Eagle Intelligence Reports

التوازن الدبلوماسي الأفريقي في حرب إيران

ايغل انتيلجنس ريبورتس • مارس 16, 2026 •

في ظل التصاعد المتسارع للتوترات والحرب الجارية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، لم تعد تداعيات هذا الصراع مقتصرة على حدود الشرق الأوسط، بل امتدت لتؤثر في الحسابات الجيوسياسية في مناطق عدة من العالم، وعلى رأسها القارة الأفريقية، ففي هذا السياق المعقد، تجد الحكومات الأفريقية نفسها أمام معادلة دبلوماسية دقيقة، تحاول من خلالها تحقيق توازن حذر بين الحفاظ على شراكاتها الاستراتيجية المختلفة، ومراعاة الحساسيات السياسية الداخلية، وتجنب المخاطر الاقتصادية المحتملة، وفي الوقت ذاته، تسعى هذه الدول إلى التمسك بنهجها التقليدي القائم على عدم الانحياز الاستراتيجي، في محاولة للحفاظ على هامش من الاستقلالية في ظل صراع دولي متزايد التعقيد.

ومع تصاعد الصراع بشكل حاد، ردّت إيران بسلسلة من الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة على دول الخليج، ما أدى إلى توسيع النطاق الجغرافي والسياسي للحرب، وأثار مخاوف متزايدة من احتمال تحولها إلى صراع إقليمي أوسع.

أما بالنسبة للحكومات الأفريقية، فقد أصبحت الأزمة المتصاعدة اختباراً لقدرتها على تحديد موقعها الدبلوماسي في عالم يتجه بصورة متزايدة نحو تعددية الأقطاب، وبينما دعت معظم الدول إلى ضبط النفس والحوار، تكشف مواقف الدول الأفريقية عن تحولات دقيقة في التحالفات، تشكّلت بفعل الروابط التاريخية والمصالح الاقتصادية والتحولات المستمرة في موازين القوى العالمية، وهذه المواقف كلها في مجملها، تعكس استجابة أفريقية حذرة ومدروسة بعناية تجاه الأزمة الآخذة في الاتساع.

أصبحت الأزمة المتصاعدة في حرب إيران بالنسبة للحكومات الأفريقية اختباراً لقدرتها على تحديد موقعها الدبلوماسي في عالم يتجه نحو تعددية الأقطاب

الموقف الدبلوماسي في ظل الانقسام

اليوم، تَمثَّلت السِّمة الأبرز في الاستجابة الأفريقية للأزمة في مستوى ملحوظ من الحذر الدبلوماسي، حيث تجنَّبت العديد من الحكومات الانحياز الصريح إلى جانب إيران أو التحالف الأمريكي‑الإسرائيلي، مفضِّلة بدلاً من ذلك التركيز على الوساطة وإيجاد الحلول الدبلوماسية عبر المؤسسات الدولية.

ناقلة نفط وسفينة شحن في الخليج العربي بالقرب من مدينة بوشهر الساحلية (أ ف ب)

وفي هذا السياق، حذّر الاتحاد الأفريقي من أن الصراع قد يحمل تداعيات خطيرة على القارة، داعياً إلى خفض التصعيد فوراً وفتح قنوات الحوار، مشدداً على أن حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط قد تُربك أسواق الطاقة العالمية وسلاسل إمدادات الغذاء والاستقرار الاقتصادي، وهي آثار من المرجح أن تتحمّلها الدول النامية بصورة أكبر.

كما دعت جنوب أفريقيا، التي تُعد من أكثر الفاعلين الدبلوماسيين حضوراً في القارة، جميع الأطراف إلى السعي نحو مفاوضات سلام تُجرى تحت مظلة الأمم المتحدة، حيث قدّمت بريتوريا الأزمة في المقام الأول بوصفها قضية تتعلق بالقانون الدولي والاستقرار العالمي، لا مجرد تنافس جيوسياسي بين القوى الكبرى، ويعكس هذا النهج الحذر استراتيجية دبلوماسية أفريقية أوسع في مرحلة تتسم بتصاعد التنافس بين القوى الكبرى، إذ تحافظ الكثير من الحكومات في القارة على شراكات أمنية أو اقتصادية مع الولايات المتحدة، وفي الوقت ذاته تعمل على توطيد علاقاتها مع دول مثل إيران، روسيا، والصين.

