في لحظات المواجهة الطويلة، يميل العمل الدبلوماسي إلى الانكماش، فيغدو أكثر حذراً وشكلياً، وأسيراً لأنماط متكررة ومألوفة، من عقوبات تُواجَه بالتحدي، ومفاوضات تنحصر في الجوانب التقنية، وتسويات تُؤجَّل لصالح حلول مؤقتة، حيث يُعدّ الجمود المستمر بين إيران والولايات المتحدة مثالاً واضحاً على ذلك، فالمشكلة ليست في الحوار نفسه، بل في غياب الرؤية السياسية القائمة على واقعية استراتيجية.
لو كنتُ مفاوِضاً إيرانياً، لدفعتُ نحو مقاربة مغايرة تماماً: ليس نحو اتفاق مرحلي جديد، بل نحو تسوية شاملة تُعالج الملف النووي من جذوره، عبر إدماجه في صفقة اقتصادية وسياسية أوسع نطاقاً.
لو كنتُ مفاوِضاً إيرانياً لدفعتُ نحو مقاربة مغايرة تماماً، ليس اتفاق مرحلي جديد، بل تسوية شاملة
تكمن الفكرة الجوهرية هنا في أمر بسيط، لكنه غالباً ما يتم تجاهلها: فبرنامج إيران النووي ليس مجرد ملف يتعلق بمنع الانتشار النووي، بل هو استثمار وطني تراكمي امتد لعقود، على المستويات المالية والتكنولوجية والسياسية، ومن ثمّ، فإن أي تسوية مستدامة لا بد أن تتجاوز التركيز على القيود المستقبلية، لتأخذ في الاعتبار التكلفة التي تحمّلتها الدولة عبر مسار هذا البرنامج في الماضي.
وبالنظر إلى القضية الأكثر حساسية، فإن مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب وفقاً للتقديرات الدولية، فقد تراكم لدى إيران مئات الكيلوغرامات من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% تقريباً، وهي مادة تُسهّل بشكل كبير الوصول إلى مستويات التخصيب الأزمة لإنتاج الأسلحة، فبدلاً من اعتبار هذا المخزون عبئاً فحسب، يمكن إعادة صياغته كورقة ضغط استراتيجية.
في إطار اتفاق جاد، يمكن لإيران أن تقبل بتحييد هذا المواد بالكامل أو نقلها، والتي تُقدَّر بنحو 450 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60%، تحت إشراف دولي صارم وآليات تحقق دقيقة، غير أن مثل هذه الخطوة لا يمكن أن تكون قابلة للاستدامة سياسياً إذا قُدِّمت داخلياً بوصفها تنازلاً أحادياً، بل لا بد أن تُدرج ضمن تسوية أوسع تعترف بما تتخلى عنه إيران، وهو ما يفسر الحاجة إلى مقاربة أكثر ابتكاراً.
يمكن لإيران، من حيث المبدأ، أن تبيع برنامجها النووي، فمقابل مبلغ يقدَّر بنحو 200 مليار دولار، يمكنها أن توافق ليس فقط على التخلي عن مخزونها الحالي، بما في ذلك اليورانيوم المخصّب بنسبة 60%، بل على تفكيك حالة الغموض الاستراتيجي وما يرتبط بها من قدرة كامنة طويلة الأمد في بنيتها النووية، ومن هذا المنظور، لا يكون هذا الرقم اعتباطياً، بل يستند إلى منطق اقتصادي واضح.
مقابل مبالغ تُقدَّر بمليارات الدولارات، يمكن لإيران أن توافق ليس فقط على التخلي عن مخزونها الحالي بل على تفكيك الغموض الاستراتيجي الكامن في بنيتها التحتية النووية
على مدى عقود، انفقت إيران ما بين 100 و200 مليار دولار على بناء قدراتها النووية من منشآت معقّدة، وتقنيات تخصيب متقدمة، وشبكات علمية راسخة، وأنظمة حماية متعددة الطبقات، وإلى جانب هذه التكاليف المباشرة، توجد أعباء غير مباشرة أكبر بكثير، كفقدان النمو الاقتصادي جراء العقوبات، وتراجع عائدات النفط، وتجميد الأصول الوطنية في الخارج لسنوات طويلة.
