Eagle Intelligence Reports

إعادة ضبط ميزان القوة التجارية الأمريكية

ايغل انتيلجنس ريبورتس • فبراير 26, 2026 •

يمثل الحكم التاريخي للمحكمة العليا بإلغاء الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترامب تحوّلاً مؤسسياً واضحاً في ميزان الصلاحيات بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، كما يعيد تعريف وظيفة الرسوم الجمركية ضمن أدوات النفوذ الاقتصادي الأمريكي، ففي ظل احتدام المنافسة الدولية، لم تعد التعرفة الجمركية أداة تنفيذية سريعة بيد الرئيس، بل أضحت خاضعة لرقابة وتشريع أكثر صرامة، بما يفرض مراجعة استراتيجية على صانعي القرار في واشنطن.

يحمل الحكم تداعيات اقتصادية وسياسية كبيرة، إذ يُقوّض صلاحيات الرئيس ويُبطل الرسوم الجمركية التي فرضها البيت الأبيض على جميع الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، حيث أصدر رئيس المحكمة العليا، جون روبرتس، رأي الأغلبية بدعم من قاضيين محافظين عيّنهما ترامب، رافضاً تفسير الإدارة لصلاحيات فرض الرسوم في حالات الطوارئ، ما شكّل ضربة لأجندة ترامب الاقتصادية، حيث وافق القضاة الليبراليون الثلاثة على النتيجة نفسها، لكن استند كل منهم إلى مبررات قانونية مختلفة.

يحمل الحكم بإلغاء الرسوم الجمركية تداعيات اقتصادية وسياسية كبيرة حيث يُقوّض صلاحيات الرئيس ويُبطل التعرفة على جميع الشركاء التجاريين لأمريكا

لكن ترامب وصف الحكم بأنه “مخيّب للآمال بشدة”، وهاجم القضاة المحافظين عبر حسابه على منصة “تروث سوشال”، واصفاً إياهم بـ”وصمة عار على أمتنا، وحمقى وتابعون يفتقرون إلى الوطنية”، مضيفاً: “أرى أن المحكمة قد تأثرت بمصالح أجنبية وبحركة سياسية أصغر بكثير مما يعتقد الناس”، كما أعلن عزمه استخدام قوانين تجارية فيدرالية أخرى لمواصلة فرض الرسوم الجمركية.

تضع ردّة فعل الرئيس حزبه الجمهوري في موقف صعب، إذ يواجه النواب الساعون للحفاظ على السيطرة على مجلس النواب خياراً محرجاً: إما دعم موقف ترامب الداعم للرسوم الجمركية غير الشعبية، أو المخاطرة بإثارة غضبه قبل أشهر قليلة من انتخابات التجديد النصفي، حيث أظهر استطلاع أجرته كلية سيينا الشهر الماضي أن غالبية الأمريكيين، بمن فيهم 54% من الناخبين المستقلين، يعارضون هذه الرسوم.

وأشار بعض مشرّعي الحزب الجمهوري سراً إلى أن ترامب أضاع فرصة للتراجع التدريجي والمدروس عن سياسته الجمركية مع اقتراب الانتخابات، واعتبر النائب دون بيكون، العضو الجمهوري الذي لا يسعى لإعادة انتخابه وقد دخل في خلافات علنية مع ترامب حول الرسوم الجمركية، في تصريح لصحيفة نيويورك تايمز: أن “السياسة كانت سيئة، كما أنها غير موفقة سياسياً”.

ترامب يمر أمام قضاة المحكمة العليا لدى وصوله لإلقاء خطاب حالة الاتحاد (أ ف ب)
سلطة فرض الرسوم الجمركية

يشمل الحكم العديد من الرسوم الجمركية “التبادلية” المفروضة بموجب قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية (IEEPA) لعام 1977، الذي يمنح الرئيس صلاحية التصرف في حالات الطوارئ الوطنية لمواجهة الممارسات التجارية غير العادلة أو التهديدات الخارجية، حيث استندت الإدارة الأمريكية إلى هذا القانون لتبرير “رسوم مكافحة التهريب” التي فرضها ترامب على الصين وكندا والمكسيك، استنادًا إلى المخاوف المتعلقة بتدفق مادة الفنتانيل عبر الحدود الأمريكية.

