يواجه النظام السياسي والعسكري الأوكراني مرحلة حاسمة، إذ قد تؤدي الصراعات بين الأجهزة المتنافسة إلى تعميق الانقسامات الداخلية، إذ تشير التطورات الأخيرة إلى أن تعيين الرئيس فلوديمير زيلينسكي في يناير لرئيس الاستخبارات العسكرية السابق كيريلو بودانوف كرئيس للأركان لم يكن مجرد تغيير إداري، بل يمثل بداية إعادة توزيع القوة داخل جهاز الأمن والاستخبارات الأوكراني بطريقة دقيقة لكنها ذات تبعات كبيرة.
يواصل بودانوف – الذي يشغل الآن منصب رئيس الأركان – ممارسة نفوذ خفي على الوكالة، وذلك على ما يبدو دون علم إيفاشينكو.
رغم أن أوليج إيفاشينكو تولى رسمياً منصب رئيس الاستخبارات العسكرية خلفاً لـ “كيريلو بودانوف”، إلا أن بودانوف، الذي أصبح الآن رئيس الأركان، يواصل ممارسة نفوذ خفي على الجهاز، بحسب تقارير تشير إلى أن ذلك يتم دون علم إيفاشينكو.
بودانوف الذي أصبح الآن رئيس الأركان يواصل ممارسة نفوذ خفي على الجهاز بحسب تقارير تشير إلى أن ذلك يتم دون علم إيفاشينكو
وقال مصدر يعمل داخل جهاز الاستخبارات، طلب عدم الكشف عن هويته خوفاً من العقوبات، لـ “إيغل انتليجنس ريبورتس”: إنه لا يزال يتلقى تعليمات مباشرة من بودانوف.
وأضاف المصدر: إن رئيس الجهاز الجديد لا يزال غير مدرك لطبيعة وحجم هذه التوجيهات.
وتكشف هذه التطورات عن خلاف صارخ بين قادة الأجهزة الأمنية المعينين حديثاً والمكتب الرئاسي، حيث يشير ظهور قنوات موازية لإصدار الأوامر وإدارة العمليات داخل هيكل الدولة الأمني إلى اتساع فجوة في هرم القيادة.
وأضاف المصدر أن فريقه يقوم بتجميع طائرات بدون طيار صينية بنظام FPV (الرؤية من المنظور الأول) للبيع للجيش الأوكراني، وأنه يظل على اتصال مباشر مع بودانوف، حيث لم تتغير ترتيبات العمل السابقة منذ تولي إيفاشينكو المنصب.
كما يمتد هذا الانسجام المتصدع في المجال السياسي والعسكري إلى ما هو أبعد من مجرد غموض إداري، إذ يؤثر مباشرة على إدارة الحرب، وجداول اتخاذ القرار، والتماسك الداخلي على الجبهة الداخلية في مرحلة حاسمة من الحرب ضد روسيا.
قالت ثلاثة مصادر أوكرانية مطلعة على الوضع في كييف: إن أندريه ييرماك، رئيس مكتب الرئاسة الأسبق، يسعى إلى العودة السياسية عبر تعزيز علاقاته مع شخصيات سياسية وأمنية بارزة، من بينهم أوليج إيفاشينكو، رئيس الاستخبارات العسكرية الحالي، وأوليكسندر بوك لاد، النائب الأول لرئيس جهاز الأمن الأوكراني، وأوليكسندر سيرسكي، القائد العام للقوات المسلحة الأوكرانية.
أندريه ييرماك رئيس مكتب الرئاسة الأسبق يسعى إلى العودة السياسية عبر تعزيز علاقاته مع شخصيات سياسية وأمنية بارزة
ويهدف تحرك ييرماك إلى موازنة النفوذ المتزايد لـ “كيريلو بودانوف” داخل مركز اتخاذ القرار، إلى جانب تبرئة نفسه من تهم الفساد التي أجبرته على الاستقالة وأثارت غضب الرأي العام في أواخر عام 2025.
