بل كان حكماً استراتيجياً قاطعاً بعدم جدوى المغامرة.
في بروكسل، جاء رد الفعل الأوروبي موحداً وبنبرة الرفض؛ إذ أعلن وزير الخارجية الألماني يوهان واديفول صراحةً نأي برلين عن العمليات، بينما جزم المتحدث باسم المستشار الألماني فريدرش ميرتس بأن الصراع خارج نطاق التزامات الناتو، ولم يبتعد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر عن هذا الإجماع، مؤكداً أن المهمة لم تكن ولن تكون تحت مظلة الأطلسي، رافضاً إرسال كاسحات ألغام إضافية، أما فرنسا، فقد لخص وزير ماليتها رولاند ليسكيور الموقف بواقعية فجة حين قال: “لا أحد يجرؤ على عبور مضيق هرمز بينما تنهال الصواريخ والمسيّرات فوق الرؤوس”.
ينظر البيت الأبيض في عهد ترامب إلى تردد الحلفاء بوصفه جبناً سياسياً، بيد أن الواقع يشير إلى عكس ذلك؛ فهو تقييم عقلاني ومنطقي لحرب لم تخترها أوروبا، ولم تُستشر في تداعياتها، ولا تجد لها مسوغاً أخلاقياً أو سياسياً لتقديمه لشعوبها، حيث لخص وزير الخارجية الإستوني، مارغوس تساكنا، جوهر هذا الإحباط بسؤالٍ شكل قلب المعضلة: ما هي الخطة؟، وهو السؤال الذي لا تملك واشنطن حتى اللحظة إجابةً مقنعة عليه.
وعلى النقيض من ذلك، فإن حلفاء أمريكا لا يمارسون الخيانة حين يطرحون هذا التساؤل؛ فالحقيقة أن القادة في أوروبا وآسيا يواجهون اليوم انهياراً اقتصادياً تحت وطأة أسعار طاقة جنونية بسبب صراعٍ لم يكن لهم فيه رأي، إذ قفزت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا بنسبة 60% منذ اندلاع المواجهة؛ ما يعني أن المواطن الأوروبي يدفع اليوم ثمن حربٍ سُلب حق التصويت عليها.
وبينما قُطعت إمدادات الغاز المسال إثر الرد الإيراني على الغارات الأمريكية-الإسرائيلية لخصت صحيفة “واشنطن بوست” لسان حال القادة الأوروبيين، بالقول: “يُطلب منهم تحمّل تبعات أخطر انقطاعٍ للطاقة منذ عقود، تسبب فيه حلفاءُ انتهجوا سياسةً هجومية أحادية، ثم عادوا الآن ليطالبوا الجميع بتقاسم الكلفة العسكرية لاحتواء الكارثة”.
وهنا يبرز بعدٌ استراتيجي غالباً ما يتوارى خلف ضجيج التقارير اليومية؛ فالتكتلات مثل “الناتو” ليست مجرد ترتيبات عسكرية، بل هي منظوماتٌ قائمة على الالتزامات المتبادلة، وعندما تنفرد قوة باتخاذ قرارات ذات عواقب كارثية، فإنها تستنزف رأس المال السياسي الذي يمنح التحالفات قيمتها وحيويتها، لذا فإن إحجام أوروبا عن خوض معركة مضيق هرمز ليس مجرد “منغص تكتيكي”؛ بل هو ناقوس خطر يعلن عن تآكل الثقة في استدامة هيكل الأمن العالمي الذي شيدته أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية، ولا تزال تعتمد عليه حتى يومنا هذا.
عندما تنفرد قوة باتخاذ قرارات ذات عواقب كارثية فإنها تستنزف رأس المال السياسي الذي يمنح التحالفات قيمتها وحيويتها
تذهب القناعة السائدة إلى أن طفرة أسعار النفط تخدم الولايات المتحدة بوصفها أكبر منتجٍ عالمي؛ وثمة جانبٌ من الصواب في ذلك، فعند عتبة 110 دولارات للبرميل، يحصد منتجو النفط الصخري الأمريكي هوامش ربح فلكية، وتنتعش عوائد التصدير، ويسجل قطاع الطاقة مساهمة محورية في الناتج المحلي الإجمالي، وهي الديناميكية ذاتها التي تخدم روسيا، التي نالت ” فرصة ذهبية” غير متوقعة جراء هذا الصراع.
