في صباح الثامن والعشرين من فبراير 2026، دخلت الولايات المتحدة الحرب عبر مقطع فيديو مدته ثماني دقائق، نُشر على منصة “تروث سوشال”، في خطوة مغايرة لنمط الحروب الحديثة التي تمرّ عبر الكونغرس، وإحاطاتٍ استخباراتية مطوّلة، وأشهر من الجدل العلني.
سقطت القنابل على إيران قبل أن ينتهي معظم الأمريكيين من احتساء قهوتهم الصباحية، حين أعلن الرئيس ترامب بدء عمليات قتالية كبرى في إيران، محذِّراً من أن أرواحاً أمريكية قد تُفقَد، ولاحقاً أخبر العالم بأن الضربات الجوية الأمريكية-الإسرائيلية قتلت زعيم إيران، المرشد الأعلى عليَّ خامنئي، كما وجَّه ترامب خطاباً إلى الشعب الإيراني حاثًّاً إيّاه على الإطاحة بحكومته.
لم يحمل الهجوم الجريء إطاراً قانونياً، إذ لم يُكلِّف البيت الأبيض نفسه عناء عرضه على الكونغرس، فقبل ذلك بثمانية أيام، كانت المحكمة العليا قد أبلغت الرئيس بوضوح أنه لا يستطيع إعادة تشكيل الاقتصاد العالميّ بشكل منفرد، من خلال صلاحيات طوارئ أعلنها بنفسه، من دون تفويض من الكونغرس، وذلك في حكم أيَّده ستة من قضاتها التسعة، ورغم أن هذا الحكم كان يتعلق بالتعريفات الجمركية لا بصلاحيات الحرب، إلا أن المبدأ كان واضحاً: ليس ثمة قرار فردي، لكن يبدو أن العبرةَ لم تُستوعَب بعد.
اليوم، ما يتضح في واشنطن ليس مجرد أزمة في السياسة الخارجية، بل هو أزمة دستورية أيضاً، والأزمتان متداخلتان على نحو ينبغي أن يثير قلق كل من يهتم بمتانة الحوكمة الديمقراطية الأمريكية واستمراريتها، وفي هذه المسألة، فإن الموقف من البرنامج النووي الإيراني ليس بيت القصيد.
ما يتضح في واشنطن ليس مجرد أزمة في السياسة الخارجية بل دستورية وهما متداخلتان على نحو يثير قلق كل من يهتم بمتانة الحوكمة الديمقراطية الأمريكية
وسط هذه المعطيات، لم تصل إدارة ترامب إلى هذه اللحظة مصادفة، بل مهّدت لها عمداً، فمنذ توقيع مذكرة الأمن القومي الرئاسية في فبراير 2025، التي أعادت فرض عقوبات صارمة على إيران، كان المسار المقصود واضحاً.
إلى جانب ذلك، أعلن ترامب أن حرب الأيام الاثني عشر في يونيو 2025 كانت نصراً حاسماً، بعد أن استهدفت الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية مواقع إيران النووية وبنيتها التحتية الصاروخية وقيادتها العسكرية، وصرح حينها بأن البرنامج النووي الإيراني “دمر بالكامل”.
غير أن العديد من محللي الاستخبارات والخبراء المستقلين خالفوه الرأي، إذ قدروا أن الضربات أعادت إيران إلى الوراء لأشهر لا لسنوات، وجاء رد طهران ليعزز هذا التقييم، إذ استؤنفت أنشطة التخصيب بسرعة، واستبعد المراقبون الدوليون المحايدون من المنشآت المتضررة، وبدأت جهود لإعادة بناء القدرات الصاروخية الباليستية.
في الوقت الحالي، يبدو أن المنطق الاستراتيجي للإدارة الأمريكية، ووفقا لما تعكسه التصريحات العلنية وأنماط الانتشار العسكري، يرتكز على ثلاثة عناصر رئيسية:
أولاً، ترى الإدارة أن الطموحات النووية الإيرانية تمثل تهديداً وجودياً لإسرائيل وتهديداً للمصالح الأمريكية في المنطقة وخارجها.
