تبرز الصين اليوم بوصفها المرشّح الأوفر حظاً للظفر بلقب “المنتصر” في الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، ذلك العملاق الذي لم يُطلق رصاصة واحدة، فبعد أن تضع الحرب أوزارها وينقشع الغبار عن أنقاض البرنامج النووي الإيراني وقد أصابه الشلل التام، تتضح ملامح هذا التفوق، في ظل القنابل التي تنهمر على طهران ونطنز وفوردو، والصواريخ التي تهدد سلامة الملاحة وناقلات النفط في مضيق هرمز، تتصدر واشنطن وتل أبيب العناوين بطلعات جوية وهجمات صاروخية دامية، بينما يقتصر رد إيران على ضربات انتقامية تستهدف القواعد الأمريكية في دول الخليج العربي.
لا تعد استراتيجية بكين بعيدة المدى حيال الصراع معقّدة إلى حدّ كبير؛ إذ لا يوجد ما يضطرها للتدخل المباشر، أو تحمل مخاطر استراتيجية لاستثمار الموقف؛ حيث تكتفي بكين بمراقبة المعارك الجوية والبحرية فيما تُحدِث تلك المواجهات ارتدادات جيوسياسية عميقة في المنطقة والعالم، فمجريات الحرب تخدم مصالحها بصورة مثالية، كونها تكشف عن مواطن الضعف الأمريكية، وتستنزف موارد واشنطن، وتُعيد تشكيل خارطة تحالفاتها الإقليمية.
قدّمت حرب الشرق الأوسط للصين فرصة لم تكن في الحسبان الأمريكي؛ إذ أتاحت لها مراقبة القوة العسكرية لواشنطن عن كثب، ودراستها، واستكشاف ثغراتها، وفعلياً، يمنح هذا الصراع بكين رؤية استراتيجية دقيقة لنقاط الضعف الأمريكية، مادياً واستخباراتياً ودبلوماسياً، وبأدنى تكلفة ممكنة.
حرب إيران تمنح الصين رؤية استراتيجية دقيقة لنقاط الضعف الأمريكية مادياً واستخباراتياً ودبلوماسياً بأدنى تكلفة ممكنة
اليوم، وبعد مرور أكثر من اثنين وعشرين يوماً على اندلاع الحرب، تتجلّى المكاسب الاستراتيجية للصين في أسواق الطاقة بوضوح لا لبس فيه؛ فعلى مدى السنوات السابقة، شكّلت إيران مصدراً رئيسياً للنفط الخام منخفض السعر لبكين، رغم العقوبات الأمريكية التي لم تُطبَّق بصرامة تُذكر، عبر ما يُعرف بـ”أسطول الظل” من ناقلات النفط، التي اكتفت واشنطن بفرض عقوبات شكلية عليه، فيما تجاهلته الصين ببرود محسوب.
وعلى النقيض من ذلك، في مرحلة ما بعد الحرب، يُرجَّح أن تجد إيران نفسها وقد تضرّر اقتصادها بشدة، وتفاقمت حاجتها إلى السيولة، من دون بدائل حقيقية سوى تعميق هذا الارتهان؛ وذلك عبر تصدير نفطها إلى الصين بأسعار متدنية، أقرب إلى البيع الاضطراري، مقابل ضخّ بكين رؤوس الأموال اللازمة لإعادة الإعمار من خلال شركاتها المملوكة للدولة، وبمعزل عن نطاق الهيمنة الأمريكية.
وبالتالي، تتمثّل النتيجة المتوقعة في تكريس الصين راعياً لا غنى عنه لطهران، وشريكاً مهيمناً على مفاصل اقتصادها؛ إذ يُرجَّح أن تُرسِّخ هذه الحرب تلك العلاقة وتُحكِم قيودها، بدلاً من إضعافها أو تفكيكها.