وعلى النقيض من ذلك، لا تزال الرسوم الجمركية المفروضة بموجب قوانين أخرى، بما في ذلك تلك المفروضة على الصلب والألومنيوم، سارية المفعول، ومع ذلك، أوضح رئيس المحكمة العليا، جون روبرتس، أن الكونغرس وحده يملك سلطة فرض معظم الرسوم الجمركية، وقال: “في ضوء اتساع نطاق هذه السلطة المزعومة وتاريخها وسياقها الدستوري، يجب عليه تحديد تفويض واضح من الكونغرس لممارستها”.

تفاعلت الأسواق بحذر بعد القرار، فارتفع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بشكل طفيف، بينما شهدت أسهم الشركات المعتمدة على الواردات مكاسب ملحوظة، وأبدى المعارضون للرسوم الجمركية ارتياحهم، إذ تحمل المستوردون الأمريكيون، من قطاع الألعاب إلى تجارة النبيذ، أعباء ثقيلة نتيجة هذه الرسوم.

أوضح معهد جيه بي مورغان تشيس أن الشركات متوسطة الحجم شهدت تضاعف مدفوعاتها الجمركية ثلاث مرات خلال عام 2025، ويتوقع محللو التجارة أن تستفيد الشركات المحلية، خصوصاً في قطاعات التجزئة والتصنيع والأحذية والسيارات، من تبعات الحكم القضائي.

وأفاد مختبر ييل للميزانية أن متوسط معدل الرسوم الجمركية بلغ 16.9%، وهو الأعلى منذ عام 1936، وبعد صدور قرار المحكمة العليا، انخفض هذا المتوسط إلى 9%، ومع ذلك، عقب إقدام ترامب، متحدياً، على فرض رسوم بموجب “المادة 122″، من المتوقع أن يرتفع المعدل إلى 13.7%، على أن تنتهي هذه الرسوم بعد 150 يوماً.

يحمل الحكم تداعيات اقتصادية متباينة، إذ قدّر مكتب الميزانية بالكونغرس أن الرسوم الجمركية كانت ستدرّ نحو 3 تريليونات دولار خلال عشرة أعوام، إلا أن إلغاء هذه الرسوم قد يساعد في خفض معدلات التضخم ويمنح البنك الاحتياطي الفيدرالي مزيداً من المرونة لتخفيض أسعار الفائدة.

إلغاء الرسوم الجمركية قد يساعد في خفض معدلات التضخم ويمنح البنك الاحتياطي الفيدرالي مزيداً من المرونة لتخفيض أسعار الفائدة

ومع ذلك، فإن إعادة أموال الرسوم الجمركية قد تزيد العجز المالي وتضخ سيولة كبيرة في الاقتصاد، ما قد يعيد الضغط التضخمي، حيث أكد ترامب أنه لن يسمح باختفاء عائدات الرسوم، وهو ما يزيد من حالة عدم اليقين بالنسبة للشركات والأسواق.

جاء رد ترامب سريعاً، إذ أصدر أمراً تنفيذياً بفرض رسوم جمركية بنسبة 10% وفقاً للمادة 122 من قانون التجارة لعام 1974، والتي تمنح الرئيس صلاحية اتخاذ إجراءات تصل إلى 150 يوماً خلال أزمات ميزان المدفوعات، وبعد ذلك، رفع ترامب النسبة إلى 15%، وهو الحد الأقصى المسموح به بموجب القانون.

وأضاف ترامب أنه سيتابع التحقيقات بموجب المادة 301 المتعلقة بالممارسات التجارية غير العادلة من قبل كيانات أجنبية، ما يفتح المجال لفرض رسوم جديدة مستهدفة، وقال للصحفيين: “لدينا بدائل، وهي رائعة، وقد تحقق المزيد من الإيرادات”.

ومع ذلك، يظل السؤال الأساسي: هل ستتمكن استراتيجية ترامب الجديدة من مواكبة سرعة وحجم التأثير الذي كان يوفره القانون الطارئ الملغى؟.

الحكم يحد من الرسوم الجمركية

وعلى النقيض من ذلك، جاء رد الفعل العالمي أقل حدة من المتوقع، إذ رأى معظم محللي التجارة أن الحكم يضع قيوداً على الصلاحيات الواسعة للرئيس في فرض الرسوم الجمركية، مع التحذير في الوقت نفسه من أن النزاع التجاري الأوسع لم يُحل بعد.