ثانياً، تعتبر الإدارة أن المسار الدبلوماسي قد استنفد؛ فعلى الرغم من جولات التفاوض العديدة على مدى سنوات، لم تستجب طهران للمطالب الأمريكية بإنهاء تخصيب اليورانيوم.
ثالثاً، رأت الإدارة أن التوقيت ملائم، فقد أدت عودة إشعال حركة الاحتجاج في إيران أواخر عام 2025، بفعل انهيار العملة وسنوات من الضغوط الاقتصادية تحت وطأة العقوبات، إلى خلق نافذة محتملة لتغيير النظام قد لا تتكرر، وقد لخّص زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ الجمهوري جون ثيون من ولاية ساوث داكوتا هذا المنطق بإيجاز حين حذر من أن أي شخص يفكر في القيام بشيء ما في إيران “عليه أن يتأكد جيداً من أن الأمر يتعلق بإيجاد قيادة جديدة”، وبعد ساعات قليلة، جعل ترامب هذا الهدف رسمياً.
وهذا يشير إلى أن الطرح الذي اعتمدته الإدارة يحمل لموقفها قدراً من الاتساق الداخلي، فعلى مدى عقود، كانت إيران واحدة من أكثر الفاعلين تأثيراً ضد الاستقرار في الشرق الأوسط، إذ لم تُذرف دموع كثيرة خارج إيران على خامنئي، الذي أسهم في رعاية حزب الله في لبنان، وحركة حماس في فلسطين، والحوثيين في اليمن، إضافة إلى ميليشيات شيعية في أنحاء العراق وسوريا.
طرح الإدارة الأمريكية يحمل لموقفها قدراً من الاتساق الداخلي فعلى مدى عقود كانت إيران واحدة من أكثر الفاعلين تأثيراً ضد استقرار الشرق الأوسط
واليوم، في عواصم عديدة، يُنظر إلى احتمال قيام إيران متحررة من إملاءات الجمهورية الإسلامية وهيمنة الحرس الثوري على الاقتصاد والسياسة الخارجية باعتباره تطوراً مرحباً به ومتأخراً عن موعده.
ومع ذلك، لا تغني الرغبة الاستراتيجية عن التخطيط والتنفيذ العملياتيين، فقد أُضعفت بشدة الأجهزة الأمريكية المسؤولة عادة عن التخطيط لما بعد العمليات وتضم: وزارة الخارجية والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، نتيجة تخفيضات في عدد الموظفين دبرها إيلون ماسك ووزارة كفاءة الحكومة، كما خُفّضت ميزانيات أجهزة الاستخبارات وأُضعفت، حيث شرعت الولايات المتحدة الآن في أكثر محاولاتها طموحاً لفرض انتقال سياسي قسري منذ غزو العراق عام 2003، ولكن بجزء ضئيل من القدرة المؤسسية للقوة الناعمة التي كانت سائدة عندما أمر الرئيس جورج دبليو بوش بالهجوم على صدام حسين، حيث يعلم الجميع كيف انتهى الأمر.

قبل ثمانية أيام من سقوط القنابل على طهران، أصدرت المحكمة العليا أحد أهم أحكام فصل السلطات في جيل كامل، ففي قضية “ليرنينج ريسورسز ضد ترامب”، ألغت أغلبية التعريفات الجمركية الطارئة التي فرضتها الإدارة، وذكر رئيس المحكمة جون روبرتس في رأي الأغلبية بوضوح أن سلطة فرض الضرائب والتعريفات الجمركية منوطة بالكونغرس بموجب المادة الأولى من الدستور، وعندما يمنح الكونغرس سلطة فرض التعريفات، فإنه يفعل ذلك بوضوح وبقيود دقيقة، وقد طبقت المحكمة مبدأ المسائل الرئيسية، الذي ينص على أن القرارات ذات الأهمية الاقتصادية أو السياسية الكبيرة تتطلب تفويضاً صريحاً من الكونغرس، وليس استنتاجاً من نصوص قانونية غامضة.
