Eagle Intelligence Reports

حرب مالي: شخصنة السلطة

ايغل انتيلجنس ريبورتس • مايو 17, 2026 • ضيف مشارك

تصنف الحروب الحديثة غالباً حسب الأيديولوجيا أو العِرق أو الجغرافيا السياسية، حيث يجمع الصراع في مالي هذه العناصر الثلاثة كاملة، لكن خلف هذه العوامل الهيكلية تكمن طبقة أخرى، تتمثل في الأفراد الذين أعادوا تشكيل البلاد بعد انهيار النظام السياسي الذي أعقب عام 2012.

اليوم، لا يمكن فهم مسار مالي منذ عام 2020 دون التوقف عند الضباط العسكريين الذين استولوا على السلطة في باماكو، وقادة التمرد الذين وسّعوا نفوذ الجماعات المسلحة في مختلف أنحاء الريف، إضافة إلى القوى العسكرية الأجنبية التي ملأت الفراغ الذي خلّفه انسحاب القوات الفرنسية وانسحاب بعثة الأمم المتحدة المتكاملة متعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي “مينوسما”.

شكّل انقلاب عام 2020 نقطة تحوّل حاسمة، إذ حوّل الصراع من جهود دولية لتحقيق الاستقرار إلى مشروع سيادة ذي طابع عسكري تقوده سلطة عسكرية أصبحت أكثر عداء لفرنسا، وأكثر تشكيكاً في الأمم المتحدة، وأقرب إلى البُنى الأمنية الروسية، وفي الوقت نفسه، تكيف قادة التمرد بوتيرة أسرع من الدولة نفسها، فبنوا شبكات نفوذ تمتد اليوم عبر أجزاء واسعة من الريف المالي.

شكّل انقلاب 2020 نقطة تحوّل حاسمة إذ حوّل الصراع من جهود دولية لتحقيق الاستقرار إلى مشروع سيادة ذي طابع عسكري تقوده سلطة عسكرية

لم يكن ما ظهر بعد عام 2020 مجرد مرحلة جديدة من الصراع، بل نظام سياسي جديد تشكل بفعل السلطة العسكرية، وحكم المتمردين، ورؤى متنافسة للسيادة.

انقلاب 2020 والانهيار السياسي

في 18 أغسطس 2020، أقدمت مجموعة من الضباط العسكريين على اعتقال الرئيس إبراهيم بوبكر كيتا، وذلك عقب أشهر من الاحتجاجات والغضب الشعبي بسبب الفساد وتدهور الوضع الأمني، وقد وصف الانقلاب في بداياته داخل مالي تدخّلاً تصحيحياً، إذ فقدت شرائح واسعة من السكان ثقتها في الحكومة المدنية، ولا سيما بعد سنوات من تصاعد العنف رغم الدعم العسكري الدولي المكثف.

لكن الانقلاب كانت له تداعيات تجاوزت حدود باماكو بكثير؛ إذ عطّل تنفيذ اتفاق السلام لعام 2015 الذي جرى التوصل إليه برعاية وإشراف دوليين، وأضعف العلاقات مع فرنسا، وعرقل التنسيق مع البعثة الأممية “مينوسما”، كما أحدث تصدعاً في استمرارية مؤسسات الدولة نفسها.

كما شكّل الضباط الذين قادوا الانقلاب “اللجنة الوطنية لإنقاذ الشعب”، برز فيها العقيد آسمي غويتا بوصفه الشخصية المحورية، وأُعلنت حكومة انتقالية، إلا أن التوترات بين السلطات المدنية والعسكرية استمرت دون انقطاع.

في مايو2021، نفّذ غويتا خطوة ثانية لترسيخ السلطة، وُصفت على نطاق واسع بأنها “انقلاب داخل الانقلاب”، ما وضع المؤسسة العسكرية بشكل حاسم في قلب السلطة السياسية، ومنذ تلك اللحظة، تغيّر مسار مالي بصورة جوهرية؛ إذ باتت السلطة العسكرية تنظر إلى الانتقادات الأجنبية باعتبارها تدخّلاً في الشؤون الداخلية، وإلى مفاوضات السلام بوصفها علامة ضعف، بينما اعتبرت السيادة العسكرية المبدأ الأساسي للحكم.