ومع ذلك، تُبرز هذه الاستراتيجية المتوازنة أيضاً محدودية قدرة القارة على التأثير في نتائج الدبلوماسية العالمية، إذ يشير رئيس مجلس إدارة منظمة العفو الدولية في نيجيريا، أوال موسى رفسنجاني، إلى أن الحكومات الأفريقية تُكافح للحفاظ على نوع النفوذ الدبلوماسي الذي كان يُرتبط سابقًا بالتزام القارة التاريخي بسياسة عدم الانحياز.

ويقول لـ”إيغل إنتليجنس ربورتس”: “منذ أن تخلى الأفارقة عن حركة عدم الانحياز، التي كانت تمثل الإطار الرئيسي للسياسة الخارجية في مواجهة التكتلات الكبرى، لم يتمكنوا من الحفاظ على حيادهم وفي الوقت نفسه الدعوة إلى التفاوض.”

ويشير إلى تحديات الحوكمة المتعلقة بالاستقرار السياسي ومصداقية المؤسسات في العديد من الدول الأفريقية، ما يعقد العمل الدبلوماسي، مضيفاً: “إن الدول الأفريقية ليست في وضع ملائم يمكّنها حتى من التفاوض أو الدخول في حوار بشأن بعض هذه الأزمات، لأن صراعاتنا الداخلية نفسها قد طغت علينا.”

الدول الأفريقية ليست في وضع ملائم يمكّنها حتى من التفاوض أو الدخول في حوار بشأن بعض الأزمات إذ طغت صراعاتها الداخلية عليها

الضغوط الداخلية وردود الفعل

بينما اعتمدت الحكومات لغة دبلوماسية حذرة، كانت ردود الفعل داخل العديد من الدول الأفريقية أكثر تعقيداً وتشابكاً.

وفي أعقاب تقارير عن تصاعد الضربات الجوية الإسرائيلية على أهداف إيرانية، اندلعت احتجاجات في مناطق بشمال نيجيريا، حيث يرتبط جزء من السكان بروابط دينية وأيديولوجية مع إيران، إذ تجنبت الحكومة النيجيرية الانحياز العلني لأي طرف، مفضلةً التأكيد على ضبط النفس والانخراط في الحوار.

كما تُعقد مثل هذه الضغوط الداخلية من الحسابات الدبلوماسية للحكومات الأفريقية، إذ يمكن للرأي العام والشبكات الدينية والانتماءات الأيديولوجية أن تُشكّل ردود الفعل تجاه الأزمات الدولية، وأحياناً تدفع الحكومات إلى تبني مواقف رمزية تختلف عن سياساتها الخارجية الرسمية.

وعلى النقيض من ذلك، يمكن أن تُضعف مشكلات الحوكمة الداخلية قدرة الدول الأفريقية على ممارسة النفوذ الدبلوماسي في مثل هذه المواقف، وبحسب رفسنجاني، تظل العديد من الحكومات حذرة في تصريحاتها العلنية إلى حد كبير، خوفاً من التدقيق والمراقبة من قبل الدول الأقوى.

ويقول: “كثير من القادة الأفارقة يخشون التحدث بجرأة حول القضايا العالمية، لأن الدول القوية يمكنها إسكاتهم بالإشارة إلى الفساد أو انتهاكات حقوق الإنسان في بلدانهم”،  ويشير إلى أن هذه الديناميكية تُسهم في ما يبدو من صمت دبلوماسي أو حذر ملحوظ في العديد من العواصم الأفريقية.

الاستقرار الإقليمي والهشاشة الاقتصادية

على النقيض من ذلك، وبعيداً عن الدبلوماسية، يثير هذا الصراع مخاوف أمنية لدى صانعي السياسات الأفارقة، إذ يشعر كثيرون بالقلق من أن يؤدي استمرار الحرب إلى زعزعة استقرار الشرق الأوسط بشكل أوسع وإحداث آثار متسلسلة في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل، حيث أسفرت النزاعات السابقة في المنطقة عن تأثيرات ثانوية شملت انتشار الأسلحة، وتجنيد المقاتلين، وتدفقات اللاجئين.

 ومن بين الدول التي حذرت علناً من أن توسع الصراع قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي كلّ من مصر، تونس، السنغال، غانا، وتنزانيا، ولهذا السبب، حثّت حكومات هذه الدول المجتمع الدولي على إعطاء الأولوية للوساطة والجهود الدبلوماسية فوق كل اعتبار آخر.