جاء رد ترامب على حكم المحكمة العليا موضحًا في دلالاته، إذ وصف القضاة بأنهم “وصمة عار”، وألمح إلى أن مصالح أجنبية أفسدت المحكمة، ثم سارع إلى الاستناد إلى سلطة قانونية مختلفة لإعادة فرض الرسوم الجمركية بمعدل أقل، وبدلاً من إظهار احترام للقيود الدستورية، لجأ فوراً إلى مخرج إجرائي للالتفاف على الحكم.
والآن، يتكرر هذا النمط على نطاق يجعل سياسة الرسوم الجمركية تبدو مسألة هامشية لا تذكر، فسلطة إعلان الحرب ليست كامنة في لغة ملتبسة ضمن قانون الطوارئ لعام 1977، بل هي منصوص عليها صراحة في المادة الأولى، القسم الثامن من الدستور، حيث لم ينجح أي رئيس، ديمقراطياً كان أم جمهورياً، في الادعاء بأن له وحده سلطة تنفيذية تخوله الإذن بعمليات عسكرية هجومية واسعة النطاق ضد دولة ذات سيادة من دون الرجوع إلى الكونغرس.
ولكن ما يميّز الوضع الراهن ليس مجرد غياب تفويض من الكونغرس، إذ سبق لرؤساء أن وسعوا تفسير قانون صلاحيات الحرب، بل الهدف المعلن للرئيس ترامب بتغيير النظام، وإقراره بأن أمريكيين سيلقون حتفهم، وهذا يشير إلى أن الخطة ليست ضربة محدودة أو حملة قصيرة، بل حرباً شاملة.
ومع ذلك، فإن التشبيه بحالة الرسوم الجمركية ليس مجرد بلاغة، ففي الحالتين، جادلت الإدارة بأن سلطات الطوارئ وسلطة السياسة الخارجية تمنح الرئيس سلطة منفردة لاتخاذ إجراءات واسعة النطاق، حيث رفضت المحكمة هذا المنطق فيما يخص الرسوم الجمركية، ومن الصعب عليها البت في الطعون القانونية أثناء حملة عسكرية نشطة.
التشبيه بحالة الرسوم الجمركية ليس مجرد بلاغة ففي الحالتين جادلت الإدارة بأن سلطتي الطوارئ والسياسة الخارجية تمنح الرئيس نفوذاً لاتخاذ إجراءات واسعة النطاق
وعلى النقيض من ذلك، فإن المبدأ الدستوري الذي أوضحه رئيس المحكمة روبرتس بجلاء في حكم الأغلبية، بأن على الكونغرس أن يصرح صراحة بالقرارات ذات العواقب الكبرى، يبدو أنه ينطبق على إيران بقوة أكبر، فالرسوم الجمركية أداة اقتصادية، بينما للحرب عواقب من طابع مختلف تماماً وبدرجة أكبر بكثير.
ضمن هذا الإطار، كان رد فعل الكونغرس على الضربات الإيرانية متوقعاً إلى حد كبير، ولكنه في الوقت نفسه كاشف عن جوانب مهمة، حيث أشاد معظم الجمهوريين بالرئيس، وأثنى زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، جون ثون، على شجاعة القوات الأمريكية.
ووصف السيناتور ليندسي غراهام، المعروف بمواقفه المتشددة تجاه القوات المسلحة، العملية بأنها “ضرورية ومبررة منذ زمن طويل”، وتناول احتمال وقوع خسائر في صفوف الأمريكيين بثبات قائلاً: “إذا أُصبتم أو سقطتم، فأنا أؤمن من صميم قلبي أن تضحيتكم تجعل بلدكم والعالم مكانا أفضل وأكثر أماناً”، كما أعرب رئيس مجلس النواب، مايك جونسون، عن دعمه للهجوم.
كان الديمقراطيون شبه موحدين في الغضب، رغم تفاوت طبيعة اعتراضاتهم، حيث أشار عضو اللجنة الاستخباراتية البارز في مجلس الشيوخ، مارك وارنر، إلى العراق مباشرة، محذراً من “ادعاءات مألوفة بالعجلة، ومعلومات استخباراتية مضللة، وأعمال عسكرية تجذب الولايات المتحدة نحو تغيير النظام وبناء دولة طويل الأمد ومكلف”.