من جهة أخرى، يُقال إن كيريلو بودانوف يعمل بنشاط لتسريع التحقيقات القضائية والأمنية المتعلقة بأندريه ييرماك بهدف منع عودته السياسية.

وأكدت المصادر أن الرئيس فلوديمير زيلينسكي اتخذ خطوات لتقييد سلطة بودانوف بشكل فعّال، لتجنب تركيز القوة المفرط في يد شخص واحد، لا سيما في ظل حساسية المفاوضات الثلاثية الجارية الرامية إلى إنهاء الحرب، والضغوط الداخلية والخارجية المتزايدة المحيطة بها.
قاد كيريلو بودانوف، البالغ من العمر 39 عاماً، وكالة الاستخبارات العسكرية الأوكرانية منذ عام 2020 وحتى تعيينه الأخير كرئيس للأركان، وخلال فترة قيادته، أشرف على عمليات سرية متعددة ضد القوات الروسية، ووسع نطاق العمل الاستخباراتي، وأدار عمليات خاصة تهدف إلى تقويض القدرات العسكرية الروسية خارج خطوط الجبهة.
وعقب التعيين، كتب الرئيس فلوديمير زيلينسكي عبر حسابه في منصة “اكس”: “تحتاج أوكرانيا إلى التركيز أكثر على الأمن والجيش والدبلوماسية”، مضيفاً أن بودانوف “يمتلك الخبرة والقوة لتحقيق النتائج”، إذ تجدر الإشارة إلى أن أوليج إيفاشينكو كان قد ترأس سابقاً جهاز الاستخبارات الخارجية الأوكراني.
في أواخر نوفمبر، كشفت هيئة مكافحة الفساد الوطنية الأوكرانية (NABU) عن “شبكة إجرامية” أدارها تيمور مينديتش، المقرب من الرئيس فلوديمير زيلينسكي، حيث تم تحويل نحو 100 مليون دولار في الخارج من خلال “مكتب خلفي” مقره كييف، بالتواطؤ مع مسؤولين ورجال أعمال بارزين.
وتورطت في هذه الفضيحة شركة الطاقة النووية Energoatom، ما أدى إلى إعفاء وزيرين من مناصبهما واستقالة أندريه ييرماك من منصب رئيس مكتب الرئاسة، في الوقت الذي ألقي فيه القبض على وزير الطاقة السابق جيرمان غالوشتشينكو أثناء محاولته عبور الحدود، في إشارة واضحة إلى حجم الانقسامات داخل النخبة السياسية الأوكرانية.
صرح أوليكسندر أباكوموف، رئيس وحدة التحقيقات في هيئة مكافحة الفساد الوطنية (NABU)، بأن المحققين استعادوا 527 ملفاً تحتوي على بيانات شخصية لمحققين وصحفيين وسياسيين ومسؤولين وضباط أمن من مكتب تيمور مينديتش، كما ويُذكر أن مينديتش، الهارب حالياً، كان شريكاً سابقاً لزيلينسكي في شركة إنتاج فني تأسست عام 2003.
كما تواجه إدارة الرئيس فلوديمير زيلينسكي اليوم واحدة من أخطر الأزمات السياسية منذ الغزو الروسي لأوكرانيا، حيث تظل الإصلاحات لمكافحة الفساد محوراً أساسياً في مسعى الحكومة الأوكرانية للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ما يزيد الضغوط على الإدارة ويعقد التوازن بين الحرب الداخلية على الفساد والمواجهة العسكرية مع روسيا.
يرى مراقبون للشأن الأوكراني أن هذه التطورات داخل دوائر اتخاذ القرار في كييف لم تعد مجرد صراعات فردية أو تنافسات عابرة بين شخصيات، بل أصبحت مؤشراً على هشاشة متزايدة في هيكل إدارة الحرب، وقد أصبح التقاء الملفات الأمنية والسياسية والفساد اختباراً حقيقياً لعزيمة الدولة وتماسك مؤسساتها، في وقت تتطلب فيه البلاد أقصى درجات التنسيق العسكري والسياسي لضمان استجابة فعّالة للتحديات الداخلية والخارجية.