غويتا وسياسات السيادة العسكرية

أصبح العقيد آسمي غويتا الشخصية السياسية الأبرز في مالي بعد عام 2020، وعلى خلاف القادة المدنيين السابقين الذين اعتمدوا بدرجة كبيرة على الشراكات الدولية، قدّم غويتا نفسه بوصفه مهندس دولة قومية ذات سيادة تقاوم الضغوط الخارجية، حيث ساعدت عوامل عدة أوسع على صعوده، من بينها تصاعد الإحباط الشعبي بسبب تدهور الأمن، وتنامي الاستياء تجاه فرنسا، وازدياد انعدام الثقة بالمؤسسات الدولية.

قدّم غويتا نفسه كمهندس دولة قومية ذات سيادة تقاوم الضغوط الخارجية على خلاف القادة السابقين الذين اعتمدوا بدرجة كبيرة على الشراكات الدولية

في ظل حكم غويتا، تبنّت الدولة موقفاً أكثر تصادمية تجاه القوى الغربية، في الوقت الذي عزّزت فيه علاقاتها مع روسيا، إذ لم يكن هذا التحوّل جيوسياسياً فحسب، بل كان أيضاً أيديولوجياً؛ إذ روّجت السلطة العسكرية لفكرة أن الحكومات السابقة قد تنازلت عن السيادة الوطنية، وأن عمليات حفظ السلام الدولية قد فشلت، وأن مشروعاً وطنياً ذا طابع عسكري هو السبيل الوحيد لاستعادة وحدة الأراضي، وقد أثبت هذا الخطاب فعاليته سياسياً داخل البلاد، رغم استمرار توسّع حالة انعدام الأمن في العديد من المناطق الريفية.

بوتين وغويتا في الكرملين بموسكو (أ ف ب)
نهاية التدخل الفرنسي  

تدخّلت فرنسا عسكرياً في مالي عام 2013 بهدف وقف تمدد الجماعات الجهادية ومنعها من ترسيخ سيطرتها في الشمال، وقد قوبل هذا التدخل في بدايته بترحيب واسع داخل البلاد، وأسهمت العمليات الفرنسية في دفع الجماعات المتمردة بسرعة خارج المراكز الحضرية الرئيسية، بما في ذلك غاو وتمبكتو.

ومع مرور الوقت، تآكلت العلاقة بين باريس وباماكو نتيجة عدة عوامل، حيث ازداد اعتقاد كثير من الماليين بأن الوجود الفرنسي أصبح وجوداً دائماً بلا أفق زمني واضح، وأن حالة انعدام الأمن تزداد سوءاً رغم سنوات من التدخل، وأن فرنسا تحتفظ بنفوذ سياسي يفوق حجمه الطبيعي في الشؤون المالية، وفي المقابل، اتهمت السلطة العسكرية فرنسا بانتهاك السيادة المالية، والتدخل سياسياً في شؤون البلاد، والفشل عسكرياً في تحقيق أهدافها.

تدهورت العلاقات بشكل حاد بعد انقلاب عام 2020، وبحلول عام 2022، أعلنت فرنسا سحب قواتها من مالي، منهية نحو عقد من العمليات العسكرية ضمن أطر مثل عملية “برخان”، حيث خلّف هذا الانسحاب فراغاً استراتيجياً كبيراً، إذ كانت القوات الفرنسية توفّر الدعم الجوي والاستخبارات والإمداد اللوجستي وقدرات التنسيق الإقليمي، كما أسهم رحيلها في إضعاف البنية الأوسع لجهود مكافحة التمرد الدولية في منطقة الساحل، وسرّع من تحول مالي نحو شراكات أمنية مدعومة من روسيا.

“مينوسما” والأرضية السياسية

أُنشئت بعثة “مينوسما” لتحقيق الاستقرار في مالي عام 2013، وأصبحت واحدة من أكبر بعثات حفظ السلام الأممية وأكثرها خطورة، حيث شملت ولايتها دعم عملية السلام بين حكومة مالي والجماعات المسلحة في الشمال، والمساعدة في تنفيذ اتفاق السلام لعام 2015 (المعروف أيضاً باسم اتفاق الجزائر)، وحماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، والمساهمة في استقرار المناطق المتنازع عليها.