أما السيناتور الديمقراطي تيم كين من فرجينيا، أحد الرعاة الرئيسيين لقرار سلطات الحرب، فرسم أقوى خط تاريخي، مشيراً إلى أن ترامب في عام 2018 انسحب بالولايات المتحدة من الاتفاق الدبلوماسي الذي تضمن كلياً أو جزئياً برنامج إيران النووي، وفي رأيه، الأزمة الحالية تنبع من ذلك القرار، حيث صف السيناتور إدوارد ماركي، ديمقراطي من ماساتشوستس، الضربات بصراحة بأنها “غير قانونية وغير دستورية”.
كما شكك النائب حكيم جيفريز، زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب، في توقيت العملية، نظراً لادعاء ترامب السابق بأن برنامج إيران النووي قد “تم تدميره” خلال حرب الإثني عشر يوماً في يونيو 2025.
ومع ذلك، الكتلة الديمقراطية ليست متجانسة بالكامل، حيث أشاد السيناتور جون فيترمان من بنسلفانيا، وهو من الأعضاء المنشقين عن توجهات الحزب، بالعملية، وانضم النائب جوش غوثهايمر، الديمقراطي من نيوجيرسي، إلى النائب مايك لولر، الجمهوري من نيويورك، في تصريحات أشارت إلى أن الشروع في قرار سلطات الحرب الآن سيعطي إشارة ضعف “في لحظة خطيرة”.
وعلى الجانب الجمهوري، وصف النائب توماس ماسي من كنتاكي، الذي يشارك في رعاية تصويت على قرار سلطات الحرب مع النائب الديمقراطي رو خانا من كاليفورنيا، الضربات بأنها “أعمال حرب لم يُخوّلها الكونغرس”، وتمثل هذه الجهود المشتركة بين الحزبين أحد أخطر التحديات الدستورية التي يواجهها الكونغرس ضد تجاوز السلطة التنفيذية، رغم أن فرص نجاحها لا تزال غير مؤكدة.
وتحمل قرارات صلاحيات الحرب وضعاً تشريعياً مميزاً، وبالتالي تضمن إجراء تصويت على الأرض في المجلس، حيث دعا السيناتور تيم كين بالفعل إلى العودة الفورية إلى واشنطن، ومع ذلك، تبقى نتيجة مثل هذا التصويت غير واضحة، فمشروع قرار مماثل يتعلق بفنزويلا في وقت سابق من هذا العام حصل على دعم جمهوري كاف ليتقدم إلى مجلس الشيوخ، لكنه فشل في النهاية.
الرهانات في إيران أعلى بكثير، إلا أن الديناميكيات السياسية معقدة، فالجمهوريون الذين يميلون تقليدياً إلى إحالة السلطة للرئيس يواجهون ضغطاً لتكرار هذا الموقف، بينما يخاطر الديمقراطيون بالظهور وكأنهم “يقيدون صلاحيات” الرئيس أثناء عملية عسكرية، وهو خط هجوم من المرجح أن يتبناه البيت الأبيض، حيث تشير السوابق التاريخية إلى أن فرص نجاح هذا القرار منخفضة.
يخاطر الديمقراطيون بالظهور وكأنهم يقيدون صلاحيات الرئيس أثناء عملية عسكرية وهو خط هجوم من المرجح أن يتبناه البيت الأبيض حيث تشير السوابق التاريخية إلى أن فرص نجاح هذا القرار منخفضة
بينما ظهر الديمقراطيون وحلفاؤهم في البرامج الحوارية صباح الأحد، برزت تساؤلات رئيسية: لماذا الآن؟ وما الخطوة التالية؟ حيث تواجه واشنطن الآن ما لا يقل عن ثلاثة سيناريوهات محتملة:
السيناريو الأول هو النتيجة المفضلة للإدارة، فالضربات تسرع انهيار نظام يتأرجح بالفعل تحت ضغط شعبه، وتوفر حركة الاحتجاج أساساً لحكومة ما بعد الجمهورية الإسلامية، وإزالة ما تعتبره واشنطن أكبر دولة راعية للإرهاب في العالم يغير ميزان القوى الإقليمي بطريقة تصب في مصلحة المصالح الأمريكية والإسرائيلية.
