دخلت إيران يومها الخامس من انقطاع شبه كامل لخدمة الإنترنت على مستوى البلاد، في وقت تتسع فيه رقعة الاحتجاجات المناهضة للحكومة، التي انطلقت من مظالم اقتصادية عميقة، لتشمل مدن عدّة، ورغم أن التحقق المستقل من أعداد الضحايا وحجم الاحتجاجات لا يزال محدوداً بسبب انقطاع الاتصالات، إلا أن ناشطين وجهات رقابية يستخدمون تقنيات مثل «ستارلينك» والراديو قصير الموجة أفادوا بوقوع أعمال عنف كبيرة واعتقالات جماعية.
تعاني الجمهورية الإسلامية من أزمة اقتصادية متفاقمة تتضح في الانهيار الحاد لقيمة الريال، ونقص المواد الغذائية والوقود، وتراجع مستويات المعيشة، حيث فاقمت سنوات من العقوبات هذه الأوضاع، ولا سيما لدى العائلات من الطبقتين العاملة والوسطى التي ترزح تحت وطأة البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة، ومع عودته إلى البيت الأبيض في يناير2025، أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض نظام عقوبات «الضغط الأقصى»، مقيّداً صادرات النفط، ومستخدماً قوة الدولار كأداة ضغط على طهران.
في ظل هذه الظروف، تُهدد الاحتجاجات الجماهيرية المستمرة بتقويض شرعية القيادة الدينية في إيران، رغم تأكيد السلطات الإيرانية أمس الاثنين السيطرة على هذه الاحتجاجات، إلا أن الأزمة الإيرانية سرعان ما تجاوزت السياسة الداخلية، لتصبح بؤرة توتر محتملة للتصعيد الاستراتيجي بين القوى الإقليمية والعالمية، حيث تتجاوز تداعياتها الآن حدود طهران، ما يُبرز بيئة أمنية بالغة التعقيد والتقلب.
في وقت متأخر من مساء الاثنين، أعلن ترامب عبر حسابه في منصة «تروث سوشيال»، أن أي دولة تتعامل تجارياً مع إيران ستخضع لتعرفة جمركية بنسبة 25%، فيما أفاد مكتبه الإعلامي بأن الضربات الجوية الأمريكية ضد إيران «هي واحدة من بين العديد من الخيارات المطروحة على الطاولة».
من جانبها، أعلنت بروكسل أن الاتحاد الأوروبي يدرس فرض عقوبات إضافية على إيران، في حين أقرّ البرلمان الأوروبي حظراً على جميع الدبلوماسيين الإيرانيين، ومع تصاعد الضغوط على طهران، قال المستشار الألماني فريدريش ميرتس: “نحن نشهد الآن الأيام والأسابيع الأخيرة لهذا النظام”.
تعزو السلطات الإيرانية في طهران الاضطرابات إلى تحريض خارجي، وتحذّر من أن إيران مستعدة لتنفيذ ضربات استباقية في المنطقة إذا رصدت مؤشرات على هجوم وشيك، وقد وجّه المرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، تحذيراً إلى الساسة الأمريكيين دعاهم فيه إلى “الكفّ عن الخداع وعدم التعويل على مرتزقة خونة”، وفي السياق نفسه، أدان أمين مجلس الأمن القومي الروسي، سيرغي شويغو، بشدة ما وصفه بـ”محاولة جديدة من قِبل قوى أجنبية للتدخل في الشؤون الداخلية لإيران”، كما جدّدت بكين موقفها الرافض لحروب الرسوم الجمركية، مؤكدة حقها في حماية مصالحها.
تكتسب تهديدات ترامب باللجوء إلى العمل العسكري ضد إيران وزناً إضافياً، في ضوء اقتران الانخراط الدبلوماسي بضربة عسكرية مفاجئة ودقيقة نُفّذت الأسبوع الماضي في فنزويلا، وكان ترامب قد قال: إن طهران تواصلت معه لترتيب مفاوضات تهدف إلى حلّ الأزمة، لكنه أوضح، خلال حديثه على متن طائرة الرئاسة “إير فورس وان”، أنه “قد يضطر إلى التحرك قبل عقد أي اجتماع”، مضيفاً: إن “المؤسسة العسكرية تدرس الأمر بجدية كبيرة”.
إن الجمع بين الانفتاح على الوساطة والحديث عن ضربات عسكرية يعقد الحسابات الاستراتيجية لطهران، ويطمس الخط الفاصل بين التفاوض والردع، فمبدأ الانخراط يُقدّم كخيار محتمل، ولكنه مقيد صراحة بخطر التصعيد الأمريكي المفاجئ، ما يزيد من حالة عدم اليقين ليس في إيران فحسب، بل في صفوف الدول المعادية لواشنطن.
في المقابل إن موقف ترامب المبني على الغموض الاستراتيجي لا يقتصر على كونه تكتيكاً إعلامياً؛ بل يشير إلى تحول نحو دبلوماسية قسرية صريحة، تُقدّم فيها تهديدات القوة على نحو بارز على حساب الأُطر المعيارية التي قامت عليها السياسة الخارجية الأميركية خلال العقود الأخيرة، لذا فإن الرسائل الاستراتيجية الغامضة لواشنطن، مع عنصر المفاجأة المخطط له، تزيد فقط من احتمال التصعيد في وقت تدير فيه طهران بالفعل اضطرابات داخلية.