لا تتوقف معادلة النفط عند حدود إيران؛ فحرب طويلة، أو حتى متقطعة، في الخليج العربي كفيلة بزعزعة سلاسل الإمداد العالمية، مُلحقَة ضرراً غير متكافئ بحلفاء الولايات المتحدة في أوروبا وآسيا، ومع لجوء إيران إلى تقييد حركة الناقلات عبر مضيق هرمز، ذلك الشريان الحيوي الذي يمرّ من خلاله نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، يتحوّل هذا الاضطراب إلى تهديد مباشر للاقتصاد الدولي.
وعلى النقيض من ذلك، لم تنتظر الصين وقوع الأزمة، بل أمضت عقدين في بناء حصانة طاقوية ممنهجة، تتجلّى في تنويع مصادر الإمداد، واستثمارات موجهة بقبضة الدولة، واحتياطيات استراتيجية ضخمة أُعدّت خصيصاً لفترة الاضطراب.
في الوقت الحالي، صحيحٌ أن اختلال تدفقات النفط يفرض كلفته على الجميع، لكن بكين تدخل هذه المرحلة وهي أكثر قدرة من معظم شركائها على امتصاص الصدمات، وتحويل الفوضى إلى فرصة.
والأهم من ذلك، أن هذا الاضطراب يعمّق نفوذ الصين أكثر فأكثر؛ فارتفاع أسعار الطاقة لا ينعكس كمجرّد عبء اقتصادي، بل يتحوّل إلى رافعة جيوسياسية تعزّز مساعي بكين لإعادة تسعير الطاقة باليوان بدلاً من الدولار، فالحرب الواحدة قد لا تُطيح بعرش العملة الأمريكية، لكن تصدّع الركائز التي يقوم عليها نظام “البترودولار” كفيل بإضعافه تدريجياً من الداخل.
الحرب الواحدة قد لا تُطيح بعرش العملة الأمريكية، لكن تصدّع الركائز التي يقوم عليها نظام “البترودولار” كفيل بإضعافه تدريجياً من الداخل.
وبالتالي، هنا تحديداً تتجلّى الاستراتيجية الصينية في أوضح صورها: لا اندفاع، ولا مواجهة مباشرة، بل استنزافٌ بطيء لقواعد الهيمنة القائمة، وتشييد بديلها تدريجياً من خلال لعبة النفس الطويل؛ حيث يتحقق التفوّق عبر التراكم والاحتواء، لا عبر الصدام والانفجار.
تستند طموحات الصين في تقويض نظام “البترودولار” إلى قاعدة صلبة من الهيمنة على المواد الحيوية؛ ففي خضم الحرب، تتآكل مخزونات البنتاغون من الذخائر الدقيقة مرتفعة الكلفة وأنظمة الضرب المتقدمة بوتيرة متسارعة، كاشفة عن هشاشة كامنة في عمق التفوق العسكري الأمريكي.
تشير التقديرات إلى أن إعادة بناء هذه الترسانة لن تكون مسألة أشهر، بل سنوات؛ في حين أنفقت الولايات المتحدة نحو 3.7 مليارات دولار خلال أول 100 ساعة فقط من العمليات، ذهب معظمها إلى ذخائر تُستهلك أسرع مما يمكن تعويضه.
غير أن المعضلة تتجاوز حدود التصنيع والإنتاج؛ فهي أزمة ذات طابع استراتيجي بنيوي تصبّ مباشرة في صالح الصين، فهي لا تهيمن فحسب على سلاسل توريد المواد الحيوية، بل تمتلك القدرة الفعلية على تحويل هذه الهيمنة إلى أداة ضغط ونفوذ، وربما إلى سلاح صامت يُعيد تشكيل موازين القوة.
وهذا يشير إلى أن العمود الفقري للترسانة الأمريكية المتقدمة يعتمد على معادن نادرة واستراتيجية، وعلى مكونات إلكترونية متطورة تُنتج ضمن منظومات إمداد تسيطر عليها الصين بشكل واسع؛ حيث تدخل مواد مثل “التنغستن” و”الغاليوم” في صلب القدرة القتالية الأمريكية، المتمثلة بأنظمة توجيه الصواريخ المجنحة والرؤوس الخارقة للتحصينات.