وهذا يشير إلى أن هذه المخاوف تعكس وعياً متزايداً بكيفية تأثير التحولات الجيوسياسية الأوسع على أفريقيا، ومع تصاعد التنافس بين القوى الكبرى، تحذر الدول الأفريقية من أن تتحول أراضيها إلى ساحات لصراعات بالوكالة مرتبطة بنزاعات خارجية، وبناءً عليه، ترتبط القضايا الأمنية الأفريقية ارتباطاً وثيقاً بإمكانية تصاعد الصراع واتساعه.

مع تصاعد التنافس بين القوى الكبرى تحذر الدول الأفريقية من أن تتحول أراضيها إلى ساحات لصراعات بالوكالة مرتبطة بنزاعات خارجية

رغم تعقيد الأبعاد الدبلوماسية والأمنية للأزمة، إلا أن تداعياتها الاقتصادية قد تكون أكثر إلحاحاً، فأسواق الطاقة حساسة للغاية لأي اضطراب في دول الخليج، ويمر جزء كبير من شحنات النفط العالمية عبر مضيق هرمز، فبينما لا تعبر سوى كميات قليلة جداً من واردات النفط الأفريقية المضيق مباشرة، فإن أي اضطراب في هذا الممر سيرفع أسعار الطاقة عالمياُ، وقد يفيد ارتفاع الأسعار مؤقتاُ منتجي النفط مثل نيجيريا، أنغولا، وليبيا، لكن بالنسبة للاقتصادات الأفريقية التي تعتمد بشكل كبير على الوقود المستورد، فإن هذا التغير قد يُفاقم التضخم ويُرهق المالية العامة.

اليوم، تُبرز الروابط الاقتصادية بين أفريقيا والشرق الأوسط هشاشة القارة أمام الأزمة الراهنة، فعلى الرغم من أن حجم التجارة المباشرة بين أفريقيا والمنطقة يمثل جزءاً صغيراً فقط من إجمالي واردات القارة، يظل الشرق الأوسط شريكاً حيوياً في قطاعات رئيسية مثل الطاقة واللوجستيات والاستثمار.

وقد وصلت واردات أفريقيا الإجمالية إلى نحو 719  مليار دولار في عام 2024، ومن المتوقع أن تتجاوز 800  مليار دولار في عام 2025، ما يترك العديد من الاقتصادات الأفريقية عرضة للصدمات السعرية الخارجية واضطرابات سلاسل الإمداد المرتبطة بعدم الاستقرار في الخليج.

تعتمد العديد من الدول الأفريقية اعتماداً كبيراً على واردات الطاقة، ولا تزال منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى مستورداً صافياً للمنتجات النفطية المكررة، على الرغم من إنتاجها للنفط الخام في دول عدة، حيث يشكل الوقود الأحفوري نحو 94.5 ٪  من استهلاك الطاقة في القارة، منها 74 ٪  من الهيدروكربونات.

وتُعدّ دول عدة، من بينها السنغال، بنين، إريتريا، بوركينا فاسو، وزامبيا، عرضة بشكل خاص لتقلبات الأسعار نظراً لاعتمادها الكبير على واردات الوقود ومحدودية احتياطياتها من العملات الأجنبية، وحتى الدول المنتجة للنفط مثل نيجيريا، تستورد كميات كبيرة من المنتجات البترولية المكررة، ما يزيد من تعرضها لهذه المخاطر.

وعلى النقيض من ذلك، قد يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى تفاقم التضخم على نطاق أوسع من خلال زيادة تكاليف النقل والغذاء، ما يُرهق المالية العامة ويُضعف العملات في الاقتصادات التي تعتمد على الاستيراد، فعلى سبيل المثال، تشير التقديرات إلى أن زيادة مستدامة في أسعار النفط بنسبة 10 ٪  سترفع التضخم العالمي بنسبة 0.4 ٪  وتقلّل النمو بنسبة 0.15 ٪  على مدار عام كامل، مع تأثيرات مضاعفة في أفريقيا، حيث يُؤدي تقلب أسعار الطاقة إلى ضغوط سعرية متزايدة.