بيد أن التدقيق يكشف عن حقيقةٍ أكثر مرارة؛ فأرباح النفط الصخري الضخمة تظل حبيسة خزائن الشركات والولايات النفطية، بينما يقع عبء التكلفة على كاهل كل مواطن أمريكي يملأ خزان وقوده، أو يدفئ منزله، أو يعتمد على سلاسل إمداد الغذاء المعتمدة على الديزل.
وبمعنى آخر؛ يدفع المستهلك الأمريكي “ضريبة طاقة” قسرية بتبعات سياسية كارثية، فإدارة ترامب التي تترنح أصلاً تحت وطأة تضخم الرسوم الجمركية، باتت اليوم تكتوي بـ”صدمة أسعار البنزين”؛ وقليلٌ من الإدارات في التاريخ هي التي نجت من اجتماع هذين المسارين القاتلين.
من المنظور الاستراتيجي، يبدو أن العائد الروسي أكثر إثارة للقلق؛ فموسكو ترى في الصراع الإيراني “هدية” استراتيجية، إذ إن الخام الروسي المحاصر بالعقوبات يُباع بأسعار أعلى كلما ارتفع سقف الطاقة العالمي، علاوة على ذلك؛ فإن المشترين الذين عجزوا عن تأمين احتياجاتهم عبر مضيق هرمز باتوا يهرعون نحو البدائل الروسية؛ حيث تضاعف الهند مشترياتها، خاصة بعد منح إدارة ترامب لنيودلهي استثناءً من العقوبات.
وفي هذا السياق، فإن تردد واشنطن في فرض سقف أسعار النفط في “G7” بصرامة يقوض الجهود الرامية لخنق آلة الحرب الروسية؛ وكما أشار المجلس الأطلسي، فقد خفض الاتحاد الأوروبي سقف الأسعار لاستعادة فاعليته، بينما أحجمت واشنطن عن المضي في المسار ذاته، ما خلق ثغرةً استراتيجية استثمرتها موسكو ببراعة.
بعبارة أخرى؛ صدمة الطاقة تخدم طموحات موسكو أكثر ما تخدم مصالح واشنطن، فروسيا تجني إيرادات أضخم مع ارتفاع الأسعار دون تكلفة عسكرية إضافية أو قلاقل سياسية داخلية؛ بينما تجني واشنطن بعض المكاسب المالية مقابل تآكل شعبية الإدارة، واستنزاف الاحتياطي الاستراتيجي، ونفور الحلفاء التقليديين، لذا فإنها مقايضةٌ يجمع المحللون على وصفها بالخاسرة بامتياز.
بات السؤال حول استدامة هذا المشهد ضرباً من الشك؛ فالتضخم القاتل سياسياً ليس سوى توأم ارتفاع أسعار النفط، حيث يجد مجلس الاحتياطي الفيدرالي نفسه اليوم في مأزقٍ وجودي بعد سنوات من الانكفاء ما بعد الجائحة؛ إذ يواجه تضخماً مستعراً لا يمكن كبحه برفع أسعار الفائدة دون انهيار النمو الاقتصادي، فبينما يمارس ترامب ضغوطاً لخفض الفائدة، فإنه يهيئ بيده الظروف الموضوعية لسياساتٍ نقدية أكثر انكماشاً؛ في مفارقةٍ عبثية لن تجد طريقها للحل دون مخاضٍ أليم.
المعضلة الكبرى في البُعد الطاقي لهذه الحرب ليست تكتيكية فحسب؛ فمن الواضح أن الإدارة قد أخفقت في التنبؤ بإغلاق مضيق هرمز، كما أساءت تقدير سرعة ارتباك أسواق الغاز المسال إثر تدمير أحد مصادره السيادية، غير أن هذه الإخفاقات تظل ثانوية أمام المعضلة الاستراتيجية الكبرى، حيث ارتهنت إدارة ترامب لمصير الوقود الأحفوري، ثم اندفعت بقرارٍ أحادي لخوض حربٍ في البقعة التي تتحكم بشرايين هذا الوقود، دون أدنى خطة لإدارة التبعات الكارثية.
لعل المثير للدهشة أن وثيقتي “استراتيجية الدفاع الوطني” الصادرتين في ولاية ترامب الثانية، لم تدرجا أمن الطاقة كقضية استراتيجية عليا؛ بل إن قرار تجريد مبادرات الطاقة النظيفة من فاعليتها أدى إلى تقويض “الأطر التنظيمية” التي كان من شأنها تحصين أمريكا وحلفائها ضد هذه الهزات، كما أن الانفراد بقرار الحرب دون تشاورٍ مع الحلفاء التقليديين، قد أعفاهم عملياً من مغبة تقاسم الكلفة.