هذا السيناريو ليس مستحيلاً، فالنظام الإيراني أضعف مما كان عليه في أي وقت خلال العقود الماضية، وقد تضررت شبكة الوكلاء الإقليميين له بشدة، مثل حزب الله وحماس والحوثيين، والاقتصاد الإيراني في حالة انهيار سريعة، وهناك الكثير من الأدلة على أن الحكم الديني استنزف سكانه.
سيناريو آخر محتمل، مألوف لأي شخص درس تاريخ التدخلات العسكرية الأمريكية، هو أن الضربات توحّد الشعور القومي الإيراني خلف نظام متضرر لكنه مرن، وقد تؤدي الأعمال الانتقامية ضد القوات الأمريكية في العراق وسوريا والخليج إلى تصعيد الصراع بطرق لا يمكن التنبؤ بها، ما يترك واشنطن، سواء برضاها أو على مضض، ملتزمة بمأزق في الشرق الأوسط دون استراتيجية خروج واضحة.
التحذيرات الصادرة عن المشرعين الديمقراطيين ليست مجرد ضوضاء حزبية؛ بل تعكس نمطاً تاريخياً حقيقياً، حيث قامت الإدارة، خلال العام الماضي، بتفكيك القدرة الأمريكية في واشنطن على تحقيق الاستقرار وإعادة الإعمار والحكم، إذ لا يمكن تغيير نظام سياسي بتكلفة منخفضة، علاوة على ذلك، فإن الولايات المتحدة اليوم مختلفة تماماً عما كانت عليه في عام 2003، سواء من حيث مرونتها المؤسسية أو رغبة الجمهور في خوض حروب طويلة وبعيدة.
سيحاول الكونغرس السعي وراء السيناريو الثالث، ففي هذا السيناريو، تعيد السلطة التشريعية تأكيد نفسها وتجبر الإدارة على تبرير شرعية العملية، وستفرض هذه العملية رقابة حقيقية على ما وصفه الرئيس نفسه بالحرب، لكن هذا السيناريو، المتجذر في الدستور، له سوابق تاريخية، إلا أنه الأقل احتمالا للنجاح.
ومع ذلك، يظل التصويت مهماً حتى لو فشل القرار؛ فهو يجبر المشرعين على الإدلاء بمواقفهم العلنية بشأن مسائل الحرب والسلام، وفعل إقامة التصويت نفسه يدعم المبدأ الدستوري القائل بأن سلطة شن الحرب تعود لممثلي الشعب، وليس لأي شخص بمفرده.
حتى مع دخول الهجوم، الذي أطلق عليه اسم “عملية الغضب الملحمي”، يومه الثاني، يبدو أن الرواية الواثقة للإدارة تفقد بعضا من زخمها، ليس بسبب معارضة الديمقراطيين، بل من البيت الأبيض نفسه.
في مقابلة مع مجلة “ذا أتلانتيك”، كشف ترامب أن القيادة الإيرانية الجديدة تواصلت معه لإجراء محادثات، وقال لشبكة “سي بي إس نيوز”: “إنهم يريدون الحوار، وقد وافقت على ذلك، لذا سأتحدث معهم، كان ينبغي عليهم فعل ذلك مبكراً، لقد انتظروا طويلاً”، وأكد مسؤول رفيع في البيت الأبيض لاحقاً أن “القيادة الإيرانية الجديدة المحتملة” أبدت استعدادها للتفاوض، إن دولة قادرة على تشكيل مجلس خلافة وبدء حوار لا تشبه دولة فاشلة، فقد تكون إيران متضررة، لكن الأهم أنها لا تزال تعمل.
دولة قادرة على تشكيل مجلس خلافة وبدء حوار لا تشبه دولة فاشلة فقد تكون إيران متضررة لكن الأهم أنها لا تزال تعمل
السياق الإضافي مفيد، فقبل أيام من بدء القصف، ألمح ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص لترامب إلى الشرق الأوسط، تلميحاً صريحاً حول تفكير الرئيس، وقال لقناة فوكس نيوز: “إن ترامب لم يكن محبطاً بقدر ما كان من رفض إيران الاستجابة لتهديداته، بل كان يتساءل عن سبب عدم استسلامها تحت هذا الضغط الهائل، ومع كل هذه القوة البحرية التي نمتلكها هناك”.