وبناءً على ذلك، فإن تسوية بقيمة 200 مليار دولار ليست مبالغاً فيها، فهي بالكاد تعوض ما أُنفِق وخُسِر بالفعل، والأهم أن مثل هذا الترتيب سيخلق توافقاً نادراَ في المصالح، حيث ستستعيد إيران جزءاً كبيراً من استثماراتها التاريخية، بما يسمح لقيادتها بتبرير الاتفاق محلياً باعتباره إعادة تموضع استراتيجي لا تراجعاً، وفي المقابل، ستحصل الولايات المتحدة والمجتمع الدولي على ما عجزت عقود من الضغط عن تحقيقه وهو ضمانة قابلة للتحقق ودائمة بأن إيران قد تجاوزت عتبة امتلاك السلاح النووي.
بمعنى آخر، لن يدفع العالم ثمن وعود مؤجلة، بل ثمن إغلاق هذا الملف نهائياً، حيث تقوم الركيزة الثانية في هذا الاتفاق الكبيرعلى تحوّل استراتيجي جذري في سياسة الطاقة الإيرانية، إذ يمكن لطهران أن توافق على وقف تطوير الطاقة النووية المخصصة لتوليد الكهرباء المدنية، وفي المقابل، يلتزم الشركاء الدوليون بقيادة واشنطن بضخ استثمارات واسعة في بنية تحتية بديلة للطاقة، تشمل تحديث محطات التوليد القائمة على الهيدروكربونات، وإعادة تأهيل الشبكات الوطنية، ومن شأن مثل هذا الترتيب أن يحدّ من مخاطر الانتشار النووي، مع ضمان أمن الطاقة طويل الأمد لإيران.
تقوم الركيزة الثانية في الاتفاق الكبير على تحوّل استراتيجي جذري في سياسة الطاقة الإيرانية
لا يقلّ أهمية عن ذلك في أي تسوية دائمة مسألةُ التطبيع الاقتصادي، فالإفراج عن الأصول الإيرانية المجمّدة في الخارج، والرفع المنظّم والموثوق للعقوبات، يُعدّان عنصرين أساسيين في أي اتفاق محتمل، فبدون اندماج اقتصادي ملموس، لا يمكن لأي صفقة، مهما بلغت دقة تصميمها، أن تصمد على المدى الطويل.
ويتمثل العنصر الأخير في هذه التسوية في تمكين إيران من إضفاء الطابع الرسمي على التزام ذي أهمية عالمية، ألا وهو ضمان أمن وانسيابية الملاحة في مضيق هرمز، ففي ظلّ هشاشة أسواق الطاقة العالمية، من شأن هذا الضمان أن يُعيد إيران إلى مكانتها كطرفٍ فاعل في تحقيق الاستقرار، لا كمصدرٍ للاضطرابات.

قد يزعم الناقدون أن مقترحاً كهذا يفتقر إلى الواقعية السياسية، بيد أن الواقعية، بمعناها الصحيح، لا تعني تقزيم الطموحات؛ بل تكمن في تقدير التكاليف، لذا فأن كلفة هذا الاتفاق مهما بلغت ضخامتها، ستظل أدنى بكثير من الثمن التراكمي لاستمرار المواجهة؛ بما تشمله من أزمات متكررة، وعدم استقرار إقليمي، ومخاطر دائمة للتصعيد العسكري.
مهما كانت تكلفة هذا الاتفاق مرتفعة إلا إنها ستظل أقل بكثير من الثمن التراكمي لاستمرار المواجهة
غالباً ما تُصوَّر الدبلوماسية على أنها عملية تنازل متبادل، لكنها في أوج فعاليتها، هي ممارسة لإعادة صياغة المفاهيم، وتحويل نقاط الضعف إلى قوة، والصراعات إلى صفقات استراتيجية.
لو كنتُ مفاوضاً إيرانياً، لما سعيتُ إلى تسوية ضيقة أو حل وسط محدود، بل كنتُ سأبحث عن تسوية نهائية تُمكّن إيران من إغلاق ملف برنامجها النووي بكرامة وتعويض، وفي الوقت نفسه تتيح للولايات المتحدة والعالم ما طالبوا به طويلاً دون أن يحصلوا عليه بالكامل: ضمانات دائمة وموثوقة.
لأن السؤال في نهاية المطاف ليس ما إذا كان السلام مكلفاً، بل ما إذا كان استمرار الصراع أقل تكلفة.