في عام 2024، استحوذت الصين على الحصة الساحقة من إنتاج “التنغستن” عالمياً بنحو 67 ألف طن من أصل 81 ألفاً، إلى جانب امتلاكها أكثر من نصف احتياطاته، أما “الغاليوم”، فتكاد تحتكر إمداده عالمياً بنسبة تقارب 98%؛ وهو عنصر لا غنى عنه في صناعة أشباه الموصلات والتقنيات الإلكترونية الدقيقة، بما فيها أنظمة توجيه الصواريخ.
في ظل هذا المشهد، لا تكتفي الصين بالوقوف خارج ساحة المعركة؛ بل تتحكم في مفاصلها العميقة؛ فهي لا تُطلق النار، لكنها تمسك بسلاسل الإمداد التي تُبقيها مشتعلة، وتلك هي الهيمنة بأخطر صورها.
الآن، الجيش الأمريكي بحاجة ماسة إلى هذه المواد، وحرب إيران تكشف عن هشاشة حقيقية في قدرة البنتاغون على تأمينها؛ حيث اعترفت الولايات المتحدة بهذه الثغرة في شهادات أمام الكونغرس، فيما سلطت دراسات حديثة الضوء على كيفية اعتماد مخزون الذخائر الأمريكية على مواد تسيطر عليها الصين، وما قد يسببه ذلك من بطء في إعادة تعبئة الترسانات.
ومنذ ذلك الحين، قلّص البنتاغون علاقاته مع مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية “سي أس أي أس” ضمن تغييرات سياسية أوسع أثرت على مراكز البحث التي تنتقد سياسات الإدارة؛ ورغم ذلك، لا يختلف اثنان على أن حرب إيران عمّقت مأزق الذخائر الأمريكية، وزادت من تعقيد أزمة الإمداد الاستراتيجي.
لقد أثبتت بكين استعدادها لتوظيف سيطرتها على المواد الاستراتيجية كورقة ضغط سياسية فعّالة؛ حيث فرضت قيوداً على تصدير مواد حيوية، كان آخرها “الجرافيت” في أكتوبر الماضي؛ ما يؤكد قبضتها المحكمة على سلاسل التوريد الأمريكية الحيوية، ومع مرور كل شهر من الحرب، يتسع الفارق بين استهلاك الذخائر الأمريكية وقدرتها على تعويضها.
وعندما أصبح هذا الخطر لا يمكن تجاهله، أصدر وزير الدفاع بيت هيغسيث وقائد القيادة المركزية الأمريكية، الجنرال براد كوبر، تعليماتهما بالتحول نحو ذخائر أقل تكلفة وقنابل جاذبية؛ وذلك بعد أن سيطرت القوات الأمريكية على الأجواء، إذ أكد المسؤولان أن القرار يبرهن كفاءة آليات البنتاغون؛ فالقيادة العسكرية المحترفة، لا البيروقراطية المدنية، هي التي تحدد كيفية حفظ الترسانة للحروب المستقبلية.
لكن هذا التغيير جاء تفاعلياً؛ بعد أن ظهرت المخاطر بوضوح ولم تعالج جوهر المشكلة؛ فالواقع الاستراتيجي أعمق: الصين لا تزال تسيطر على المواد الأساسية لإعادة تعبئة الترسانة الأمريكية، ما يجعل جدول الإمداد الأمريكي مرهوناً بالكامل بإرادة بكين، ومن المؤكد أن هذه القضية ستكون على طاولة ترامب إذا التقى بنظيره الصيني خلال الأشهر المقبلة؛ حيث تمثل أحد أبرز تحديات القوة الأمريكية في الشرق الأوسط.