في الواقع، الرئيس الذي لا يستطيع فهم سبب عدم سعي خصم متفوق عليه إلى شروط الاستسلام هو رئيس ربما أخطأ في تقدير العدو الذي سعى إلى تدميره.
قدم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي للإدارة إجابة محددة على لغز ترامب: “تريدون أن تعرفوا لماذا لا نستسلم؟ لأننا إيرانيون”، سواء كانت هذه العبارة بلاغية أو استراتيجية، فقد تنجح بالفعل، فهي تؤكد على محاولة النظام تصوير الصمود ذاته كشكل من أشكال المقاومة.
تنقل تبعات ما قد يكون زلة استراتيجية من جانب ترامب إلى ما هو أبعد من حدود إيران، فالحكومات الاستبدادية من الصين إلى كوريا الشمالية تراقب وتنتظر لترى ما إذا كانت القوة الجوية الأمريكية المستمرة، دون قوات برية وبدون وزارة خارجية قوية، قادرة حقا على فرض تغيير النظام، وإذا نجت الحكومة الإيرانية بأي شكل يمكن التعرف عليه، فقد تستخلص الحكومات التي تواجه ضغوطا أمريكية مشابهة نفس الدرس: الصمود الاستراتيجي ينجح، فواشنطن يمكنها دائماً القصف، لكنها لا تستطيع دائماً كسر إرادة خصم مصمم.
وهذا يشير إلى أن استعداد ترامب للدخول في حوار مع طهران، بينما تستمر الضربات، ربما يعني أنه بدأ يشعر بالفعل بأن انهيار إيران السريع ليس وارداً، وقد يكون مرتبكاً من قدرة إيران على الصمود، وربما يبدأ في التفكير في سؤال أصعب: ماذا يحدث إذا لم يكن بالإمكان إجبار الدولة الشرق أوسطية على الاستسلام؟.

في ظل هذه المعطيات، يتضح أن نطاق النتائج المحتملة في إيران واسع، لكن السابق الدستوري الذي يرسخ في واشنطن سيظل أكثر دواما من الأزمة نفسها، فالرئيس الذي يفرض رسوماً جمركية واسعة النطاق بمرسوم طارئ منفرداً، ويقيل أو يحاول إقالة رؤساء الوكالات المستقلة كما يشاء، ويفكك برامج مفروضة من قبل الكونغرس، والآن يشن حرباً ضد دولة ذات سيادة بهدف تغيير النظام دون أي تصويت من الكونغرس، يختبر حدود الفصل بين السلطات كما ينص عليه الدستور.
لذلك، القضية المحورية ليست إيران وحدها، بل هي ما إذا كان النظام الدستوري الأمريكي، الذي صممه الآباء المؤسسون لتوزيع السلطة بين فروع متساوية مع وجود ضوابط وتوازنات، قادراً على مقاومة الانحدار نحو سلطة تنفيذية فردية غير محدودة.
القضية المحورية ليست إيران وحدها بل هي ما إذا كان النظام الدستوري الأمريكي قادراً على مقاومة الانحدار نحو سلطة تنفيذية فردية غير محدودة
لقد أكدت المحكمة العليا بوضوح وبقوة أن الحدود المؤسسية لا تزال فعالة في المجال الاقتصادي، على الأقل فيما يتعلق بالرسوم الجمركية، أما ما إذا كان هذا المبدأ سيظل قائماً عندما تتجاوز المخاطر السياسة الاقتصادية لتطال حياة الجنود الأمريكيين ومصائر الأمم، فهو سؤال مفتوح.
وإجابته ستحدد ليس فقط هذه الإدارة، بل نوع الجمهورية التي ستكون عليها الولايات المتحدة في المستقبل، فمجلس الشيوخ سيعود يوم الاثنين، ومجلس النواب يوم الأربعاء، العالم يراقب، الأمريكيون قلقون، وطهران تحترق.