لكن بعثة الأمم المتحدة المتكاملة متعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي واجهت منذ البداية مفارقة أساسية؛ إذ نُشرت في بيئة لا توجد فيها في الواقع حالة سلام يمكن حفظها، فقد استمر العنف الذي تقوده الجماعات المتمردة في التوسع، بينما بقيت الدولة نفسها هشة وضعيفة، وداخل الأمم المتحدة، حذّر مسؤولون من أن البعثة كانت مثقلة بالمهام ومقيدة سياسياً في قدرتها على التحرك الفعّال.

بعد انقلاب عام 2020، تدهورت العلاقات بين بعثة الأمم المتحدة المتكاملة متعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي والسلطة العسكرية بسرعة، حيث اتهمت القيادة العسكرية البعثة بالتحيّز، والتدخل في السيادة المالية، وعدم دعم الأولويات الوطنية، وفي المقابل، واجهت البعثة قيوداً متزايدة على حرية الحركة والعمليات، ما حدّ من قدرتها على تنفيذ مهامها.

بحلول عام 2023، طالبت السلطة العسكرية رسمياً بانسحاب بعثة الأمم المتحدة المتكاملة متعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي، حيث شكّل رحيلها أحد أكثر التحولات تأثيراً في تاريخ الصراع الحديث في مالي، إذ لم تكن البعثة مجرد قوة لحفظ السلام، بل كانت أيضاً آلية مراقبة ووسيطاً دبلوماسياً وحاجزاً فاصلاً بين الأطراف المسلحة، ومع خروجها، انهار عملياً الإطار التنفيذي المحيط باتفاق عام 2015، وخلال أشهر قليلة تصاعد القتال في الشمال بشكل ملحوظ وحاد.

غالي: الاستراتيجي المتمرّد

إذا كان آسمي غويتا هو الوجه الأبرز لمشروع السيادة العسكرية للدولة، فإن إياد أغ غالي يمثل رمزاً لاستمرارية التمرد، وهو شخصية طوارقية مخضرمة تمتلك عقوداً من الخبرة السياسية والعسكرية، وقد انتقل في مساره من النشاط القومي إلى القيادة الجهادية.

ويقود اليوم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM)، وهي أقوى تحالف جهادي ينشط في مالي وفي أجزاء واسعة من منطقة الساحل.

ما يجعل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين استثنائية وقوية لا يتمثل في قدراتها العسكرية فقط، بل أيضاً في مرونتها السياسية، فبقيادة إياد أغ غالي، تتغلغل الجماعة في التظلمات المحلية، وتتفاوض بشكل انتقائي مع المجتمعات، وتقدّم نفسها بوصفها بديلاً للحكم في المناطق التي تتخلى عنها الدولة.

ما يجعل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين استثنائية هو مرونتها السياسية فبقيادة غالي تتغلغلت في التنظيمات والمجتمعات المحلية وتتفاوض انتقائياً

وعلى خلاف نموذج تنظيم “داعش” القائم على السيطرة الإقليمية الصريحة، غالباً ما تتوسع “نصرة الإسلام والمسلمين” عبر النفوذ التفاوضي والتوسع في الأرياف، حيث مكّنت هذه الاستراتيجية الجماعة من البقاء رغم التدخل الفرنسي، وجهود الاستقرار التي قادتها الأمم المتحدة، والهجمات العسكرية المالية المكثفة.

وفي عام 2025–2026، أظهرت الجماعة مستوى غير مسبوق من التنسيق العملياتي، حيث نفذت هجمات متزامنة عبر عدة مناطق، وأصبحت تهدد بشكل متزايد البنية التحتية الاستراتيجية القريبة من باماكو نفسها.

 عودة قادة الانفصاليين في الشمال  

شهد قادة التحالفات الانفصالية في شمال مالي تحوّلاً كبيراً بعد انهيار اتفاق الجزائر، فخلال عملية السلام عام 2015 أعاد كثير منهم تموضعهم بوصفهم مفاوضين سياسيين يسعون إلى حكم ذاتي ضمن دولة مالية لامركزية، غير أن تعثّر تنفيذ الاتفاق أدى تدريجياً إلى إضعاف التيارات المعتدلة.