الصين لا تزال تسيطر على المواد الأساسية لإعادة تعبئة الترسانة الأمريكية ما يجعل جدول الإمداد الأمريكي مرهوناً بالكامل بإرادة بكين
اليوم، يعكف محللو البنتاغون بانتظام على وضع نماذج للجداول الزمنية لاستهلاك الذخيرة في سيناريوهات محتملة؛ بما في ذلك سيناريو التدخل في تايوان، ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح مدى استجابة القادة الكبار في البنتاغون لهذه التوجيهات؛ ففي مقابلة مع برنامج “60 دقيقة”، زعم هيغسيث أن توقعات الذخيرة الأمريكية تتجاوز المتطلبات الفعلية.
بيد أن حملة التطهير التي شنها “هيغسيث” ضد المسؤولين العسكريين بعد تنصيبه قد خلقت ثقافةً تُثني عن تقديم تقييمات صريحة؛ وقد وصفت مقالة نشرتها صحيفة “نيويورك تايمز” في نوفمبر البنتاغون بأنه يعاني من القلق والفوضى وفقدان الثقة؛ ما يعكس هشاشة المؤسسة العسكرية أمام التحديات الاستراتيجية.
ومع ذلك، أثارت الاستراتيجية الوطنية للدفاع الأمريكية لعام 2026، التي خلت من أي ذكر لتايوان، انقساماً بين المحللين حول ما إذا كانت تعكس تراجعاً في حدة موقف الإدارة تجاه الصين.
تمنح الحرب الإسرائيلية–الأمريكية على إيران، الصين فوائد استخباراتية كبيرة، حيث تميل الكفة بوضوح لصالحها، فالمحلّلون الصينيون يراقبون الجيش الأمريكي وهو يعمل بكامل قدراته خلال حملة جوية مطوّلة، ويجمعون بيانات دقيقة يصعب عادةً الحصول عليها عبر التجسس التقليدي، مثل صمود سلاسل الإمداد، ومعدل الطلعات الجوية، وكميات الذخائر والمعدات واللوازم المطلوبة للحفاظ على العمليات القتالية على المدى الطويل.
كما يستطيعون تحديد نقاط ضعف حاملات الطائرات الأمريكية عبر متابعة عمليات التزود بالوقود وإعادة الإمداد بشكل مستمر وعلى نطاق واسع؛ ما يمنحهم فهماً عملياً لقدرات وحدود الحرب الجوية الأمريكية لتوظيفه في أي مواجهة مستقبلية مع خصمهم العالمي، الأمر الذي يعيد تشكيل تخطيط بكين للطوارئ؛ بما في ذلك أي سيناريو محتمل لفرض السيطرة على تايوان، ورد الفعل الأمريكي المحتمل.
وعلى النقيض من ذلك، ورغم هذه المكاسب الصينية، لا تخلو الحرب من قيمة استخباراتية للولايات المتحدة أيضاً؛ فهي تمنح المحللين العسكريين الأمريكيين فرصةً لتحديد أوجه القصور في التنفيذ واللوجستيات، فضلاً عن تقييم نقاط ضعف أنظمة الدفاع الإيرانية؛ بما في ذلك الأنظمة الصينية والروسية التي تستخدمها طهران.
اليوم، كل منظومة دفاع جوي إيرانية متدهورة، أو نظام حرب إلكترونية صيني غير مكتمل، يوفر بياناتٍ يمكن دمجها في التخطيط الاستراتيجي لسيناريوهات المحيط الهادئ، وباختصار؛ الولايات المتحدة تدرس المعدات الصينية، بينما تراقب الصين قدرات الجيش الأمريكي، حيث تُظهر المكاسب الدبلوماسية نمطاً مماثلاً لتضارب المصالح؛ فقد أمضت أمريكا سنوات وهي تحاول إقناع الدول النامية بأن قيادتها تعني تكريس نظام قائم على القواعد، والاستقرار، واحترام السيادة.
وعلى النقيض من ذلك، كانت الصين تتودد إلى الدول ذاتها؛ مستغلةً حالة عدم الاستقرار الناجمة عن التدخلات الأمريكي كما حدث في أفغانستان والفجوة الواضحة بين الخطاب الأمريكي والممارسات على أرض الواقع.