الآن، يطرح السؤال الوجودي: ما الغاية من هذه الحرب؟، حيث إن تقويض القدرات النووية الإيرانية هدفٌ مشروع يحظى بإجماع دولي؛ أما تغيير النظام كما أعلن ترامب في منشوره يوم 28 فبرايرفهو مقامرةٌ ذو عواقب وخيمة لم يباركها أيٌّ من الحلفاء سوى إسرائيل.
النتيجة الحتمية، أن هذه الفجوة العميقة بين الأهداف العسكرية المعلنة والمطامع السياسية المبطنة، قد خلقت ” فجوة حرجة” في الانسجام الاستراتيجي؛ فلا يمكن توقع تشارك الأعباء من حلفاء تُرِكوا يتخبطون في تيه النوايا الحقيقية.
لقد لخص سعد شريدة الكعبي، الرئيس التنفيذي لشركة قطر للطاقة، وهو يتأمل الحطام في “رأس لفان”، المشهد بمرارة، وقال: “إذا هاجمت إسرائيل إيران، فالأمر بينهما، ولا علاقة لنا أو للمنطقة بذلك”، حيث يمثّل هذا التصريح صك إدانة صريحاً؛ فالحرب التي تحوّل أصول الطاقة كشريك استراتيجي إلى رماد في غياب التنسيق أو الدرع الحامي ليست مجرد تصعيد عابر، بل تهدم الجسور مع الحلفاء الذين تُفرض الحكمة الاستنادُ إليهم، وتكشف هشاشة الاستراتيجيات التي تُروّج لها الأطراف المعنية.

عادةً تُقاس الحروب بميزان التكلفة والعائد؛ وفي كفة التكلفة، تسببت الحرب ضد إيران في زلزال طاقة عالمي يضاهي صدمات السبعينيات؛ إذ تكبد حلفاء واشنطن خسائر ناهزت 20 مليار دولار، وقفزت أسعار الغاز في أوروبا بنسبة 60%، بينما اشتعلت أسعار البنزين محلياً لتقترب من 4 دولارات للغالون، تزامناً مع استنزاف الاحتياطي الاستراتيجي في ظروفٍ حرجة، وتصدع حلف “الناتو” بفعل الانفراد الأمريكي بالقرار.
وعلى النقيض من ذلك، جنت روسيا مكاسب استراتيجية دون أن تطلق رصاصة واحدة، وبرزت الصين كـ “الرابح الأكبر”؛ إذ عززت مساعيها لتقديم نفسها كقوة متعاطفة تسعى للإطاحة بالدولار عن عرشه كعملة احتياط عالمية.
أما في كفة المكاسب، فتبرز تصفية القدرات النووية الإيرانية، ومقتل المرشد الأعلى ومعظم نخبته القيادية؛ وهو إنجازٌ ضخم بأي مقياس عسكري، بيد أن أي مكسبٍ يجب أن يُوزن بميزان الاستدامة؛ فالتاريخ يُعلمنا أن البرامج النووية لا تبقى مدمرة للأبد ما دامت الدوافع قائمة، من المرجح أن تخرج من هذا الصراع بكراهية أعمق لأمريكا وحلفائها في الخليج، وربما لن يشهد العالم بيئة أكثر استقراراً من تلك التي كانت سائدة قبل الحرب.
من المرجح أن تخرج إيران من هذا الصراع بكراهية أعمق لأمريكا وحلفائها في الخليج، وربما لن يشهد العالم بيئة أكثر استقراراً من تلك التي كانت سائدة قبل الحرب
في المحصلة، طمأنت إدارة ترامب الأمريكيين بأن الارتفاع المؤقت في أسعار الوقود هو “ثمن بخس” مقابل عالم أكثر أماناً؛ وقد يثبت صدق ذلك، لكن بنية التكافؤ الاستراتيجي دفعت هي الأخرى ثمناً باهظاً، فالتسارع في وتيرة إلغاء الدولرة في أسواق الطاقة، وتمزق التحالفات، وتقويض مصدات الطاقة التي كانت كفيلة بامتصاص الصدمة، وتحويل المشكلات الجيوسياسية القابلة للاحتواء إلى أزمة طاقة مفتوحة، كل تلك التكاليف ليست بالهينة ولا المؤقتة، وبالتالي: “إن الجراح التي يلحقها المرء بنفسه غالباً ما تتفاقم؛ وهذا الجرح تحديداً لن يندمل لزمن طويل.”