ومع انهيار الثقة بعد عام 2020، ولا سيما عقب انسحاب بعثة “مينوسما”، عادت النزعة المسلحة، حيث أعادت عدة تحالفات شمالية تسليح نفسها فعلياً بحلول عام 2024، وزعم قادتها بشكل متزايد أن باماكو قد تخلّت عن الاتفاق، وأن الحكم العسكري يجعل اللامركزية مستحيلة، وأن المقاومة المسلحة باتت ضرورية مرة أخرى، وتزامن هذا التصعيد مع تجدد الهجمات في كيدال والمناطق المحيطة بها.

كان التطور الأهم هو استعادة القوات المناهضة للحكومة لمدينة كيدال بعد قتال عنيف ضد القوات المالية المدعومة من روسيا، وكثيراً ما صوّرت التقارير الدولية هذه الهجمات على أنها من عمل منظمات جهادية مرتبطة بإياد أغ غالي وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، إلا أن هذه التفسيرات بسّطت بشكل مفرط تكوين تحالف المتمردين العامل في شمال مالي، كما لعبت الجبهة العسكرية لتحرير أزواد (FLA)  دوراً محورياً، وتضم قيادتها السياسية بلال أغ شريف وقادة سابقين آخرين في تنسيقية حركات أزواد (CMA).

لا يزال هذا التمييز مهماً سياسياً ودبلوماسياً، فعلى عكس جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، لا تُصنَّف الجبهة العسكرية لتحرير أزواد كمنظمة إرهابية على المستوى الدولي، كما أن العديد من الحركات المكوِّنة لها كانت من بين الموقّعين على اتفاق الجزائر، وشاركت بشكل مباشر في مفاوضات رعتها الجزائر والأمم المتحدة وجهات دولية أخرى.

على مدى سنوات، سعت هذه الجهات الفاعلة رسمياً إلى تحقيق الحكم الذاتي واللامركزية ضمن إطار سياسي متفاوض عليه، بدلاً من مشروع جهادي عابر للحدود، حيث تسارع انهيار هذا الإطار بعد انقلاب عام 2020، وازداد حدةً مع التهميش التدريجي لعملية الجزائر من قبل المجلس العسكري، وانسحاب بعثة “مينوسما”، واستعادة القوات المدعومة من مالي وروسيا لمدينة كيدال عسكرياً في أواخر عام 2023.

وبالنسبة للعديد من الفصائل المسلحة في الشمال، أكدت هذه التطورات أن اتفاق السلام قد انتهى فعلياً، وما تلا ذلك كان إعادة التسلح التدريجية للجماعات التي كانت طرفاً موقّعاً على الاتفاق، وظهور نوع من التنسيق الميداني التكتيكي بين الفصائل الانفصالية والقوات الجهادية ضد خصم مشترك يتمثل في حكومة باماكو وجهازها العسكري المدعوم روسياً.

لذلك فإن استعادة كيدال تحمل دلالة تتجاوز بكثير كونها انتصاراً رمزياً في ساحة المعركة، حيث مثّلت كيدال تاريخياً المركز السياسي لحركات المقاومة الطوارقية، والقلب الاستراتيجي لـ”أزواد”، والمرتكز الجغرافي لشبكات التمرد في الشمال، كما أن فقدانها شكّل نكسة استراتيجية كبيرة للسلطة العسكرية في مالي وللعمليات العسكرية المدعومة من روسيا في الشمال.

استعادة كيدال تحمل دلالة تتجاوز انتصاراً رمزياً حيث تمثل تاريخياً المركز السياسي لحركات المقاومة الطوارقية والقلب الاستراتيجي لـ”أزواد” وبؤرة شبكات التمرد في الشمال

ومنذ مطلع عام 2026، تبدو مالي بشكل متزايد وكأنها ساحة قتال مُجزأة، منقسمة بين أنظمة متنافسة من السلطة بدلاً من كونها دولة تمارس سيطرة إقليمية موحّدة.