ورغم أن جهود الجانبين للتأثير في العالم النامي قد شهدت تقلبات بين مدٍ وجزر مؤخراً، إلا أن الحرب في إيران تظل حالة استثنائية؛ فهي تمثل هجوماً كاسحاً على قوة إقليمية دون تفويض من الأمم المتحدة، وفي منطقة تعاني فيها المصداقية الأمريكية أصلاً من التآكل.

وسط هذه المعطيات، باتت الظروف المهيئة لتحقيق مكاسب دبلوماسية مستدامة لصالح بكين أكثر وضوحاً من أي وقت مضى منذ نهاية الحرب الباردة؛ فقد عكفت الصين لسنوات على صياغة بديل حذر للقيادة العالمية الأمريكية، لا سيما في العالم النامي، وتأتي حرب إيران لتقدم لها فرصة ذهبية لترسيخ هذا النموذج؛ فبينما تطلق واشنطن صواريخها، تشير بكين إلى مبادرة “الحزام والطريق” التي تقدم تمويلاً لمشاريع البناء، وغالباً بشروط تصب في مصلحة الصين عند حدوث أي اضطرابات.
وعلى نقيض التحركات الأمريكية التي غالباً ما تخلّف وراءها انعداماً للاستقرار وتدفقاتٍ للاجئين، تروج بكين لإطارها الخاص للتنمية الاقتصادية بقيادة صينية؛ وتسعى لتقديم نفسها كشريك للسلام، يصب تركيزه على الاستقرار والتنمية، لا على العقوبات والتدخل العسكري، وإذا كان “شي جين بينغ” بحاجة إلى سردية تُظهر الصعود الصيني والهيمنة الأمريكية، فقد وجدها اليوم مجانية ومواتية تماماً في الحرب على إيران.
إذا كانت الصين بحاجة إلى سردية تُظهر صعودها والهيمنة الأمريكية فقد وجدتها اليوم في المشهد الإيراني مجانية ومواتية تماماً
ومع ذلك، فإن النتيجة ليست حتمية؛ إذ قد تفرز حرب إيران نتائج مغايرة، خاصة وأن العديد من دول العالم الثالث باتت متمرسة في موازنة علاقاتها مع القوتين، عبراستقطاب الاستثمارات الصينية مع الحفاظ على روابطها مع الولايات المتحدة،
لكن “أمريكا ترامب” تختلف عن عهدها القريب؛ فهي، طوعاً أو كرهاً، تطلب المزيد من حلفائها السابقين؛ جزئياً لإرضاء قاعدته السياسية التي تتبنى موقفاً متوجساً من التدخلات العسكرية الخارجية.
الحرب الحالية تعزّز السردية التي تخدم القيادة الصينية؛ فلطالما جادل شي جين بينغ لسنوات بأن النظام الدولي الذي تقوده أمريكا يمرّ بمرحلة من الأزمات والاضطراب، وتأتي الحرب في إيران لتؤكد هذا الطرح: أمريكا قوة مهيمنة غير مستقرة، تميل إلى العنف، وعاجزة عن الالتزام بالتعهدات التي تفرضها على الآخرين، فيما تتزايد تبعيتها لسلاسل توريد لم تعد تحت سيطرتها.
في المحصلة، تكمن المفارقة في أنه رغم النجاحات الميدانية، إلا أن الآلة العسكرية الأمريكية خلقت مراراً فرصاً للتقدم الاستراتيجي الصيني؛ فبينما تخوض الولايات المتحدة الحروب، يبدو أن الصين هي من يكسب السلام، وفي الواقع، حين تُكتب تقييمات الحرب الإيرانية بعد عقد أو عقدين من الزمن، قد يقول المؤرخون إن الولايات المتحدة وإسرائيل حققتا نصراً حاسماً في أهداف عسكرية ضيقة؛ لكنهم قد يخلصون أيضاً إلى أن هذا النصر قد منح الصين “بهدوء” تفوقاً استراتيجياً لجيل كامل، وبثمنٍ لم تضطر بكين لدفعه أبداً.