وبحسب المنتدى الاقتصادي العالمي، تتفاقم هذه الديناميكيات بفعل دور دول الخليج كمستثمر وشريك رئيسي، حيث ضخت دول مجلس التعاون الخليجي أكثر من 100 مليار دولار في أفريقيا خلال العقد الماضي، حيث ركز هذا الاستثمار، بقيادة الإمارات العربية المتحدة بمقدار 59.4  مليار دولار والمملكة العربية السعودية بمقدار 25.6  مليار دولار، على قطاعي البنية التحتية والطاقة، وإذا استمر الصراع، فقد تضطر الحكومات الأفريقية إلى تبني مواقف دبلوماسية أكثر وضوحاً لحماية هذه الروابط الحيوية، ما قد يضعف قدرتها على الحفاظ على سياسة عدم الانحياز في ظل الضغوط الجيوسياسية المتصاعدة.

ولكن بعيداً عن أسواق الطاقة، قد يؤثر الصراع على أسعار الغذاء وسلاسل الإمداد، إذ يظل الشرق الأوسط مركزاً رئيسياً للشحن العالمي ومرور التجارة، وأي اضطراب في اللوجستيات أو التجارة البحرية سيؤدي إلى زيادة التكاليف في أنحاء أفريقيا، مهدداً الأمن الغذائي للفئات الأكثر ضعفاً أمام تقلبات الأسواق، وتأتي هذه المخاطر في وقت تواجه فيه العديد من الاقتصادات الأفريقية مستويات ديون مرتفعة بالفعل وتعافيًا هشًا بعد جائحة كوفيد-19.

إيراني يقوم بإزالة الأنقاض من منازل متضررة في أعقاب غارة عسكرية (أ ف ب)
 الحياد الاستراتيجي وتعدد الأقطاب

تكشف ردود فعل الدول الأفريقية تجاه الصراع عن نمط استراتيجي أوسع، فمعظم الحكومات تتبع سياسة حياد حذر، محاولةً تجنّب الانخراط في حرب قد تترتب عليها عواقب غير متوقعة، حيث ظهر نمط مشابه بعد اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا، حين امتنعت العديد من الدول الأفريقية عن الانحياز الصريح لأي طرف، سواء القوى الغربية أو موسكو، مفضلة الدعوة إلى الحوار والدبلوماسية متعددة الأطراف.

في الوقت نفسه، تُبرز الاختلافات الدقيقة في المواقف الوطنية تنوع المصالح السياسية والاقتصادية في أنحاء القارة، فالدول التي تربطها شراكات أمنية قوية مع الولايات المتحدة تميل إلى تبني الإطار الدبلوماسي لواشنطن، بينما قد تتبنى الدول التي لها علاقات تاريخية مع إيران أو التي تُظهر انتماء أقوى لدبلوماسية الجنوب العالمي مواقف أكثر انتقاداً.

حتى الآن، يظل دور أفريقيا في صراع إيران دبلوماسياً بالدرجة الأولى أكثر من كونه مباشراً، ومع ذلك، تضمن التداعيات العالمية للصراع أن تستمر التطورات في الشرق الأوسط في التأثير على القارة، سواء عبر أسواق الطاقة أو اضطرابات التجارة أو تحولات التحالفات الجيوسياسية، ومن المرجح أن يؤثر الصراع على الحسابات الاستراتيجية لصانعي السياسات الأفريقية في الأشهر القادمة.

يظل دور أفريقيا في حرب إيران دبلوماسيا بالدرجة الأولى أكثر من كونه مباشراً ومن المرجح أن يؤثر الصراع على الحسابات الاستراتيجية لصانعي السياسات  

ولكن على المدى القريب، يبدو أن الحكومات الأفريقية متحدة حول مبدأ واحد: “منع المزيد من التصعيد”، حيث لا تزال الدعوات إلى ضبط النفس والحوار والوساطة الدولية تتصدر التصريحات الرسمية، وهو ما يعكس التزامًا معياريًا بالدبلوماسية إلى جانب إدراك عملي لهشاشة القارة.

من جانب أخر، تشارك منظمات المجتمع المدني هذه المخاوف وتدرك التكلفة الباهظة المحتملة للتصعيد، حيث يناشد أوال موسى رفسنجاني المجتمع الدولي والدول المعنية الانخراط في حوار وإيجاد حلول دبلوماسية من أجل الإنسانية.

في المحصلة، مع تطور الصراع، من المرجح أن يصبح الدور الدبلوماسي لأفريقيا أكثر تعقيداً، وسيتمثل التحدي أمام صانعي السياسات في الحفاظ على الحياد مع حماية المصالح الوطنية والاستقرار السياسي في ظل مشهد جيوسياسي يزداد تقلباً.