كما تبدو الجبهة العسكرية لتحرير أزواد والفصائل المسلحة الشمالية المتحالفة معها، في موقع سيطرة فعلية على كيدال والمناطق المحيطة بها الممتدة نحو تساليت وأغلهوك وأجزاء من الممر الحدودي مع الجزائر، وفي هذه المناطق، تحتفظ البُنى الانفصالية بالحضور السياسي المهيمن، بينما تراجع وجود الدولة المالية إلى حد كبير خارج المواقع العسكرية المتبقية.

تحتفظ جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بنفوذ عملياتي في المنطقة، ويُقال إنها تنسّق تكتيكياً مع الفصائل المناهضة للحكومة، رغم أن القوتين تظلان مختلفتين من حيث الأيديولوجيا، حيث يمكن فهم هذه العلاقة على نحو أدق باعتبارها تقارباً مؤقتاً في المصالح أكثر من كونها هيكل قيادة موحّداً.

وتواصل القوات المسلحة المالية السيطرة على مدينة غاو وعدد من القواعد والمنشآت العسكرية الرئيسية، ومع ذلك، باتت الجماعات المتمردة تتحدى بشكل متزايد خطوط الإمداد، وطرق النقل، والبلديات الريفية المحيطة بالمدينة.

كما أصبحت منطقة شرق مالي، ولا سيما حول ميناكا، من أكثر مناطق البلاد تفككاً أمنياً، حيث تتداخل فيها مناطق نفوذ متعددة تشمل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وولاية تنظيم “داعش” في الصحراء الكبرى، إضافةً إلى ميليشيات محلية، وتشكيلات دفاع ذاتي قبلية، وفصائل متمردة مرتبطة بالجبهة العسكرية لتحرير أزواد.

وفي وسط مالي، ولا سيما في منطقتي موبتي وسيغو، تواصل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين توسّعها عبر التغلغل في الأرياف، وفرض ضرائب قسرية، وإبرام ترتيبات محلية تفاوضية، وتنفيذ هجمات على البنية التحتية للدولة.

ورغم أن الدولة المالية تحتفظ بسيطرتها على المدن الرئيسية، إلا أن الفاعلين المتمردين باتوا يهيمنون بشكل متزايد على الأرياف وعلى ممرات الحركة الاستراتيجية، حيث تواصل السلطة العسكرية السيطرة على باماكو والكتلة الإدارية الجنوبية للبلاد، إلا أن الهجمات المنسقة التي باتت تقترب أكثر من العاصمة أظهرت اتساع نطاق القدرات العملياتية للشبكات المتمردة وكشفت عن ثغرات داخل بنية القيادة العسكرية نفسها.

كما لم يعد الصراع يشبه تمرداً محصوراً في الشمال، بل أصبحت مالي تواجه حرباً متعددة الجبهات، حيث تسيطر الدولة على المراكز الحضرية الكبرى، بينما تهيمن الجماعات المتمردة على مساحات واسعة من الأرياف، في حين عادت الحركات الانفصالية الشمالية لتبرز كقوى عسكرية رئيسية بعد الانهيار الفعلي لبنية السلام التي أرساها اتفاق عام 2015.

تُظهر الهجمات المتجددة في شمال مالي أن الصراع لم يعد يمكن فهمه من خلال إطار مكافحة الإرهاب وحده، حيث أدّى عودة بروز “قضية أزواد” إلى تغيير المشهد السياسي بشكل جذري، وأصبح التمرد اليوم يجمع بين حركات جهادية تسعى إلى نفوذ أيديولوجي طويل الأمد، وفصائل انفصالية تطالب بالحكم الذاتي الإقليمي، وشبكات مسلحة محلية تستفيد من تآكل سلطة الدولة المركزية.

أما بالنسبة للسلطة العسكرية، فيمثل ذلك معضلة استراتيجية عميقة، إذ صاغت القيادة العسكرية الصراع بوصفه حملة سيادية ضد الإرهاب، غير أن عودة بروز فاعلين سابقين في مسار السلام، مثل بلال أغ الشريف والجبهة العسكرية لتحرير أزواد، تُعقّد هذه السردية على المستوى الدولي، خصوصاً لأن هذه الحركات كانت سابقاً أطرافاً معترفاً بها في التفاوض ضمن إطار اتفاق الجزائر.