رحّبت جمعية التكنولوجيا في سويسرا بالقرار، لكنها حذرت من احتمال أن يستخدم ترامب قوانين أخرى لفرض الرسوم، معتبرة أن الحكم “لم يحقق أي مكسب بعد”، إذ يضيف القرار تعقيداً على ترتيبات التجارة القائمة، ما يترك مستقبلها في حالة من الغموض.

كانت دول مثل الصين والمملكة المتحدة واليابان قد التزمت باستثمارات كبيرة في إطار الرسوم الجمركية السابق، الذي فقد الآن شرعيته القانونية، ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت تلك الالتزامات ستستمر.

في الوقت الراهن، تُراجع الحكومات الأجنبية القرار بسرعة، إذ يثير حكم المحكمة العليا تساؤلات مقلقة حول الطريقة التي قد يستخدمها ترامب لاستبدال الرسوم الملغاة على المدى الطويل.

يغيّر هذا الحكم تكتيكاً رئيسياً في سياسة ترامب الخارجية خلال ولايته الثانية، والمتمثل في استخدام الرسوم الجمركية كأداة ضغط جيواقتصادي، ففي إطار قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية (IEEPA)، كانت الإدارة تهدد بفرض رسوم شاملة ومفاجئة على الشركاء التجاريين لإجبارهم على المفاوضة حول قضايا مثل أمن الحدود، وترخيص التكنولوجيا، وتقاسم أعباء الدفاع، إذ يعتمد هذا النموذج على سرعة التنفيذ وقدرة المفاجأة من السلطة التنفيذية، وهما صفتان لا تستطيع المداولات البرلمانية التقليدية محاكاتهما.

من خلال إعادة سلطة فرض الرسوم الجمركية إلى الكونغرس، غيّرت المحكمة بشكل جذري معادلة التهديد التي كانت جوهرية لأسلوب ونهج ترامب، إذ باتت الحكومات الأجنبية التي تتفاوض مع واشنطن تدرك أن التزامات ترامب بشأن الرسوم الجمركية لم تعد كافية بمفردها، وأنها تواجه الآن عقبات قانونية وسياسية أكبر.

غيّرت المحكمة بشكل جذري معادلة التهديد التي كانت جوهرية لأسلوب ونهج ترامب عبر إعادة سلطة فرض الرسوم الجمركية إلى الكونغرس

ومع ذلك، فقد تراجعت مصداقية التهديدات الأحادية الجانب بالرسوم الجمركية، والتي تشكل حجر الزاوية في الدبلوماسية القسرية، حيث أصبح الشركاء التجاريون، الذين كانوا يقدمون تنازلات لتجنب غضب الرئيس، قادرين الآن على تعديل استراتيجياتهم والانتظار حتى تمر العملية التشريعية الأبطأ نسبياً وفق جدول واشنطن، ما يوفر لهم مزيداً من الحرية في المناورة.

السرعة التنفيذية والمرونة  

عادةً ما تكافئ المفاوضات التجارية الطرف الأكثر مرونة، حيث يزداد نفوذ الرؤساء الأمريكيين عندما يتمكنون من تعديل الرسوم الجمركية بسرعة، وممارسة الضغط، وتقديم التزامات ملزمة دون الحاجة إلى انتظار الإجراءات التشريعية، لكن حكم المحكمة يقيّد هذه القدرات الثلاثة جميعها، ما يقلل من قدرة ترامب على فرض الرسوم الجمركية واسعة النطاق والمتبادلة التي يفضلها هو وفريقه.

توفر السلطات البديلة، المتمثلة في المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974 والتحقيقات بموجب المادة 301، نوعاً من المرونة، لكنها تأتي مع قيود كبيرة، فالمادة 122 محدودة بمدة 150 يوماً وبحد أقصى للرسوم بنسبة 15%، ما يجعلها أقل فاعلية في الحملات المكثفة طويلة الأمد التي كان إطار عمل قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية يتيحها سابقاً، بينما إجراءات المادة 301 أبطأ وأكثر تعقيداً وتستهدف منتجات محددة فقط.

مجتمعة، تُبقي هذه السلطات الإدارة بأدوات محدودة، بينما من المتوقع أن يقوم المعنيون في بكين وبروكسل وطوكيو بمراجعة الحكم بعناية وأخذ القيود المحتملة في الاعتبار عند خوض المفاوضات المستقبلية.