حثت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية، ماو نينغ، على التحلي بالهدوء، مؤكدة أن بكين تعارض أي تدخل أجنبي في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وطرحت القضية في سياق إقليمي، قائلة: إن سيادة وأمن جميع الدول يجب أن تُحَمى بالكامل بموجب القانون الدولي، حيث يأتي هذا التحذير في سياق نهج طويل الأمد يركز على السيادة والاستقرار الوطني، مع التعبير عن معارضة استخدام القوة أو تهديدها في العلاقات الدولية، مع السعي في الوقت نفسه لرسم خطوط حمراء حول أي محاولات لتغيير الأنظمة في محيط الصين.
بالنسبة لبكين، يشكّل احتمال اندلاع أزمة في إيران تهديداً لاستقرار شريك إقليمي رئيسي، إذ تستورد الصين الغالبية العظمى من صادرات النفط الإيرانية، ما يمنحها مصلحة ملموسة في الاستقرار، حتى وهي تتجنب الانحياز السياسي، وفي الوقت نفسه، توجه الخطاب الصيني إلى واشنطن بقدر ما توجهه إلى طهران، وإن تأكيدها على السيادة ورفض التدخل الخارجي يعكس موقفاً أوسع للسياسة الخارجية، متأثراً بمخاوف بشأن السوابق، لا سيما في ظل التوترات المتصاعدة حول تايوان، وعملياً، يترجم هذا إلى دعوات عامة للضبط الاستراتيجي وتفضيل الحلول الدبلوماسية على التدخل القسري.

أدان المستشار الألماني فريدرش ميرتس استخدام إيران لـ«العنف غير المتناسب والوحشي» ضد المتظاهرين، واصفاً ذلك بـ«علامة ضعف لا قوة»، إذ يعكس موقف برلين من الأزمة قلق أوروبا إزاء طريقة تعامل طهران مع الاحتجاجات، لكنه يكشف عن خطوط توتر داخلية، إذ تتوخى برلين الحذر بعدم تصعيد الخطاب إلى حد قد يمهّد الطريق لمواجهة عسكرية، لا سيما في ظل تصريح ترامب بأن الجيش الأميركي “ينظر في بعض الخيارات القوية جداً”.
يزداد الحذر الأوروبي حدةً مع تزايد حالة عدم اليقين داخل حلف شمال الأطلسي نفسه، فقد رفض ترامب استبعاد استخدام القوة العسكرية لحماية مصالح الولايات المتحدة في غرينلاند، وهو احتمال ينذر بأزمة خطيرة داخل الناتو، وفي ظل سياسة خارجية أمريكية أكثر عدوانية وأحادية الجانب، تواجه العواصم الأوروبية تزايداً في التناقض الاستراتيجي، إذ يبدو أن التزامات أوروبا الأيديولوجية التقليدية بالدفاع عن حقوق الإنسان على النمط الغربي، وضبط النفس، والدبلوماسية، تفقد الآن قدرتها على إدارة الأزمات.
بينما تدرس واشنطن إمكانية التدخل، خرج وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قائلاً للسفراء الأجانب: إن “إيران لا تسعى للحرب لكنها مستعدة تماماً لها”، مضيفاً: إن المفاوضات “يجب أن تكون عادلة، قائمة على الحقوق المتساوية، وبناءً على الاحترام المتبادل”.
ورغم هذا الخطاب، تبدو احتمالية خفض التصعيد السريع محدودة، فالضربات الإسرائيلية والأمريكية على إيران في يونيو الماضي تُظهر تسامحاً كبيراً مع التصعيد، لا سيما في ظل نظرة إسرائيل الراسخة بأن القيادة الإيرانية الحالية تُشكّل تهديداً وجودياً، حيث لم تُفضِ هذه الديناميكيات إلى إطار ردع مستقر، وقد أظهرت طهران مراراً وتكراراً قدرتها واستعدادها لبسط نفوذها خارج حدودها، بما في ذلك شنّ ضربات على إسرائيل.
لكن هذا يزيد من خطر سوء التقدير، فإذا فسّرت طهران غموض ترامب الاستراتيجي على أنه تهديد وجودي بدلاً من كونه تكتيكاً للضغط، فإن أي خطأ قد يؤدي إلى تصعيد الأزمة بسرعة، علاوة على ذلك، فإن الفراغ المعلوماتي الناجم عن استراتيجية التعتيم على أرض الواقع يُعقّد قدرة الجهات الخارجية على تقييم الأوضاع الحقيقية والاستجابة لها بالشكل المناسب.
في هذا المنعطف الحساس، يمتلك نهج ترامب القدرة على تحويل الأزمة الإيرانية إلى تحدٍ جيوسياسي متعدد الأوجه، فبينما تتأرجح طهران بين القمع والانفتاح الحذر على الحوار، تتبنى واشنطن شكلاً جديداً من الدبلوماسية القسرية، حيث يُعطى التهديد بالقوة الأولوية على النداءات الأيديولوجية التقليدية للسياسة الخارجية الأمريكية، وفي الوقت نفسه، يجد الفاعلون الأوروبيون أنفسهم أمام تداعيات هذا التحول، إذ تتعرض الافتراضات الراسخة حول إدارة التحالفات وضبط النفس لضغوط متزايدة.
ومع عودة الأنظار إلى الشرق الأوسط، يبقى خطر التصعيد قائماً، بينما تبدو آليات تخفيف حدة الأزمة محدودة.