ومنذ مطلع عام 2026، تبدو مالي وكأنها محاصرة بشكل متزايد بين مركزية دولة عسكرية، وتوسع إقليمي للتمرد، وانهيار الآليات السياسية التي كانت تمنع في السابق الانزلاق نحو تفكك كامل في الشمال.

جندي من جيش التحرير الشعبي يسير عبر ثكنات فيلق أفريقيا السابقة في المعسكر رقم 2 في كيدال (أ ف ب)
روسيا وفيلق أفريقيا

بعد الانسحاب الفرنسي، دخلت إلى مالي أعداد متزايدة من المتعاقدين العسكريين المرتبطين بروسيا، إذ ارتبطت هذه القوات في البداية بمجموعة “فاغنر”، قبل أن يتم لاحقاً دمجها ضمن شبكات عسكرية روسية خارجية مُعاد تنظيمها، يُشار إليها غالباً باسم “فيلق أفريقيا”، حيث تجاوزت مهمتهم نطاق العمليات القتالية المباشرة؛ إذ انخرط عناصر مرتبطون بروسيا في التدريب العسكري، وتوفير الحماية الاستراتيجية، والدعم الاستخباراتي، وتعزيز استقرار السلطة، أما بالنسبة للسلطة العسكرية، مثّل هذا التعاون قطيعة رمزية مع الاعتماد على فرنسا، لكن بالنسبة لروسيا، فقد أصبحت مالي جزءاً من استراتيجية أوسع في أفريقيا تهدف إلى توسيع النفوذ في ظل تراجع الوجود العسكري الغربي.

بالنسبة للمجلس العسكري مثّلت الشراكة مع روسيا قطيعة رمزية مع الاعتماد على فرنسا أما بالنسبة لموسكو فقد أصبحت مالي جزءاً من استراتيجية أوسع في إفريقيا تهدف إلى توسيع النفوذ في ظل تراجع الوجود الغربي

ومع ذلك، وعلى الرغم من العمليات العسكرية المكثفة، استمر المشهد الأمني في التدهور في عدة مناطق، حيث أظهرت التطورات الأخيرة في 2025–2026 أن الهجمات المتمردة باتت تتحدى بشكل متزايد القوات المالية والقوات المتحالفة مع روسيا في شمال مالي، ولا سيما حول كيدال وعلى طول الممرات الاستراتيجية في الشمال، كما أن عجز العمليات المدعومة من روسيا عن ترسيخ سيطرة إقليمية مستدامة كشف حدود المقاربة العسكرية البحتة في التعامل مع هذا الصراع.

شخصنة انهيار الدولة

غالباً ما يُحلَّل الصراع في مالي من خلال المؤسسات والاتفاقات والعمليات العسكرية، لكن القصة الأعمق تتعلق أيضاً بالشخصيات السياسية ورؤاها المتنافسة لمفهوم السيادة، حيث يمثل آسمي غويتا دولة عسكرية-قومية تسعى إلى فرض السلطة عبر القوة وتحقيق قدر من الاستقلال الاستراتيجي.

أما إياد أغ غالي، فيجسد نظاماً تمردياً لامركزياً قادراً على التغلغل في المناطق التي تضعف فيها الدولة، عبر جماعة نصرة الإسلام والمسلمين.

وعلى النقيض من ذلك، يمثل بلال أغ الشريف والحركات الأزوادية المعاد بروزها عودةَ مطالب سياسية شمالية لم تُحسم بعد، وقد نجت من الهزيمة العسكرية ومن فشل تطبيق اتفاقات السلام على حد سواء، بما في ذلك الجبهة العسكرية لتحرير أزواد.

في المحصلة، أدى انهيار التدخل الفرنسي وانسحاب بعثة “مينوسما” إلى إزالة البنية الدولية التي كانت تُشكّل إطاراً مُوازناً بين هذه الأطراف المتنافسة، والنتيجة هي بلد تضعف فيه الدبلوماسية، وتتزايد فيه النزعة العسكرية، وتتفتت فيه السلطة السياسية بشكل متزايد بين شبكات مسلحة متداخلة، حيث تحوّل الصراع الذي بدأ عام 2012 كتمرد في الشمال، بحلول عام 2026، إلى نزاع حول تعريف الدولة المالية نفسها وحدودها ومعنى سيادتها.