ترامب وانتقاد المحكمة العليا

تعد هذه المرة الأولى التي تقوم فيها المحكمة العليا للولايات المتحدة بمراجعة ورفض سياسة لترامب خلال فترة رئاسته الثانية، إذ كانت القرارات السابقة المتعلقة بجدول الطوارئ تسمح ببقاء سياسات الإدارة سارية المفعول أثناء التقاضي، لكن في هذه الحالة، حكمت المحكمة بأن ترامب تجاوز سلطاته الدستورية، وأنه يتعين عليه الحصول على موافقة الكونغرس لفرض رسوم جمركية واسعة النطاق.

أدت التداعيات السياسية بين الجمهوريين إلى انقسامات، فبينما اعتبر بعض المشرعين الجمهوريين الحكم تجاوزاً للسلطة القضائية، أدلى آخرون، مثل السيناتور ميتش ماكونيل، الجمهوري عن ولاية كنتاكي والزعيم السابق للأغلبية، بتصريحات مؤيدة له.

وقال ماكونيل: “من الناحية الدستورية، لا مجال للشك؛ فاستخدام قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية لعام 1977 للالتفاف على الكونغرس في فرض التعريفات الجمركية، وهو أمر غير مسبوق، غير قانوني أيضاً، وإن دور الكونغرس في السياسة التجارية، كما حذرت مراراً، ليس مجرد عائق يمكن تجنبه، وإذا أرادت السلطة التنفيذية سنّ سياسات تجارية تؤثر على المنتجين والمستهلكين الأمريكيين، فإن الطريق واضح تماماً: إقناع ممثليهم بموجب المادة الأولى من الدستور.”

ويشير الحكم إلى أن أهم أثر طويل الأمد يكمن في إعادة الكونغرس إلى موقع السلطة الرئيسي في قرارات التعريفات الجمركية، حيث أوضح رأي الأغلبية الصادر عن روبرتس أن الكونغرس، عند منحه سلطة فرض التعريفات، “يفعل ذلك بوضوح وبقيود دقيقة”.

يشير حكم المحكمة العليا إلى أن أهم أثر طويل الأمد يكمن في إعادة الكونغرس إلى موقع السلطة الرئيسي في تحديد قرارات التعريفات الجمركية

 وأضاف أن قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية (IEEPA) لم يوفر مثل هذا التوضيح، مؤكّداً أن أي سعي من الإدارة للحصول على سلطة واسعة في فرض الرسوم الجمركية يتطلب أولًا موافقة تشريعية.

النفوذ الاستراتيجي والمنافسة مع الصين

تتجلى التداعيات الجيوسياسية لهذا الحكم بوضوح في سياق المنافسة بين القوى العظمى، لا سيما الصين، فقد استخدمت الإدارة الأمريكية استراتيجية التعريفات الجمركية تجاه الصين بموجب قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية (IEEPA)  لتحقيق عدة أهداف: توليد الإيرادات، وحماية الصناعات المحلية، والضغط على بكين بشأن الممارسات التجارية ونقل التكنولوجيا، وإرسال إشارات استعداد للتصعيد يمكن تعديلها بسرعة، وبينما لا يلغي الحكم جميع هذه الأدوات، فإنه يقضي على الآلية الأكثر مرونة وشمولية لتطبيقها.

متظاهر يرفع لافتة كُتب عليها “التعريفات الجمركية سيئة” خارج المحكمة العليا (أ ف ب)

يأتي هذا القرار في لحظة حساسة للغاية، إذ تشارك الولايات المتحدة والصين في منافسة استراتيجية متعددة الجبهات تشمل أشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، وسلاسل توريد العناصر النادرة، والقوة البحرية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث شكّل النفوذ الاقتصادي دائماً عنصراً محورياً في الاستراتيجية الأمريكية، كوسيلة تفاوضية وأداة لتشكيل الحوافز التي توجه الاستثمارات والتطور التكنولوجي الصيني، وبالتالي، فإن تقييد قدرة السلطة التنفيذية على استخدام هذا النفوذ بسرعة وبشكل شامل يحدّ من أدوات الاستراتيجية الأمريكية في وقت يكون فيه الحفاظ عليها بالغ الأهمية.

في الوقت الراهن، تراقب الحكومة الصينية عن كثب ديناميكيات المؤسسات الأمريكية، ولن تغفل أهمية هذا الحكم، حيث سعت بكين منذ فترة طويلة إلى استغلال الانقسامات داخل الحكومة الأمريكية والفجوة بين نوايا الرئيس وإجراءات الكونغرس، إذ يمنح قرار المحكمة ميزة هيكلية لطرف أظهر صبراً وتماسكاً مؤسسياً مستمراً في سياساته الاقتصادية، وهي صفات تتناقض مع القيود الإجرائية للنظام الدستوري الأمريكي، ويبقى السؤال المحوري والملح: هل سيتمكن الكونغرس من الاستجابة بالسرعة والانضباط اللذين تتطلبهما المنافسة بين القوى العظمى؟.

الرسوم الجمركية واستقلالية القضاء

مع سيطرة الجمهوريين على الكونغرس، قد يبحث الأخير إصدار تشريع جديد للرسوم الجمركية، إلا أن السياسة الداخلية للحزب الجمهوري تُعقّد هذا المسار، فالنواب من الولايات الزراعية يخشون فرض رسوم انتقامية على منتجاتهم، بينما يعاني العديد من الصناعيين والمستوردين اضطرابات في سلاسل الإمداد بسبب الرسوم الجمركية الحالية.

كما أن أي إجراء تشريعي يتطلب عقد جلسات استماع ومفاوضات ونقاش عام، وهي خطوات تم تجاوزها بموجب قانون 1977، حيث يُبرز هذا الحكم استقلالية القضاء، كما يوضح أن تجاوز السلطة التشريعية لم يعد مسموحاً حتى في ملفات التجارة الاستراتيجية.

وعلى النقيض من ذلك، قد يتولى الكونغرس الآن دوراً أكبر في صياغة السياسة التجارية، بعد أن تنازل عن هذه السلطة للسلطة التنفيذية على مدى عقود، وقد يطرح هذا القرار نقاشاً حول أي فرع من فروع الحكومة ينبغي أن يحدد السياسات التجارية، وتحت أي قيود، ومع ذلك، يبدو واضحاً أن عهد تغيير الرؤساء المنفرد لقواعد التجارة العالمية قد انتهى، وأن خطوات الكونغرس المستقبلية قد تشكّل السياسة التجارية الأمريكية لسنوات طويلة.

يبدو أن عهد تغيير الرؤساء المنفرد لقواعد التجارة العالمية قد انتهى وخطوات الكونغرس المستقبلية قد تشكّل السياسة التجارية الأمريكية لسنوات طويلة

ووفقاً لصحيفة نيويورك تايمز، سيُذكر حكم الرسوم الجمركية الصادر عن محكمة روبرتس باعتباره اللحظة التي أعلنت فيها المحكمة العليا استقلالها، عبر رسم خط فاصل بين الطموح الرئاسي والتجاوز الرئاسي في إدارة السياسة الاقتصادية.

ومع ذلك، فإن هذا الخط الفاصل ليس مطلقاً؛ فالإدارة لا تزال تتمتع بسلطات كبيرة لفرض الرسوم عبر أطر قانونية أخرى، ويبدو أن الرئيس ترامب يعتزم استخدامها، إلا أن حكم المحكمة العليا يؤسس مبدأً أساسياً يقيد قدرة ترامب والرؤساء المستقبليين على استخدام سلطات الطوارئ لتجاوز الكونغرس في صياغة سياسة الرسوم الجمركية.

يحمل الحكم تداعيات تتجاوز الرسوم الجمركية على الواردات بكثير؛ فهو على الصعيد الداخلي يؤكد أولوية الكونغرس في تحديد السياسة التجارية، بينما على الصعيد الخارجي يوجّه رسالة واضحة إلى الحلفاء والمنافسين على حد سواء، مفادها بأن سلطة أي رئيس أمريكي في استخدام التجارة كسلاح أحادي الجانب أصبحت أكثر محدودية مما كان يبدو في السابق.

في المحصلة، ستضطر المفاوضات المستقبلية إلى مراعاة هذا القيد، فيما ستتكشف العواقب الكاملة للحكم على التجارة والدبلوماسية والمنافسة بين القوى العظمى، بالإضافة إلى قدرة الولايات المتحدة على التحرك الحاسم في بيئة استراتيجية متسارعة التغير، على مدى سنوات من المناورات الدبلوماسية الممتدة بين واشنطن وبكين.